مكتشفا من عوالمه ، قديما بوساطة مقربات الأبعاد الفلكية ، لا يعدو حبات من الرمل منثورة على شاطئ المعرفة : بالنسبة لما عرفوا ، اليوم ، ولما يعرفون غدا . .
وليس هذا من باب الخيال بل هو الحقيقة العلمية اليقينية . . اسمع ما يقوله مكتشف معظم أصول الرياضة والطبيعة " نيوتن :
" لا أدرى ماذا سيقول الناس عني ؟ أما رأيى عن نفسى فلم أكن الا أشبه بطفل يلهو على البحر ، يفرح بالاصداف ، التى تقذفها الامواج ، بينما البحر في جوفه اللآلئ ، ) ١ (
وكم وكم من أمثال نيوتن لهم كلمات تكشف حقائق هذا الواقع .
فهل يعقل أن الذى أحاط علما بهذه الحقائق اليقينية ، عن ضخامة عوالم الفضاء يصدق أن مخطط مخططاتها وموجدها والمتصرف فيها والمهيمن عليها والحافظ لها بسلطانه المطلق ، هو ما اتخذه أهل النحل ، من آلهة على اختلاف أنواعها ، وتباين صفاتها ، من الكائنات
لا ريب أنك تقول : لا ، لا ، وستظل تقول : لا ، لا ، ما دام في الارض من يؤمن بألوهيتها ويعبدها ، ويرجو ثوابها ويخشى عقابها . .
والآن يود شبابنا المثقفون ، بكل ما تملك عقولهم وقلوبهم من فهم الى التوسعة فى حقائق المعرفة ، اليقينية ، أن يطلعوا على الاسباب التى دفعت منشئى النحل القدامي ، الى أن يتخذوا آلهتهم من كائنات المادة ، أو من كائنات الطاقة ، وجعلتهم
يعبدونها من دون الله الخالق العظيم ، ويعتقدون انها هو . .
طبعا حسب ما اتخذ منها أهل كل نحلة من اله ، أو الهين أو آلهة .
وباعث مثقفينا الشباب الى التعرف الى ذلك ، هو علمهم اليقينى بأن نسبة صنع الاهرام الى كائنات الذباب ، أقرب الى التعقل من نسبة صنع عوالم الوجود - ما كشفه العلم منها ، وما لم يكشفه - الى آهلتهم تلك ، التى عبدوها واعتقدوا أنها هى الخالقة المدبرة المهيمنة ذات السلطان المطلق الذي لا يقهر . .
وهأنذا أدلى بجملة الاسباب التى جعلت القدامي يؤلهون ما ألهوا من كائنات المادة أو كائنات الطاقة تفصيلا :
- ١-
أول الاسباب هو جهل المؤلفين بكنه سعة الفضاء ، وضخامة كائناته ، وما هى عليه من نظام مهيمن عليها . . وجهلهم أن أكبر ما استكبروه من أجرامه المؤلفة ، لا تزيد أحجامها عن حبيبات من الرمل منثورة على شاطئ المعرفة . هذا إذا قيست بما وراءها من الأجرام الهائلة التى يتيقنون وجودها ، ولكنهم لم يكتشفوا مواطنها
ولا ريب أن الجهل بعظمة الأكوان ، وما هي عليه في واقع العلم اليقيني ، يفضي حتما الى الجهل بعظمة المكون ، جل جلاله .
ومن أجل ذلك كانت الآلهة المتعددة المتخذة من كائنات الارض وطاقاتها ، وما هو قريب منها شيئا مقبولا لدى القدماء . ومؤيدا في منطقهم ، ومعترفا به بينهم وموجودا في تقاليدهم .
-٢-
لولا أن منشئى النحل القدامى ، اعتقدوا أن الآلهة طاقات أزلية عالمة مريدة تتخير ما تحل فيه من الكائنات المادية ، لتؤله وتعبد ، وهي قادرة أن تنفع وتضر ، وتسعد وتشقى ، وتحيى وتميت ، لما ألهوها وعبدوها ، من دون الله الخالق العظيم جل وعز باعتبار أنها هو . .
وهكذا تعددت الآلهة لدى القدماء ، وكان تعددها بالطبع ، تابعا لتعدد الكائنات المادية وطاقاتها . . التى تخيلوها أزلية وتحل فيها . .
-٣-
حين جهل مؤسسو النحل القدماء ، أن الخالق العظيم ، هو الفعال الحقيقي الفذ المباشر لتكوين كل أنواع الكائنات ، أى هو مخطط مخططات ، تكوينها ، بعلمه الازلى الشامل ، ومخصص أوضاعها وأنواعها ومواطنها وأعمالها بإرادته النافذة وموجدها ، وموجد أعمالها المتسلسلة ، التى تصدر عنها بقدرته التى لا يعجزها شئ ، ولم يشاهدوا أمامهم الاسباب الظاهرة فى الكائنات ، فاعتبروها هى الخالقة وألهوها
فلما شاهدوا الشمس وما يصدر عنها ، اعتقدوا أنها هى السبب المباشر لكل ذلك وهكذا اعتقدوا الحليب الذى تحلبه البقرة والنار التى يقضون بها حوائجهم انها هى السبب المباشر في الوقود وقل مثل ذلك في كل ما أله البشر القدامي وعبدوا
ولو أن القدامي الذين ألهوها أدركوا أن سواها ، هو السبب الحقيقي المباشر في خلقها ، وخلق كل شئ في هذا الوجود ، لما ألهوها وعبدوها من دونه عز وجل
وهكذا فكل ما يصدر عن أى كائن مؤله معبود ، انما يصدر بعلم الله وارادته وقدرته ، وجهل القدامى به جل وعز هو السبب الذي أفضى يهم الى تأليه أفراد الكائنات والى عبادتها باعتبار أنها تشتمل على طاقات أزلية عالمة مريدة قادرة على كل شئ . وباعتبار أنها وحدها تستحق التأليه والعبادة
