الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 10الرجوع إلى "الفكر"

اسلم السير في الضياء

Share

هذه قصة من تحرير السيدة هند عزوز .

يمتاز أدب القصة عن غيره من الفنون التعبيرية بأنه لا يقنع يقيد الاوايد من الاشجان العابرة التى بدونها لا تكون الحياة حياة . بل يمتاز بناحية ايجابية ، هو الكشف عن دواخل النفس والدلالة عن مشاكلها والتنبيه ...

فمن قرأ قصة عاش تجربة مجانا ، دون ان يترك من ريشه . فليتدبرها فيما يصلحه فليس الدين يعلمون كالدين لا يعلمون " .

ولا يصح هذا التعريف الا اذا كان هذا الادب مؤسسا على الصدق ، فلا الرمزية ولا العبثية ولا التوجيهية ... الصدق .

وقديما قالت العرب :

"وان ابلغ بيت انت قائله بيت يقال اذا انشدته صدق"

فهو اساس كل بناء جدى .

وهذا ما نلمسه فى انتاج السيدة هند عزوز .

فالى تاريخ ليس بالبعيد ، لبث الادب وقفا على الجنس الخشن . قال ادمون روستان على لسان سيرانو : " ايتها الحسان الهمننا الشعر و لا تتدخلن فيه " وما زال القصاصون من الرجال ، وحدهم بطبيعتهم الثرثارة ، يشرحون دواخلهم . واذا ما خامر احدهم ان يدرس دواخل الجنس المقابل فانه حتما كالواصف دواخل بيت مقفل . ومهما تكن كهانته فلا تعدو انها ضرب من التخمين والقارئات من الجنس المقابل يبتسمن من اخطائهم وغرورهم . فها صوت من داخل البيت .

الكواتب من النساء قلة حتى فى بلاد الكثرة ، فما بالك ببلدان القلة . ولذا نبارك هذا القلم ونرجو له المضى فى

أصالته وعدم الانقياد للتيارات الدخيلة ونبشره بمستقبل خصب .

فقد كنا قرأنا للسيدة هند عزوز قصة اخرى (1) كانت من الصدق والقوة في مستوى الاسطورة .

قصة قرينين ظنا انه اتفق لهما ما لم يتفق لغيرهما من البشر : تجانس تام مطبق . كل معحب بصاحبه ، بحبه يعبده ، لكن شيب صفوهما باختلاف تافه ، لامعنى له .

كان احدهما مغرما بالخيل والآخر بالادب .

ويشاء الطبع الذي يحمل كالثمرة ، جرثومة فساده فى ذاته ، ان يتحدى غيره من البشر ، ويبلغ دونهم الكمال . فيرفع باحدهما ، الزوجة ، مثلا ، ان تصل اليه . فما بينها وبين الكمال الا هذه الهواية التافهة ، فلا اقل من التضحية بها واعتناق هواية صاحبها .

ونبذت فعلا ، ما كانت فيه من ادب واهتمت بعتاق الخيل . ونجحت . نجحت الى ابعد حد . اخذت بهذه الهواية حتى لم تعد ترضى بغيرها بديلا .

واذا اليوم الموعود ، فتفاتح قرينها بحديث هوايته .

واذا سنة الله فى خلقه تقضى ان لا كمال . وانهما كغيرهما من البشر .

فصاحبها ، ايضا ، سعى نفس السعى ، فنبذ هوايته واعتنق هو ايتها . ولم يعد يرضى بغيرها بديلا .

وهكذا استمر خلافهما كما كان . غير ان كلا منهما تزحلق الى قطب الآخر ... دون ان يلتقيا .

هذا الصدق فى التحليل وهذه الطرافة فى الوسائل تجد مثلهما فى القصة التالية :

نفرق الجمع وخرج المدعوون الذين لم يكونوا الا قلة تمثل اخص اقرباء الخطيبين ، وبقيت دره على انفراد مع رشاد فى مكان الاحتفال من المنزل ريثما تشرف امها على اعداد مائدة العشاء التى ستضم خطيبها لاول مرة .

وانتظرت من رشاد اثناء ذلك ان يجاذبها اطراف الحديث او ان يداعبها بالفاظ معسولة وكلمات عاطفية تزخر بالود والامل السعيد ، كلمات تتناسب والظرف الذى جمع بينهما وتبادلان النظرات المعبرة والابتسامات المرحة . كما يحدث عادة بين الخطيبين فى مثل هذه الدقائق الاولى من حياتهما الجديدة .

ولكن شيئا من هذا لم يقع بل اتجه رشاد بنظراته الشاردة الى الارض ، وغاب فى تفكير طويل ، الشئ الذى احرج وجودها بالقرب منه ، واخذت تبحث عن وسيلة للانسحاب من المكان لتاقفها من سهومه وحيرته ، ولثقل الجو الذي ساد مجلسهما فحول انسه الى ضباب مقلق مخيف .

ولكنها تريثت قليلا وجنحت الى الصمت ثم ضاعت فى تعليل هذه الاطراقة الساهمة غير المعهودة فى مثل هذه المواقف والظروف .

فعادت اليها حكايات صديقاتها ووصف بعضهن هذه اللحظات باعذب فترات العمر ، او عمر الزواج على الاقل . وترامى فى سمع ذاكرتها صوت جوى وهى ترد عليها اول جملة داعبت اذنيها من قبل خطيبها بعد اتمام الخطبة ، فى اول فرصة جمعتهما منفردين .

" نجوى لم اصدق انك اصبحت لى ، لم اصدق انني سعيد الى هذه الدرجة ، هل تشعرين مثلى بان المكان يضيق بفرحتنا ؟ وهل تحسين مثلى بان هذه الفرحة قد لا يسعها الكون كله . ان السعادة تفتح الآن ذراعيها لاحتضاننا يا نجوى . وتقى اننى لن ادخر جهدا لاجعل منك اسعد زوجة يضمها بيت رجل ، وأهنأ انسانة يضمها صدر زوج ، انه حلم تحقق وما اسعد هذا الحلم يا نجوى " .

وزاحم هذا الصوت صوت عائدة زميلتها وهى تلهج وتتبج باطراء زوجها لجمالها اذ قال لها يوم الخطبة : " عائدة لقد اصبح هذا الجمال الدافيء ملكا لى ، انى ارى فيك صورة مجسمة لمعنى الجمال المحتشم الذى اليه أسعى وفيه

أموت ، وغيرها وغيرها " . ولكن . ما لخطيبها هى واجما هكذا ؟ ماذا ؟ هل استنقص جمالها ولكنها لم تكن نكرة بالنسبة له . لقد رآها اكثر من مرة قبل الساعة ، وقد عبر فى اكثر من مناسبة بانه سعيد بهذه المصاهرة ، اذن ماذا ؟ كبرياء وصلف ؟ غير معقول ، اذ انها لا تقل عنه مستوى وثقافة وأبوها يتمتع بمركز اجتماعى هام . ويشغل وظيفة محترمة .

لعله رجل خجول ، وهو ينتظر منها هى ان تفتح قوسا للحديث ولكنها اكره ما تكره هذا النوع من الرجال .

وبينما هى تفكر هكذا واذا برشاد يرفع رأسه قليلا ويقول لها فى جدية متناهية وحيرة لم يفلح في اخفائها الا قليلا : " درة " ، فاهتز قلبها للنداء وارهفت السمع بشوق ، واذا به يقول : " انت على علم من اننى سأسافر الى بنزورت للالتحاق بعمل هناك بعد ان انتهت اجازتى ، وتغيبت عنه اسبوعين كاملين ، ورجائى اليك هو ان تكاتبينى باستمرار ، وساكاتك أنا بدورى ، لا تقدمي شيئا عن رسائل ولا تستهينى بامرها ، هذا كل ما التمسه منك بالحاح ولا اقبل فيه عذرا " .

قال هذا دون ان ينظر الى وجهها او ان يقحم جملة لينة ترفع من معنوياتها ، وتخفف من الكابوس الذى اعتراها ، وبقى ينتظر الاجابة منها بعد ان عاد الى اطراقته الاولى .

وهنا حاولت درة رغم اشمئزازها واستنكارها جفاف لهجته ان تصوغ جملة تضمنها قبول الالتماس او السؤال عن الداعى الى هذا الاهتمام بالمراسلة ، ولكن خانتها اعصابها الثائرة فلم تستطع الا ان تهمهم بكلمات معنى لها ولا حتى هى تسمع . وانقطع خيط الحوار الخاطف الثقيل بدخول أبويها يستقدمان الخطيبين الى مائدة العشاء والاشراقة تملا وحهيهما ، حفاوة بالخطيب الكريم ، وفرحة بابنتهما فى اليوم السعيد . وانتقل جميعهم الى قاعة لاكل بمن فيهم درة التى خرجت تجر اذيال حيرتها مع اذيال فستانها الوردى الطويل .

وبعد ايام قليلة من سفر رشاد الى بنزرت وردت على درة اول رسالة منه . رسالة ليس فيها ما يمكن ان تحمله رسالة اولى من خطيب لخطيبته . وليس فيها ما يقرب القلبين الى بعضهما سوى انها تحملها على الكتابة من جديد فى اسلوب رفيع ، ولكنه خال من اى شئ يقال له العاطفة او المجاملة او ما يشبه ذلك .

وهنا زادت حيرتها وكبرت علامة الاستفهام امام عينيها وعزمت ان لا تكتب اليه ولو حرفا واحدا . ولكنها بعد لحظات غيرت رأيها ورجعت فى

عزمها إذ فكرت انها اصبحت زوجة له بحكم العقد الذى تم بينهما الخيرا ، ذلك العقد الذى اصر هو بنفسه على اتمامه لاسباب قال انها مهمة جدا ، اذن فمن واجبها ان تسبر غور هذا الزوج الذي لم تتعرف اليه قبل الزواج الا لماما ، وان تماشيه فترة من الزمن حتى تقف على حقيقته ، ولها بعد ذلك رأى ونظر .

ولذا امتثلت لمشيئته وخطت له رسالة مقتضبة شحنتها بتحيات العائلة وبعض الكلمات الجوفاء التى لا روح فيها ولا حياة . مع بعض التصريحات الخفيفة الغامضة لمواقفه الصلبة ولم يطل انتظارها حتى وردت عليها حمامة اخرى من رشاد فى صورة رسالة ولكنها لا تحمل السلام ولا تتصف بالبياض ، اذ كتبت على اوراق حمراء وشحننت بما لا يطمئن قلبها ولا يطيب خاطرها . رسالة لا تنعت بالاقتضاب كسابقتها ، بل اطال صاحبها واطال ويا ليته لم يطل ، ويا ليته لم يكتب تماما . اذ افتتح الخطاب بقوله :

" انستى ، او صديقتي ، او زوجتى ، او لست ادرى ماذا ، لقد اتصلت برسالتك أمس وكنت على أحر من لظى الهاجرة فى انتظار طلعته ، بحيث خفت يدى الى فتحها قبل ارادتى ، اذ كنت اعتقد اننى ساجد ضالتى فيها وبها ستفتح لى آفاق جديدة أنا فى مسيس الحاجة اليها وعليها تتوقف سعادتنا الكبرى ، ولكن خاب ظنى .

صدقينى اذا قلت لك اننى متخوف ، متخوف لانني صريح وصراحتى هذه قد لا تروقك ، ولكن سواء أراقتك أم لم ترقك فأنا صريح بحكم غريزتى ، ولا احب الا الصراحة . لذا اقول لك بالحروف الواضحة ان رسالتك لم تعجبنى . لم تعجبنى لاننى لمست فيها التكلف واخفاء بعض ما تضمرين ، فرأيت وجهك بين السطور ساهما ومقطبا ينوء بشئ ويخفيه ، وهذا ما لا ارتضيه بينى وبين من ستوحد الايام بين مصيرى ومصيره ، فأنا اريدك أمامى عارية النفس طبيعية التعبير ، واضحة المشاعر والتفكير . كما ساحاول فى رسائلى التى ستكون كثيرة فى المستقبل ان اقف أمامك عارى النفس صريحا ، وسأضع امام عينيك جميع نقائصى وفضائل بأمانة فى لوحة مضاءة حتى يتجلى لك كل ما اشتمل عليه من حسن وقبيح . وبودى بل ألح فى أن تكون رسائلك على هذا النحو من الصراحة والوضوح . لانني لا أعرفك حتى الآن .

لا تندهشى هكذا . أجل أنا لا أعرفك حتى الآن ، لقد اجتمعنا مرات عدة ، هذا صحيح ، ولكن ثقى باننى كل مرة أراك فيها احسن فانك كالعلبة الجميلة المغلقة . لقد قيل لى ان بهذه العلبة درة . ولكن لم أتوصل بعد الى معرفة قيمة هذه الدرة من حيث الجودة والاصالة الفطرية ، لا من حيث الجمال الظاهرى . مع ملاحظة ان الجمال عندى فى المرتبة الاخيرة رغم ان الله حباك يقسط لا يستهان به .

لذا ارجو ان تكونى معى صريحة فى كتاباتك الآتية التى ألح فى ان تجعليها

طويلة ومثمرة وواضحة ايضا . اذ من يدري فقد أكون انا ايضا بالنسبة اليك صندوقا مغلقا .

لذا من الافضل ان تتوخى الصراحة مثلى وتقول كل ما يخطر لك على بال فى شانى دون تهيب اوجل ، حتى نكتب لانفسنا الاقتران الحق ، لان ما كتب يوم القران ما هو الا رباط وهمى وحبر على ورق ، لا يمثل الازدواج الحقيقى الذى لا يخضع للنقض والابرام ، وما العبرة الا باتفاقنا الاثنين وحصول الانسجام بيننا ، والله يجعل لهذا بيننا من سبب .

وفي الختام ان اساءت اليك هذه الرسالة فلا تترددى فى اعدامها بالنار ، او باب وسيلة اخرى هذا لا يهم لانني تعودت بمثل هذه الصدمات من اعداء الصراحة ، وغربتى فى دنيا الحق لا اعتبرها الا انسا . بل المهم ان لا تكفى عن الكتابة وان تكونى صريحة ولا شئ اطلب غير هذا ... " رشاد .

وهنا نفد صبرها وتلاشى حلمها فالقت فى غضب وحقد ما كان بين يديها وقالت في مرارة واستياء وثورة حادة نعم ساكاتبه ، وأقول له كل شىء سأقول انه خشن تنقصه الكياسة وحسن المخاطبة ، وأشعره باننى غير مستعدة الى معاشرة هذا الصنف من الرجال . ولكن باسلوبي لا باسلوبه الجارح الوخاز . وتعابيره الحادة الثقيلة ، وألقنه درسا فى علم الاجتماع واسلوب التعارف . وستكون هذه الرسالة هى الثانية والاخيرة ، وانكبت فى حينها على ورقة بيضاء واخذت تصب فيها ما ضاق به صدرها وضجر بين صد التهجمات وتحليل المواقف والنظريات ، والتعرض لبعض المفاهيم والاوضاع ، الى ان أحست بأنها استنزفت ما يجب ان يقال فى هذا الظرف بالذات وانه لا لزوم للاستزادة والتطويل ، اودعتها صندوق البريد . ثم اتجهت الى أمها لاطلاعها على انها قررت الانفصال عن رشاد وانه ليس من قوة على الارض تستطيع ان تجمع بينهما فى مستقبل الايام . اذ اتضح لها انه ليس الرجل الذى ترتضيه ولا الزوج الذي تحلم به .

فبوغتت الأم بمقالة ابنتها وحاولت الاطلاع على فحوى الرسالة ، ولكن درة ا عليها ذلك . وعندما اطلعت الام زوجها على قرار ابنتها اشار عليها بعد نفكير طويل بان يمسكا عن القيام باية بادرة فى الموضوع حتى يتضح الامر .

وما هى الا ايام قلائل حتى حل ركب الحمامة الثالثة . ولم تحفل درة بمقدمها بل فكرت فى ان لا تفض غلافها وتعيدها بكرا لصاحبها . ولكن فضولها البشرى حال دون ذلك . فما هى الا لحظات حتى انتشرت اجنحتها البيضاء بين يديها بوعى او بدون وعى وقرأت :

" آنستى بل خطيبتي . بلغتني رسالتك ولشد ما سرتنى ولشد ما اعجبتنى هذه المرة صدقينى اذا قلت لك اننى قرأتها اكثر من ثلاث مرات يوم وصولها

وما زلت حتى الآن أعود اليها بين الحين والحين وألتهم سطورها ، ولا أحسبنى استغنى عن قراءتها ما لم تصلنى منك رسالة اخرى .

اعجبتني لانها اعطتني صورة واضحة على جوانب من طبعك وبعض ميولك ، وان كنت تحاولين اخفاء ذلك . واعجبتنى لان كل ما فيها انبعث من الاعماق حتى كدت احس بحرارة انفاسك تنبعث مع الكلمات المكتوبة وكأننى اتلقاها منك وجها لوجه . واعجبتني فيها منطقيتها وتحاليلها الطريقة لبعض النظريات والطبائع . مع غرس سهام حادة فى الصميم ابلغتها الكاتبة الى المعنى بالامر فى لين وكياسة حتى تلقاها بابتسامات عريضة وكانها بلسم يعيد الحياة .

انها براعة في التعبير وحنكة فى وسيلة الاقناع والتوجيه الحفي وهذا ما سرنى فيها ، اذ كشفت لى عن جوانب هامة لا يستهان بها فيك . وبالجملة فان رسالتك كانت نارا تحت رماد ، ولكنها نار محببة اذ لا ننسى ان للنار مزية التطهير والتعقيم . وهذا ما لمسته فى نار رسالتك الاخيرة . لقد كانت السنة الحمم تمتد من بين كلماتها اللطيفة . فتحرق فى رفق وتلتهم ما تصل اليه دون ضجة او دخان .

اما الذى استنتجته من كل هذا فهو ان رسالتى الاخيرة اثارت وحركت فيك كوامن الغضب والخوف . وما ذلك الا لانك أسأت فهمها وفهم صاحبها . وذلك الذى اراد تجنب سوء التفاهم بصراحته فوقع فى عين المحظور .

يؤسفنى جدا ان تعتقدى التجبر والصرامة . أو أن تأخذى عنى صورة الامر الفارض . أبدا فأنا أول من يؤمن بالحرية الفردية بين الزوجين واول من يحبذ طريقة الطلب من الزوجة ولا امرها لانني أميل الى التجاوب التلقائى الذي عليه تقام دعائم الحب الصحيح .

اما الذي عبته عليك فهو اهتزازك السريع لاتفه الاسباب الشئ الذى يتنافى مع ما امتزت به من تفكير صائب فى الرسالة المذكورة . ويتنافى مع الشرط الاساسى للزواج السعيد وهو الصبر وطول البال وعدم الارتجال فى الحكم على الأشياء .

والآن أعود الى الصراحة .

يظهر لى ان نظرتنا الى فترة الخطوبة تختلف تماما . فانت ترين كالكثيرات ان مهمة التعارف قبل الزواج تنحصر فى التودد والمجاملات ، وتبادل الهدايا والتظاهر بكل جميل وطيب . وأنا أرى أن فترة الخطوبة من الاحسن استغلالها فى التعارف الحقيقى ، فيتحاك الطرفان بصورة مجدية ويفحص كل منهما طبائع صاحبه ويدرس نفسيته وميوله ، حتى تتعانق الارواح قبل العناق الجسدى . ويصبح يوم اللقاء هو اليوم الموعود لبدء حياة زوجية سعيدة عوض ان يكون يوم بدء التجارب والاصطدامات . وبهذه الطريقة اما ان يكون الفراق

قبل اللقاء واما ان يكون لقاء بلا فراق وتسبح سفينة الشهر الاول من الزواج فى بحر العسل المصفي واذ ذاك يصح وصفه بحق بشهر العسل .

لقد قال احدهم ممن تزوجوا واستعملوا طريقة المواربة في فترة الخطوبة : " كنت اعتقد قبل زفافى اننى لا استطيع ان انسجم مع اى امرأة اخرى الا هى ولكن بعد الزواج تبين لى اننى استطيع ان انسجم مع كل امرأة الا هى . وهذا عين ما أحست به زوجتى فتفارقنا " .

ولو راجعنا السبب لرأينا ان فترة التعارف قبل الزواج انقضت بينهما فى المجاملات ودور السينما والتفسح واللهو مع اظهار كل منهما نفسه ملاكا نزل من السماء وتطوع بالعيش بين البشر ...

وهذا خطأ لا أريد ان تقع فيه . لذا أجبتك بصراحتى المعهودة لا عما جاء فى رسالتك واضحا بالحروف بل وحتى عما قرأته بين السطور وخلفها .

بقى هنا أن أشير الى جملتك التى تقول : " اللغة واسعة والاديب الحق هو الذى يستطيع ان يفرغ ما فى جعبته للطعن والنقد ان اراد ذلك دون ان يستعمل لفظة تثير او كلمة تمس العواطف " .

فان كنت تعنيني بذلك ، قلت : " هذا صحيح ولكن انا لا اريد ان اكون مع زوجتى أديبا بل أريد أن أكون معها كما أكون مع نفسي فعندما يخاطب الاديب نفسه لا أظن أنه يبحث عن الكلمات الرقيقة حتى لا يسئ إليها ، هكذا لزوجة يجب أن تحل محل النفس تماما . ويفهمى هذا للزواج ولقصر فترة خطوبتنا طرحت المقدمات فى رسائلى ودخلت فى الموضوع مباشرة ولكن مع هذا فأنا أعتذر وأبرر أسلوبي بحسن النية وشرف القصد .

وفى الختام وصيتى دائما بل ( طلبى ) هو أن تكاتبينى وتطيلى فى الكتابة مع الصراحة " .                                               رشاد

لقد فجرت هذه الرسالة فى درة ينابيع من الانوار تدفق منها واضاءت لها جوانب من نفسها كان القتام يرين عليها فأحست بشئ يشدها الى الرسالة والى التلذ بقراءتها . هنا فقط بدأ يستيقظ الجبار في قلبها . فلم يمض ذلك اليوم حتى كتبت لزوجها رسالة املاها الواقع الجديد والانقلاب المفاجى .

وبعد سنتين فتحت درة عينيها من سبات هادىء عميق استغرقت فيه ساعة وبعض الساعة اثر ان وضعت حملها ، وانجبت طفلها الاول . ففركت عينيها والتفتت الى يمينها حيث وجدت رشاد جالسا القرفصاء بالقرب من سريرها وهو يرقبها عن كثب وعلائم التاثر المزدوج بادية على محياه ، وبمجرد ان احس بصحوها بادرها قائلا : " درة هل انت بخبر ؟ طمأنينى فأنا مشتت

بين الفرحة بأبوتى والخوف على صحتك قولى يا حنيتى بماذا تشعرين الآن وبماذا تحسين أتشكين من شئ ؟ " .

فاغرورقت عيناها بدموع الفرح وأجابت فى صوت منخفض يرشح رقة واعترافا بالحميل : " لا أشكو شيئا مطلقا يا رشاد بل احس بالسعادة تغمرنى وانت الغرقني فيض عطفك وحنانك لقد وجدت فيك اكثر مما كنت اتمنى من الرقة واللطف وحسن المعاملة " ومدت له يدها كانها تروم معاهدته من جديد على الحب والاخلاص . فتلقفها فى رفق وضمها الى صدره ثم انكب على وجهها وطبع على جبينها قبلة وليست ككل القبل بل تحمل ألف معنى ومعنى . وبعد لحظات ساد فيها الصمت والسكون ، حمل بين يديه المولود الجديد واتجه اليها بالخطاب قائلا : " من اجل هذا الطفل كنت شديد الحرص على معرفتك قبل البناء يا درتى الغالية ، ومن اجل هذا الطفل كشفت لك عن فضائلى ونقائصى قبل الزواج حتى لكأننى فى حضرة الالاه يوم الحشر والحساب فى تلك الرسائل التى ازعجتك وضقت بها ذرعا ؟ . ولكنك اقتنعت آخر الامر بسلامة الطوية وحسن السريرة فكنت بذكائك الوقاد وطيب محتدك اكبر معين لى وأحسن قرينة .

واذا كنت افتخر بك اليوم كرزوجة فأنا على يقين من انثى سأفتخر غدا بمن أنجته هذه الزوجة هذا الذى مهدنا له السبيل معا لينبت فى جو يسوده الوئام والوفاق جو مطهر من الضغينة والنفاق " . وسكت قليلا ثم اردف :

" لقد قلت يوما انه ليس من قوة على الارض ان تجمع بيني وبين هذا الرجل ولكن قوة العقل استطاعت ان تحقق هذه المعجزة فجمعت بيننا لاننا لم نخلق الا لنعيش مع بعضنا البعض . ولان اسلم السير فى الضياء " .

اشترك في نشرتنا البريدية