الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 1 الرجوع إلى "المنهل"

اسلاميات

Share

الهجرة والعام الجديد

الله سبحانه وتعالى هو المقدر والمدبر لجميع مخلوقاته حتى كانت هذه التطورات والتقلبات الكونية من عصر الى عصر ومن جيل إلى جيل . . سنة الله فى خلقه ولن تجد لسنة الله تبديلا .

نعم ، هكذا كانت مشيئته تعالى منذ الازل فيتعاقب عهد بعد عهد ونظام تلو نظام فى هذه الحياة الدنيا إلى يوم يبعثون .

واليوم . . انتهت سنة ١٣٨٩ ه وازاحت أمامها ستار الابدية وخلفتنا .

وراءها بما خلفته لنا من شؤون الحياة وشجونها ، وانطوت كما انطوت لداتها من السنين والاعوام الغابرة تحت طي الكتمان وبين سجف الماضي والنسيان . فقل لي بربك : ماذا جنينا من السنة الماضية طيلة معاملاتها لنا من النتائج والثمرات ؟ اكان حلو المذاق ام مره ، اكان فرحا ام ترحا ، انسا ام بؤسا ؟ أم النعمة العظمى أم العذاب الاليم ؟ فلنعمل لأنفسنا تصفية حسابية ، اجمالا وتفصيلا ، كما يعمله ارباب التجارة والاقتصاد على رأس كل سنة لنعلم اكانت تجارتنا رابحة أم بائرة وحياتنا كاسبة أم خاسرة طوال العام المنصرم ، ثم لنكون على بينة من أمرنا حين نستقبل هذا العام

وجماعيا ، منهجا نبني امورنا على منوال بعد ان نؤيده بميزانية تنظم مصادر دخلنا ومصارف خرجنا ، حتى لا نقع فيما وقعنا فيه فى الماضي من الافتراق والتفكك حتى اسقط علينا وبهتنا فى مواجهة التكالب الثلاثى من الصهيونيين والمسيحيين والشيوعيين الذين تكالبوا علينا يريدون سحق ما بقى لنا من كيان بمختلف الطرق والوسائل فكان من جراء ذلك ان كانت النكبة المزرية أمام هذه الشرذمة الباغية فبسطوا نفوذهم الغير الشرعى على اراض لنا مقدسة وطردوا اخوانا لنا من اوطانهم وبلادهم كما تسمم مجتمعنا بسموم المدنية الزائفة والحضارة الماجنة التى دسها الغربيون وكنائسهم المسيحية بين ابنائنا وافلاذ اكبادنا

والكفر والشرك بالله سبحانه وتعالى ، والعياذ بالله . .

ونحن بصفة كوننا مسلمين أتباع النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم فما زلنا على الدوام نستشعر بالمسؤولية العظمى التى تلقى على عواتقنا أمام الله نحو انفسنا وأهلنا وأموالنا وما أوليناه من مصالح ديننا ووطننا ومجتمعنا ، فلننصف أنفسنا ولنرجع عن هفواتنا ولنتب الى الله سبحانه وتعالى من سيئات أعمالنا ومن شرور نفوسنا - قال الله

تعالى :

" يا ايها الذين آمنوا توبوا إلى الله توبة نصوحا " ) التحريم ٨ (

وان لنا لركائز من قبس التنزيل وهدى السنة النبوية هي التى تنظم حياتنا وتبنى أمورنا على أساس متين فلا نتخبط خبط عشواء ، فقد قال الله تعالى :

" ونضع الموازين القسط ليوم القيامة فلا تظلم نفس شيئا وان كان مثقال حبة من خردل اتينا بها وكفى بنا حاسبين " الأنبياء ٤٧"

وقوله تعالى : ونضع الموازين القسط . . العدل توزن بها صحائف الاعمال وقيل وضع الميزان تمثيل لارصاد الحساب السوى والجزاء على حساب الاعمال بالعدل ( وقال الله تعالى ايضا :

" ووضع الكتاب فترى المجرمين مشفقين مما فيه ويقولون يا ويلتنا ما لهذا الكتاب لا يغادر صغيرة ولا كبيرة الا احصاها ووجدوا ما عملوا حاضرا ولا يظلم ربك احدا " .

) الكهف ٤١ ( وأخرج أحمد والترمذي وابن ماجه عن شداد بن أوس : " الكيس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت والاحمق من اتبع نفسه هواها وتمنى على الله الاماني "

وروى أبو نعيم في الحلية عن ثابت ابن الحجاج : " زنوا انفسكم قبل أن توزنوا وحاسبوها قبل ان تحاسبوا فان اهون عليكم فى الحساب غدا ان تحاسبوا انفسكم وتهيئوا للعرض الاكبر يومئذ تعرضون لا تخفى منكم خافية "

ومعنى دان نفسه : حاسبها وقيل استعبدها وقهرها جعل نفسه مطيعة ومنقادة لاوامر ربها أى الكيس من ابصر العاقبة وحاسب نفسه والاحمق من عمى عنها وحجبته الشهوات والغفلات . . ) كما فى اتحاف السادة المتقين للمحدث السيد محمد ابن محمد الحسيني الزبيدى الشهير بمرتضى ج - ١ ص ٩٤ (

وما دمنا نتفيا ظلال التنزيل ونستضئ بهدى السنة النبوية ، فنحن ان شاء الله فى خير والى خير .

وهذا أول يوم من المحرم عام ١٣٩٠ ه قد بزغت شمسه بضيائها اللامع يشع على هذه الحياة فتبعث النشاط في النفوس لمواجهة هذا العام الجديد وتذكى الحرارة فى العزائم لتدارك ما فات واخذ الدروس من الماضي

وهو علاوة على ذلك يذكرنا بهجرة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم هو وصاحبه ابو بكر الصديق تاركين ورءهما وطنهما المحبوب مكة المكرمة لائذين بربهما الى حيث ترفرف اعلام دينه ، وتشرق شموسه ، وتتوطد معا ويصبح هذا الدين الحنيف منارا يهتدى به فى ظلمات الحياة المدلهمة .

حقا ، ان الموقف رهيب ، ومغادرة الوطن تستوجب الحنين والنحيب .

نعم ، فقد هاجر الرسول صلى الله عليه واله وسلم من مكة وقلبه يحن اليها لانه

فيها نبت ، وعلى ارضها درج ، وفيها اختاره الله لهداية لخلقه ، ولكنه تركها ارضاء لربه واعتزازا ، بيقينه ، وصونا لدينه ، قصد المدينة وغايته النضال لاعلاء كلمة الله والجهاد فى سبيل الله .

قال الله تعالى . " الا تنصروه فقد نصره الله اذ اخرجه الذين كفروا ثانى اثنين اذ هما في الغار اذ يقول لصاحبه لا تحزن ان الله معنا ، فأنزل الله سكينته عليه وأيده بجنود لم تروها وجعل كلمة الذين كفروا السفلى وكلمة الله هي العليا والله عزيز حكيم " ) التوبة ٤٠

هاجر الرسول صلى الله عليه وآله وسلم من وطنه المحبوب ومشى وصاحبه يقطع الفيافى والبرارى واختبأ بالغار فى ليله ولم يكن معه غير الصديق والله ثالثهما حتى نجاهما من مطاردة أعداء الله الذين يريدون قتلها ، فكان له عند دخوله المدينة الحفاوة البالغة واستقر بها قراره والعزة تاجه والكرامة تحيط به من كل جانب :

طلع البدر علينا

من ثنيات الوداع

وجب الشكر علينا

ما دعي لله داع

سبحانك ربى من الله حكيم فقد اخرجت نبيك محمدا ، صلى الله عليه وآله وسلم من بين : ) الذين يتكبرون في الارض بغير الحق وان يروا كل آية لا يؤمنوا بها وان يروا سبيل الرشد لا يتخذه سبيلا) فجعلته بين قوم يحبهم ويحبونه إذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين ( وهم ) اشداء على الكفار رحماء بينهم تراهم ركعا سجدا يبتغون فضلا من الله ورضوانا سيماهم في وجوههم من اثر السجود - يحبون من هاجر اليهم ولا يجدون في صدورهم حاجة مما اوتوا ويؤثرون

على انفسهم ولو كان بهم خصاصة ومن يوق شح نفسه فأولئك هم المفلحون ) رجال لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله واقام الصلاة وايتاء الزكاة يخافون يوما تتقلب فيه القلوب والابصار ، ليجزيهم الله احسن ما عملوا ويزيدهم من فضله والله يرزق من يشاء بغير حساب ( .

فكان ما كان من توافق النفوس وتضافر القلوب وتساند الصفوف فصارت للجميع وجهة واحدة واخذ التشريع السماوى ينزل تباعا لمصلحة البشر وسعادة الانسان ولكن الله أراد أن يمتحن عباده فوقع ما لا بد ان يقع من الجلاد والنضال والقتال بين قوة الحق وثبات اليقين ، وبين الضلال وترهاته الباطلة حتى اعز الله الاسلام دينا فاتسعت رقعته وامتدت الفتوحات شرقا وغربا رغم أنوف الاعداء الذين ) يريدون ليطفئوا نور الله بافواههم والله متم نوره ولو كره الكافرون ( فصارت الهجرة بابا يلجه كل من اعيته الحيل فى ان ينال عزة فى مكانه الذي هو فيه ، يلج ذلك الباب ليصل منه الى مكان آخر فيه رفعته وفيه سمو مكانه .

وكل امرئ يولي الجميل محبب

وكل مكان ينبت العز طيب

وللهجرة فوق ذلك الاجر العظيم والثواب الجزيل اذا ما كانت لله ولرسوله ، فمن كانت هجرته لله ولرسوله فهجرته الى الله ورسوله ، ومن كانت هجرته لغيرهما ، فهجرته الى ما هاجر اليه ، ) ومن يهاجر في سبيل الله يجد الارض مراغا كثيرا وسعة ، كمن يخرج من بيته مهاجرا الى الله ورسوله ثم يدركه الموت فقد وقع اجره على الله وكان الله غفورا رحيما ( .

اشترك في نشرتنا البريدية