هلال المحرم وجبل ثور
فى طريقي الى مكة المكرمة وانا عائد من الطائف بعد أن غربت الشمس وراء دائرة الافق نظرت الى الامام من ناحية اليسار ، والسيارة تجرى نحو ) دقم الوبر ( فاذا هلال شهر محرم وهو ابن ليلتين يتلألأ فوق مرتفعات جبل ثور فانطلق لساني يقول : اللهم اهله علينا بالامن والايمان والسلامة والاسلام ، ربي وربك الله هلال رشد وخير . . اتباعا لما كان يفعله رسول الهداية والسلام عندما يرى الهلال .
وأول شئ يطلبه صلى الله عليه وسلم على رؤية الهلال هو الامن الذى عليه قوام حياة البشر وفي ظلاله الوارفة يستطيع كل داع الى الخير أن ينشر دعوته ويؤدى مهمته ويعمل فى هدوء واطمئنان ، ويصور القرآن الكريم أهمية الامن بقوله : " او لم يروا انا جعلنا حرما آمنا ويتخطف الناس من حولهم ( وفي آية اخرى : ) او لم نمكن لهم حرمنا آمنا تجبى اليه ثمرات كل شئ ( .
ومن نعمه جل شأنه على عباده ان اقام لهم
بيتا وجعله ) مثابة للناس وأمنا ( يؤدون فرائضهم وجميع أعمالهم التعبدية وغير التعبدية من مستلزمات الحياة فى أمن وهدوء واستقرار .
ولا يستطيع الانسان مهما كان نوعه ان يؤدى للبشرية اية خدمة تساعد على تقدمها من الناحية الخلقية او السياسية او الاقتصادية او الحضارية الا تحت ظلال الأمن ( وفي نعمة الاستقرار والسكون .
وكم من منظمة دولية أنشأت أو تنشئ أو مؤتمرات عالمية تعقد باسم السلام العالمي والأمن الدولى وسواء انجحت تلك المنظمات والمؤتمرات أم لم تنجح فهى محاولات لإقرار الأمن في العالم وتبذل فى سبيلها الاموال العظيمة . .
وهنا يجب على المسلمين ان يحمدوا الله ويشكروه على أن انعم عليهم بهذا الدين القيم ) ملة ابيكم ابراهيم هو سماكم المسلمين ( دين الامن والسلام ، الدين الذي يدعو جميع أعماله وتعليماته وآدابه الى السلام والأمن والمساواة والاخاء . .
وقد تمتعت أجزاء من هذا العالم قرونا ودهورا تحت لوائه بنعمة الأمن التام والاستقرار الكامل ، ولم تعرف تلك الاجزاء . الحروب والقلاقل الا عند ابتعاد أبنائها عن الاسس الصحيحة للاسلام أو جريا وراء مصالح مادية دنيوية . . .
ونظرت الى الهلال هلال المحرم نظرة ثانية وكأنه يعلن من سمائه لاهل البسيطة بميلاد السنة الهجرية ) ١٣٩٠ ( ويطي صفحات سنة ) ١٣٨٩ ( التى جمعت بين طياتها ذكريات الافراح والاحزان والضحك والبكاء والخير والشر والرخاء والشدة والقلق والهدوء والحرب والسلام والانتصار
والإنهرام والبعد والقرب والموت والحياة . وذكريات البر والبحر والفضاء والاعماق والغرائب والعجائب ، ومن تلك الذكريات ما قام به هذا المخلوق العجيب ابن آدم من الوصول الى سطح هذا الهلال الذي يعلن بظهوره اليوم ناحلا دقيقا للعالم : ان جميع تلك الذكريات اصبحت في ذمة التاريخ المحدود بايام السنة الماضية سنة ١٣٨٩ -
ولئن وصل الانسان الى سطحك أيها الهلال وأتى من هناك بأجزاء عرضت على البشر ورأينا جزءا منها فى جامعة الملك عبد العزيز الاهلية بجدة مع ألف المشاهدين ومع ذلك فلا نقول فيك الا كما قال عنك القرآن الكريم : ) يسالونك عن الاهلة قل هى مواقيت للناس والحج ( فانت تعلن بظهورك وسيرك في المساء عن المواقيت وتعلن عن ميلاد الأشهر المنسوبة اليك ، وعن ميلاد السنة الهجرية . .
لقد وجدت بين هذا الهلال الذي كنت انظر اليه ، والى جبل ثور الراسى تحته مناسبة لطيفة . . فالهلال يشير من عليائه الى مبدأ السنة الهجرية القمرية ، وهذا الطود الأشم الراسى بارض مكة يقرأ على العالم بصمته قصة الهجرة هجرة رسول السلام والهداية محمد صلى الله عليه وسلم مع رفيقه وصاحبه الى المدينة ، الهجرة التى اتخذها المسلمون مبدأ لسنيهم ، والتي ابتدات من الغار القائم عند قمة هذا الجبل ثانى اثنين اذ هما في الغار اذ يقول لصاحبه لا تحزن ان الله معنا (
نعم لقد كان الله معه عندما خرج مر داره - صلى الله عليه وسلم - وخاب وخسر
كل من جلس يراقب خروجه للفتك به : اخرجه فى حراسته عز شأنه ولم يره أحد وهو يقرأ ) وجعلنا من بين ايديهم سدا ومن خلفهم سدا فاغشيناهم فهم لا يبصرون
وكان الله معه عندما تتبع سراقة بن مالك اثره ولحق به كعدو يأخذه ويعود به إلى قريش وسرعان ما تحول من عدو لدود ، الى صديق مدافع يرد عنه كل من حاول اللحاق به .
وكان الله معه عندما حل خيمة أم معبد الخزاعية وطلب من شاتها المجهدة لبنا فسح بيده الكريمة ضرعها فدرت وشرب وشربت وسمع بمكة من يقول :
جزئ الله رب العرش خير جزائه رفيقين حلا خيمتى أم معبد هما نزلا بالبر وارتحلا به فافلح من امسى رفيق محمد سلوا اختكم عن شاتها وانائها فانكمو ان تسالوا الشاة تشهد
وكانت هذه الابيات كاعلان عن اتجاهه فى الهجرة .
نعم كان الله معه عندما دخل المدينة والفرح قد عم المسلمين رجالا ونساء ، كبار . وصغارا ، فكبروا وهللوا ، يقول البراء ) فما رأيت الناس فرحوا بشئ كفرحهم برؤية رسول الله ( ويقول انس رضي الله عنه : ) ما رأيت يوما قط احسن ولا اضوا من يوم دخل رسول الله المدينة ( .
وكان الله معه عندما توجه للمعركة الفاصلة بين التوحيد والشرك فى بدر الكبرى ، وهو يقول : ) اللهم انجز لي ما
وعدتني . . اللهم اني انشدك عهدك ووعدك ( فقال الله : ) اني معكم فثبتوا الذين آمنوا سألقى فى قلوب الذين كفروا الرعب ( وقال لاعدائه : ) ولن تغنى عنكم فئتكم شيئا ولئن كثرت وان الله مع المؤمنين ( .
وكان الله معه يوم الفتح الأكبر يوم دخل الناس في دين الله أفواجا . .
ولقد شاهد الطود الاشم جبل ثور من مكانه من اختبا فى غاره مع صاحبه ثلاثة ايام ، ثم خرج نحو المدينة خفية وسرا ، شاهد عودته بعد عشر سنوات في حجة الوداع ومعه مائة الف ) اشداء على الكفار رحماء بينهم ( يطيعون الله ويطيعونه سرا وعلانية .
وكان الله مع المؤمنين اتباع محمد صلى الله عليه وسلم عندما قاموا بنشر الاسلام فى عموم الجزيرة العربية وما جاورها من البلاد ثم في مشارق الارض ومغاربها . . فهو معهم الى يوم القيامة اذا كانوا معه فى نصرة دينه ) ان تنصروا الله ينصركم ويثبت اقدامكم ( .
فى مثل هذه الحقائق بقيت انظر الى هلال المحرم لسنة ١٣٩٠ وهو يتلألا فوق جبل ثور . . فاهلا بك ايها الهلال ، واهلا بك ايتها السنة الجديدة ، ومرحبا بك ايتها الذكرى الحبيبة ذكرى هجرة المصطفى صلى الله عليه وسلم الى المدينة المنورة .
مكة المكرمة (
