كلمة نائب تونس فى مهرجان ابن خلدون بالقاهرة الأستاذ الفاضل بن عاشور
سيادة نائب رئيس الجمهورية العربية المتحدة سيادة سفير الجمهورية التونسية حضرات الاساتذة العظام حضرات السادة
انه لشرف اثيل ، يشرفنى به السيد الدكتور المدير العام للمركز القومى للبحوث الاجتماعية والجنائية ، اذ يسند الى امانة التكلم باسم هؤلاء العلماء الاعلام ، والباحثين الكرام الذين جاءوا مدينة القاهرة ، وجئت فى زمرتهم ، مشاركة للجمهورية العربية المتحدة فى احتفالها باحياء ذكرى المؤرخ الفيلسوف الاجتماعى العربى ، عبد الرحمان ابن خلدون
فهانذا ، باسمهم جميعا اتقدم اليكم حضرة سيدى الوزير الجليل : نائب صاحب الفخامة رئيس الجمهورية العربية المتحدة ، معربا عما تشعر به هذه العصابة الفاضلة ، عصابة العلم والادب ، من اكبار لمساعيكم ، وتقدير لاياديكم ، فى اقامة هذا المهرجان الحافل ، الجليل المغزى ، النبيل المرمى . فقد حققتم . للملا العلمى ، رسوخ تلك السنة التى عرفت بها ارض الكنانة الطيبة : سنة اكرام اهل العلم ، بعرفان قدرهم فى الحياة ، واجلال ذكرهم بعد الممات . فطوبى لها ، من منقبة كريمة ، تلك التى فخر بها قديما اهل اثينا ، فى التمثال الذى اقاموه للحكيم زينون الملطى ، اعلانا بانهم " يكرمون اهل الفضل احياء وامواتا " . وطوبى له من ملحظ رشيق ، ذلك الذى لاحظتموه من اجراء كلمة زائرى مصر لاحياء ذكرى ابن خلدون على لسان الذى اتى يحمل معه ذكريات فواحة الاريج من تونس ، عبقة من طيب سوق العطارين ، مشرقة من انوار كلية تونس العتيقة : الكلية الزيتونية ، بليلة الانفاس من نبع زغوان العذب حتى نكون ، عند ما نحيى ذكر ابن خلدون ، قد حركنا ، على مقربة من رمسه ، بواعث حنينه الى تلك المدينة المكرمة عليه ، التى لم يفارقها حتى اودعها اعز ما عنده فى الوجود ، فاودع جوها ذكريات شبابه الغالى ، واودع تربتها اجداث امه وابيه ، وشيوخة واحبابه ، واودع بحرها البقية الباقية : من اهله وبنية . فما اسعده ، فى هذا اليوم ، بان يجمع هواه القديم الى هواه الحديث ، حين يرى
نفسه ، من مدينة القاهرة التى احبها واحبته ، بمنزلة التنويه والتكريم ، التى حبته بها فى هذا المهرجان ، ويأنس ، فى اثناء هذا التنويه ، الى اطياف من الذكريات تحوم على قبره ، حتى ترجع به ، الى رحاب جامع الزيتونة الاعظم وحلقه . يذاكر الشيوخ ، ويسأجل الاخوان ، وينطلق بين ساحات تونس ومعالمها ، ومدارسها ، نير الشباب ، كما كان يتردد بين سته وجامع الزيتونة من طريق ساحة المعرض ، ثم يخرج من باب البهو ، مسرعا الى درب ابن عبد السلام ، يطرق على شيخه قاضى الجماعة باب الدار ، التى هى اليوم المدرسة التى اقامتها على اسم ابن خلدون ، منذ نحو من سبعين سنة ، الجمعية الخلدونية فيالها من تحية حيث بها مدينة الخضراء ولدها العزيز ، اذ جعلت هبتها ، فى صدر هذا القرن ، منسوبة اليه ، ورجعت الى فكره الوقاد ، تقتبس انوار نهضتها الفكرية ، فى سبيل بعث العلوم الانسانية التى كان يتحرق على ركود ريحها بالمغرب ، وتجديد مناهج التعليم ، على نحو ما كان يطمح اليه . حتى انتعشت اللغة العربية ، واستحكمت روح الادب ، وانبعثت العزائم الحرة تحدد اوضاع المجتمع من كل نواحيه على اسس كان ابن خلدون يراها مقتضيات الحكمة ، وطبيعة العمران الانسانى السليم
وما اسعد ابن خلدون ، حقا ، بما امتزج باصداء هذه الذكريات : من الناس ، هنا وهناك ، قد عرفوا له اليوم ما انكروا منه بالامس ، فادركوا شأن المعارف التى نوه بها ، وانتبهوا الى طرائق التعليم التى حض عليها ، ويرمو بالاوضاع ، الاجتماعية والفكرية ، التى كان قد برم بها . فاتخذوا من اسمه عنوانا على معالم النهضة الفكرية والاجتماعية ، التى استلهم روحها رجال الاصلاح فى هذا القرن من حكمة ابن خلدون الخالدة . فاصبح له بذلك انصا واحلاف ، فى حياته الروحية ، لم يتأت له ان يجدهم في حياته الجسمانية . وما هذه الهالة ، من انوار الفكر ، المحلقة حول اسمه الكريم ، في هذا المهرجان ، الا آية ناطقة بانه قد اوتى فى حياته الخالدة ، ما لم يتح له في حياته الزائلة : من اجتماع عصابة تنصر فكره ، وترفع ذكره ، غير مقصورة على تونس ، ولا محصورة فى مصر ، ولكنها اجتمعت لتؤنس روحه الزكبة زيادة على انسها بجريان ذكريات تونس على ضفاف نيل القاهرة ، فتبرز له في المظهر الحسى تلك الصلة الرابطة بينه وبينهم فى الجوار الادبي ، كما قال ابو تمام
آدابهم أدبى
عصابة جاورت
فهم وان فرقوا فى الارض جيرانى
و شى الارص جيرانى
فبحق تلك الاخوة الجامعة ، ينطق الوافدون على هذا المهرجان ، بلسان واحد ، محبين ذكرى ابن خلدون ، ومخلدين فخر هذا المركز الذي عمل على احياء ذكراه
