مذهب إبى حنيفة ومصادر فقهه
ان الامام الاعظم قد اجتهد فيما ورث من علوم اولئك الاقطاب ، واضاف جديدا لا يحصى لكثرته الى ارثه ، بل تصرف في الموروث من العلم ما اكتسب به لونا جديدا حتى صار الموروث في يديه مادة جديدة .
وان من أشد المكابرة أن نجد بعض المستشرقين ومقلديهم من بعض الباحثين المسلمين ينفون أن لابي حنيفة مذهبا فقهيا خاصا به ، ويزعمون أن المذهب المنسوب اليه ليس من ابتكاره ، بل هو منقول اليه ممن سبقوه ، فليس بصحيح نسبة المذهب اليه .
يقول الدكتور يوسف شخت المستشرق الالمانى ) ١ ( " مذهب الحجاز لم يكن تقليديا من حيث المبدأ ، بل من حيث انه يمثل السنة المدنية ، ومذهب العراق لم يكن أوسع حرية من ذلك ، بل كل ما هنالك انه متفق وتطور حياة العراق المادية والفكرية التى تعرضت لكثير من التأثيرات الخارجية ، وامتزجت بكثير من العناصر الاجنبية ، كان هذان المذهبان فى مرحلتهما القديمة يحتاجان الى تنظيم محكم ، فهما لم يرتبا صفوف أتباعهما الا بتأثير المذهب الشافعي وعلى غراره ، فاختار كل واحد منهما شخصا
) ١ ( الاستشراق والمستشرقون ، للدكتور السباعي الطبعة الاولى ١٣٨٧ ه ) ١٩٦٨ م ( صفحة ١٠
ممتازا ينتسب اليه ، جديرا بتمثيله والأدلة كثيرة على هذه الطريقة من النظر فى نشأة المذاهب الفقهية ، فقد ظلت التسميتان الاصليتان من " أهل العراق " و " أهل الحجاز " تطلقان على اصحاب هذين المذهبين حتى بعد عصر مؤسسيهما المزعومين أبي حنيفة ومالك " .
ويذكر الدكتور محمد يوسف موسى فى كتابه " ابو حنيفة " ان المستشرق الانكليزى يؤكد فيما كتبه عن ابى حنيفة فى دائرة المعارف الاسلامية انه لا اساس لما يراه كثير من الكتاب الاوروبيين من انه اصطنع اصولا مبتكرة . وانه أسس مذهبا اعتمد فيه كل الاعتماد على القياس ، ثم نراه بعد ذلك يعمم الحكم على أئمة الفقه جميعا فيقول : انه لا يوجد بصفة عامة اى فارق بين المذاهب الفقهية المختلفة فى الاسلام ، من ناحية الاصول التى تقوم عليها "
ولم يقف هذا الانكار على المستشرقين المنكرين . بل تبناه بعض الباحثين من المسلمين مثل : الدكتور على حسن عبد القادر فى كتابه " نظرة عامة فى تاريخ الفقه الاسلامى " سطا فيه على هذا الرأى وغيره من اراء المستشرقين امثال جولد زيهر
يقول الدكتور مصطفى السباعي ) ١ ( : الدكتور على حسن عبد القادر فى كتابه نظرة عامة فى تاريخ الفقه الاسلامي هو ترجمة حرفية لما كتبه جولد زيهر فى كتابيه : " دراسات اسلامية " و " العقيدة والشريعة فى الاسلام " .
والانكار على ابي حنيفة انه صاحب مذهب ، وثلبه بزعمات باطلة ، والجرأة على الحق مكابرة وجحود للواقع ، فمذهب أبي حنيفة قائم مشهود ، وهو وحده واضعه ، وهو وحده الذى ابتداه وابتكره واسسه ، ولهذا .
المذهب اصوله وقواعده التى بني عليها احكامه ، وله منهج خاص تفرد به ، ومن أجله اتهم من اهل الحديث ومن بعض خصومه المعاصرين .
فمدرسة الرأي تنسب اليه لانه واضع اسسها ومنهجها ، ومدرسة القياس تنسب اليه لانه صاحبها ومؤسس قواعدها ، وهو صاحب مذهب خاص في استنباط الاحكام وقياسها .
وكان شيخه ومن سبقوه يذهبون قبله إلى ما ذهب اليه ، ولكنهم لم يكونوا اصحاب مدرسة او مذهب ، ومدرسة العراق فى مجموع اصحابها اخذت بالرأى والقياس الى حد محدود ، ولم يجعلوا لهما ومنهما " قانونا بل كان ما قالوا به مجرد آراء غير قائمة على منهج ، أما أبو حنيفة فصاحب مدرسة وصاحب مذهب ، فهو أول من اقام الفقه الاسلامي على أساس القياس المرغوب فيه ، الذي لا يناقض الاصول ، ولم يكن من سبقوه او عاصروه ينظمون الفقه على أساس القياس .
ويمتاز مذهب الامام الاعظم بانه مذهب يعتمد على حرية العقل ، وحرية التفكير ، وحرية القول ، وتوسيع نطاق الفقه حتى يستوعب احداث الحياة وقضايا الحضارة مما لم يكن فيه نص ، واقتران سعة الفروع وكثرتها بالعمق حتى يكون ما في المذهب " قانونا " او قاعدة يبني عليها ما يماثل المسائل التى اوجدوا لها حكما ، ومثالا يحتذى فيما يجد من القضايا والحوادث . وترك باب الاجتهاد مفتوحا للمجتهدين .
ولو لم يكن ابو حنيفة مبتكر مذهب فقهى له شخصيته وعلاماته الفارقة ، ما كان غرضا لقذائف المخالفين والناقدين الذين اخذوا عليه مخالفة منهج المتقدمين ، ولما
اتهموه بانه امام مدرسة الرأى التى اسسها هو نفسه ، واخذوا عليه اتخاذ الرأي في التشريع ، والقياس على ما سبق منه ، والتوسع فيهما ، والتصرف الحاذق في المسائل الشرعية رايا وقياسا .
ومن انكار الحقيقة والواقع الانكار على أبي حنيفة انه صاحب مذهب ، ومبتكر أصوله وقواعده ومناهجه بعد أن رأينا صرح هذا المذهب ، وما أحدث من دوى فى عالم الفقه والتشريع .
ان ابا حنيفة أحدث حركة مدوية عنيفة بمذهبه ، وتسامع الفقهاء والتابعون ، به . فأنكر منهم من أنكر عليه ما عدوه بدعة وخروجا على من جاء بالشرع ، وما احدثه أبو حنيفة لم يكن الا تجديد مقبولا ، واجتهادا صحيحا .
واذا لم يكن لابي حنيفة مذهب فقهى ابتكره ووضع قواعده وجعل له منهجا فكريا خاصا به فما تفسير وجود مذهب حى حتى الآن ينسب الى أبي حنيفة ؟ وما تفسير ثورة العلماء عليه ؟ انهم حملوا على مذهبه ، وثاروا على منهج هذا المذهب وأسلوبه وطريقته .
ولا معنى لهذه الثورة العنيفة اذا لم يكن لأبي حنيفة مذهب خاص يختلف عما الفوه ، ولم تكن الثورة في محيط ضيق ، بل كانت على أوسع نطاق ، وانتشرت في الآفاق .
عن زهير بن معاوية قال : كنت عند الامام ابي حنيفة والابيض بن الاعز يقايسه فى مسألة يديرونها بينهم ، فصاح رجل من ناحية المسجد ظننته من أهل المدينة ، ما هذه المقايسات ؟ دعوها ، فأول من قايس ابليس
فأقبل عليه الامام أبو حنيفة وقال : يا هذا وضعت الكلام في غير موضعه ، ابليس رد
على الله تعالى امره ، قال سبحانه وتعالي : واذ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم فسجدوا الا ابليس كان من الجن ففسق عن امر ربه ( وقال تبارك وتعاليفسجد الملائكة كلهم اجمعون الا ابليس ابي ان يكون من الساجدين وقال عز وجل : " الا ابليس ابي واستكبر وكان من الكافرين ( وقال : ) ااسجد لمن خلقت طينا ( فاستكبر ورد على الله تعالى
أمره . وكل من رد على الله تعالى أمره فهو كافر ، وهذا القياس الذي نحن فيه نطلب فيه اتباع امر الله تعالى ، لأنا نرد إلى أمر الله تعالى في كتابه أو الى سنة سنها رسول الله صلى الله عليه وسلم ، أو الى اتفاق الصحابة والتابعين فنجتهد في ذلك حتى نرده الى كتاب الله ، أو الى سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، أو الى قول الأئمة من الاصحاب التابعين ، فاتبعنا ايضا في ردنا إلى كتاب الله وسنة رسوله والاجماع . أمر الله تعالى
قال الله تعالى يا ايها الذين امنوا اطيعوا الله وأطيعوا الرسول واولى الامر منكم فان تنازعتم في شئ فردوه الى الله والرسول ان كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر ( فنحن ندور حول الاتباع ، فنعمل بأول أمر الله تعالى وابليس حيث قايس خالف أمر الله تعالى ورده ، فكيف يستويان ؟
فقال الرجل : غلطت يا ابا حنيفة ، وتبت فنور الله تعالى قلبك كما نورت قلبي .
فلم يكن مذهب ابي حنيفة خافيا على معاصرية خاصة وعامة ، فهذا رجل عالم ينهض لابى حنيفة ويرد عليه ساخطا مستنكرا ، وقد فهم مذهبه حق الفهم ، فكان فى رده على ابي حنيفة يتخذ طريق ابي حنيفة نفسها وهو القياس ، اذ يقيس قياس ابي حنيفة على قياس ابليس

