الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 4الرجوع إلى "الفكر"

اسطورة موجة

Share

كانت الموجة العبقرية فى اليم البعيد تلتئم وتتكامل بحنكة  و نزق ؟ وكانت الرياح الصيفية الناعمة تساعدها على أن تنمو باستقامة ، وتخفف عنها ، في الآن نفسه ، وطأة النمو وكآبة قلقة . إذن ، لقد كان لها وجود حى ، نابض وسط هذا الخضم الهائل نعم ، كان لها وجود إذ هى من معدن هذا الخضم ولكن وحدتها الذاتيه هى هاته التى تصنعها وتخلقها بطريقتها المتميزة بها ، . وأخيرا فهى فى شغل شاغل ، إنها منهمكة فى خلق ماهيتها . وصعق فى الجو صوت بشري ، فصاح الموج : إن فى بنى البشر من طغي وتجبر ؟ وعم الكائنات صمت غريب ، وطلع من الأفق البعيد كائنات مجنحة ، ليس لها شكل الطيور التى عرفت ، واتجهت هذه الكائنات نحو اللجج حيث الخلق والدفق والتوليد ، لقد كانت هاته الكائنات تحلق بسرعة عجيبة ، نعم ! سرعة لا تخضع للمقاييس الزمنية التى عرفها البشر . وعم الكائنات استفهام ممض و . . حيرة مذبذبة إلا الموجة . . الموجة العبقرية .

وتحركت الموجة البنزرتية نحو الشاطئ العروس ، شاطىء بنزرت . كان وصولها إلى الساحل حذرا ، متيقظا ، فغمر سكون رهيب المياه الإقليمية وومضت فى الجو رعشات تختلج كأنها صراع الأرواح . وعلت المياه التى تعبر مجرى القاعدة فصاحت زرقة البحر - ما هذه الدماء ؟ إنها بشرية ؟ وأجابتها الموجة فى هدوء : إنها بورقيبية ؟ وفتحت الزرقة صدرها الرحب فتحركت الكتل الحمراء ، البريئة فى هيبة وجلال و . . انسجام . تحركت نحو الأعماق ، نحو القرار الأعظم ، نحو الأبد .

وهددت الزرقة وهى تضم الكتل الحمراء ضمتها الأبدية : إنها دماء زكية ؟

كان المصاب شديدا على الموجة رغم ما اتصفت به من صبر وتجلد ورصانة ، فصعقت : يا للقسوة ؟ يا للصلابة ؟ كانت الصخور تستمع بانتباه وتتبع حركات الموجة التى تتجه نحو القاعدة البحرية . فتمتعت : " ليت لى حظ الحركة التى تشارك فيها الموجة بنى البشر لاشاهد على العين قسوتهم وصلابتهم . إنهم يصفوننى بالصلابة ويضربون بى المثل فى ذلك و .  وتثار فى خلدها ذكريات وأفكار كثيرة : " إنهم يعلمون أن معدنى صلب ويدركون أن ذلك ليس من اختياري .  فكيفيه وجودي ونوعه ومكانه وزمانه ، كلها ليست من اختياري أو إرادتى أو مشيئتى ، ولكن ، ولكن صلابتى هذه تثبت لهم وجودي ، ومعدنى هذا ، الصلب ، ضروري لبناياتهم و . . سدودهم . كانت الرمال قد أدركت بحدسها ما يدور بخلد الصخور فقالت ما أقسى بنى الإنسان ؟

فأجابتها الصخور : " ايه يا أختاه ! فأنا لا أبادر بإذايتهم أو تحطيم مراكبهم ، وإنما هم يرتطمون بي كلما كانوا فى غفلة وانفلات شامل عن الوعى فحاشى أن أكون حجر عثرة نعم حاشى آن أكون وجدت للاصطدام لأن هذا يثبت عبثية كينونتى ، ويؤكد فى الآن نفسه ، لا معنى شامل يغمر هذا الوجود . " ولكن خطأ البشر الأكبر يكاد يكون واحدا ويتمثل هذا فى انفلاتهم عن الوعى انفلاتا أعمى وفى عدم استجابتهم للضمير " وفى هذا يكمن الشئ الأكبر ولاحظ مستمعوها أنها أكثرت من الحديث على نفسها وكادت تهمل المحور حيث تكمن العلة الأولى لهذه الحادثة ، فتنكس الصخور رؤوسها وترمق النبات البحري المعشش فى جذوعها السفلية ، وتتأمل الأغور التى حفرها الموج فى أجوافها فتصمت

كان بالقرب من القاعدة بعض حبات من الرمال فاغتنمت

فرصة غياب الموجه لتتساءل ، متجاهلة ، بصوت مرتفع    ما بال الموجة فى هذه الحال التى لم نتعهدها منها ؟ ولم تجد من يجيبها فتلتئم وتصمت

إن الموجة واثقة من انتصارها و لا يمكن لها أن تشك فى ذلك لأنها لا تحمل فى طياتها إلا معنى الخير والإستقامة . فهى " تتعرف وتتفهم ثم تعى وتستمرئ ولا تتخطى حدودها وبذلك تستقيم مع الأوضاع الوجودية " غير أن الريح رغم إيمانها بانتصار الموجة فإنها تود استعمال القوة للقصاص والانتقام والانتصار . ولكنها سرعان ما أدركت أن لكل مفهومه للقوة بل لكل آلته فى استعمال معدن القوة .

كانت الموجة تعود إلى اللجج فى موكبها ، وفى نفسها اعصار ، وفى دماغها مستقبل انها تعلم أن الشر قابع ، هناك ، فى خلايا الذوات المهوسة ، وانه يطغى من حين لآخر لينهش نهشته ، . ولكن سريعا ما تطرده الإنسانية فيحكم على نفسه بالخذلان والركون ويقبع فى تلك الخلايا المرضى ، انه يعلم انه ، فى ذاته ، غير حسن ، وانه الانزعاج ولكنه راض و . . يعيش . أهو من مستلزمات الإنسان ؟ أم هو من متلابسات الوجود ؟ أم هو بعض معاني التناقض العبثى ؟ كان يحيط بالموجة البطلة كائنات كثيرة ومختلفة ، وكانت تبتسم لها ، أما فى كلمة الشكر قالت لها فيما قالت : . سأبقى أنشودة الأناشيد ترددها أعماق الدهور ، سأبقى أسطورة خالدة مدى العصور .

اشترك في نشرتنا البريدية