الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 5الرجوع إلى "الفكر"

اصداء الفكر

Share

مهرجانات بغداد

بالاضافة الى ما جاء فى عددنا السابق من معلومات عن مهرجانات بغداد بمناسبة الذكرى الالفية لتأسيس هذه العاصمة العربية المجيدة واحياء ذكرى الفيلسوف ابو يوسف يعقوب بن اسحاق الكندى ، افادنا احد اصدقاءنا من بغداد بانه قد لبى الدعوة من العلماء والكتاب والشعراء العرب من مختلف البلاد العربية ما ينوف على 40 شخصية من : سوريا ولبنان وتونس والمغرب وليبيا والاردن .

اما العلماء الاجانب والمستشرقون الذين حضروا الدعوة فيزيد عن 30 شخصية من اسبانيا وتشيكوسلوفاكيا وانجلترا والولايات المتحدة الامريكية وايطاليا وفرنسا ( بلاشير ، بيرك . . ) والمانيا الغربية والسويد والمجر وسويسرا والبرتغال والدانمارك وايران .

وقد لبت الدعوة الكثير من الجامعات العربية والاسلامية والاجنبية : كجامعة بيروت الامريكية وجامعة الحكمة من بغداد وجامعة القرويين فى الرباط والجامعة الليبية فى طرابلس وجامعة الخرطوم وجامعتى طهران وافغانستان .

وكذلك جامعات صوفيا وهامبورغ وماك كيل كندا والمعهد العربى للدراسات الاسلامية في مدريد وجامعة فرنكفورت وكاليفورنيا وبرلين الحرة وطشقند وطوكيو وباريس ولننغراد .

وقد وضعت مناهج لهذه الاحتفالات دامت 7 أيام ابتداء من ٢ ديسمبر 1962 وخلال هذه الأيام قام الوفود بعدة زيارات الى بابل وسامراء وغيرهما ونالت بحوث الوفد التونسي اعجاب الحاضرين وهذا نقوله بكل فخر وبدون مبالغة .

* من رسالة بعثت بها الشاعرة المصرية الرقيقة السيدة شريفة فتحى إلى مجلة الفكر حول قصيدتها " الشاعرة والفيلسوف " التى نشرت بمجلة الفكر .

" . . . . ومن محاسن الصدف ان المجلة وصلتنى ومهرجان الشعر عندنا على الابواب ، وقد رشح المجلس الاعلى لرعاية الفنون والآداب نفس هذه القصيدة لانشدها من على منبر المهرجان بمدينة الاسكندرية وقد انشدتها من على صفحات مجلتكم العزيزة تفاؤلا واعزازا . فاصبح بذلك لتلك القصيدة عندي الآن ثلاث ذكريات عزيزة : أولا ، انها كانت ضمن مختارات المجلس الاعلى (للجنة الشعر ) للترجمة والنشر ، علما بان المجلس لم يختر من بين مئات القصائد التى قدمت له اكثر من قلة معدودة ، وقد كان من بين المختارات على ما أذكر ، قصيدة شاعرنا المحبوب ، احمد رامي ، وأخرى

لشاعرنا الكبير الاستاذ العقاد ، وثالثة للشاعر المعروف على الجندى ( العميد السابق لدار العلوم ) واثنين أو ثلاثة غيرهم كنت أنا من بينهم . ثانيا  - انـها اول قصيدة تنشر لى فى بلادكم الحبيبة وعلى صفحات مجلتكم الغراء. ثالثا - انـها القصيدة التى رشحها المجلس الاعلى لانشدها فى المهرجان الرابع للشعر " .

-. اين شعراء تونس ؟

وعلى ذكر مهرجان الشعر الرابع الذى اقيم بالاسكندرية علمنا انه الى جانب شعراء العربية المتحدة شارك شعراء يمثلون سبع دول عربية فى هذا المهرجان فمثل لبنان أمين نخلة ومثل اليمن عبد الله العلوى وفلسطين هارون هاشم والبحرين صديقنا الشاعر ابراهيم العريض ومثل الجزائر مفدى زكريا وليبيا محمود نافع وقطر عبد الرحمان المعاودة . والذى نعلمه هو أن تونس لم يمثلها ولو شاعر واحد . أما الذى لا نعلمه وبودنا أن نجد الجواب عنه لدى الدوائر المسؤولة ، هو معرفة ما اذا وقعت دعوة تونس لهذا المهرجان واذا كان ذلك ما الذى حال دون مشاركة فحول شعرائنا ؟

ماذا تعرف عن مجلات الشباب ؟

من مقال صدر بجريدة " الموند " الفرنسية بتاريخ 19-12-1962 بقلم لافيراى بريساك معلومات مفيدة حول صحافة الاطفال والشباب وقد جاء فى مقدمتها :

ليست صحافة الاطفال صحافة هزل - فعدد عناوينها ( المائتان ) واخراجها الشهرى ( 27 مليون نسخة ) ومداخيلها السنوية ( ما يقارب 15 مليار من الفرنكات القديمة ) تعبر بكل وضوح عن اهميتها .

لم يسبق أن كانت جرائد الاطفال أكبر عددا فهى لم تكن تعد الا 41 مجلة سنة 1939 واصبحت في الوقت الحاضر 222 ( احصائيات شهر سبتمبر 1961 الصادرة عن وزارة الاخبار الفرنسية ) تتقاسم سوقا ذات مليونى شاب ونصف بين الخامسة عشر والسادسة عشر من العمر الى غرة جانفى 1962 . بالاضافة الى بعض القراء المختلفين .

وتحتل الصحافة الشهرية المرتبة الاولى فى الاخراج اذ يصدر منها 151 عنوانا مقابل 21 جريدة اسبوعية و 24 نصف شهرية و 9 تصدر كل شهرين و 12 كل ثلاثة اشهر .

ويصدر كل شهر 26967901 عددا من جرائد الاطفال وكان عدد الجرائد الاسبوعية سنة 1958 ضعف اخراج الجرائد الشهرية واصبح سنة 1961 13033646 عددا مقابل ما يقارب 10000000 فى الصحافة الشهرية .

* رابطة القلم الجديد بتونس تقيم مهرجانا للجمال

اقامت رابطة القلم الجديد بتونس مساء السبت الخامس من شهر جانفى لهذه السنة على الساعة الثامنة والنصف بقاعة دار الجمعيات الثقافية نهج العربى زروق تونس - حفلة أدبية فنية تحت شعار الجمال .

افتتح السهرة منور صمادح الكاتب العام للرابطة ثم اخذ الكلمة الهادى نعممان - الكاتب العام المساعد للرابطة فحاضر عن الجمال وتطور مفهومه عبر العصور والشعوب متحدثا عن  الجمال عند الانسان الاول في التاريخ ثم عبر الحضارتين الصينية والهندية ثم عند الفراعنة قدماء المصريين ثم عند اليونان والعرب والرومان والقرطاجيين ثم فى الحضارة المعاصرة مستنتجا في الختام بأن الجمال يزداد نموا وتأصلا كلما ساعدته على ذلك ظلال السلام - ومن خلال العرض  أوضح المحاضر تطور مفهوم الجمال من المادة الى الروح - حيث المبادئ والقيم الاخلاقية والإنسانية الشاملة - كما تعرض المحاضر إلى مفهوم الجمال فى الاديان - الموسوية والمسيحية والاسلام - ثم عرضت على الحاضرين تمثيلية قصيرة فى الجمال بقلم منور صمادح وهي عبارة عن حوار بين استاذ وتلميذ وضيوف لهما فى مفهوم الجمال - قام بالتمثيل قدماء مدرسة التمثيل بتونس . مثل دور الاستاذ - محمد رشيد قارة - ومثل بقية الادوار - عمر خلفة - محسن بن عبد الله - محمد قدوس - عبد الحليم جليل -

ثم القى حمادى الباجى قصيدا فى الجمال - ثم أجرى حمادى الصيد حوارا فى الجمال بين رسامين تونسيين ثلاثة الهادى التركى - زبير التركى - عمار فرحات - وختمت السهرة قبيل منتصف الليل بقليل بمقطوعة شعرية القاها نور الدين صمود فى الجمال كذلك .

* الاستاذ بلاشير فى تونس

حل بتونس في شهر جانفي المستشرق الكبير الاستاذ ريجيس بلاشير استاذ فقه اللغة بالسوربون لالقاء دروس على طلبة الجامعة التونسية . وقد تفضل بالحديث عن الادب التونسي الى صحيفة تونسية وعبر عن ارتياحه لمصير العربية فى تونس ، واعتناء شباب الجامعة بالانتاج الادبى .

نتمنى للاستاذ الكبير اقامة طيبة .

* بورقيبة ومصير الامة

عاد الإستاذ فرحات الدشراوى من كاليفورنيا الجنوبية حيث القى بجامعة (لوسى انجلاس ) محاضرات عن : بورقيبة ومصير الامة .

* الاستاذ برنشفيك يحل بتونس فى مارس

يتوقع أن يحل المستشرق برنشفيك بتونس فى شهر مارس لالقاء دروس على طلبة العربية بالجامعة التونسية .

* الخطاط الاستاذ محمد ابراهيم . . فى تونس

زار تونس فى الايام الاخيرة ضيفا على فخامة الرئيس الحبيب بورقيبة رئيس الجمهورية التونسية ، نابغة الخط العربى الاستاذ محمد ابراهيم مؤسس ومدير مدرسة تحسين الخطوط العربية فى الاسكندرية ومدرس تاريخ الخط العربى فى كلية الفنون الجميلة ، والرجل الذى اشتهر فى جميع انحاء العالم العربي بأعماله الفنية المتواصلة من أجل المساهمة فى تحسين ونهضة الخط العربى الجميل . ومن اشهر هذه الاعمال الفنية كتابة القرآن الكريم مجموعا كله بخط اليد في صفحة واحدة ، وله مجموعات نادرة فى الخط الديوانى والكوفى والنسخي والفارسى والثلثى والرقعى ، كما انه بصدد اعداد كتاب عن تاريخ الخطوط العربية قبل ظهور الاسلام وكيف تطورت الى العصر الحاضر ، واستمر إعداد هذا الكتاب قرابة الخمس سنوات ، وقد صرح بانه انتهز فرصة اقامته بربوعنا لجمع بعض الآثار الخطية والفنية من مختلف مكتباتنا ومتاحفنا القومية بقصد ضمها الى هذا الكتاب .

وفي يوم الاربعاء 9-1-1963 ألقى الأستاذ الزائر بدار الثقافة محاضرة ثرية بعنوان - الكتابة العربية فى مختلف اطوار التاريخ - تحدث فيها عن الأطوار المتعاقبة التى مر بها الخط العربى ، وما تبع هذه الأطوار من تطور النواحي الفنية في كتابة الخطوط . كما تخللها عروض ملونة للخطوط المتنوعة والمتعددة الاشكال ومنها القديمة التى توجد بمكتبة القيروان وبمختلف المتاحف التونسية ، وكان الاستاذ المحاضر يتبع هذا العرض الفريد بالتعليق والشرح والايضاح .

فأهلا وسهلا به . . فى وطنه الثاني .

* هل تريد أن تصبح شاعرا ؟

عن الزميلة " المكتبة " الغراء ان الدكتور صفاء خلوصى حين قدم كتابه الجديد عن علم العروض الى ناشره السيد توفيق محمود حلمى صاحب مكتبة الأهل كان اسم الكتاب : من التقطيع الشعرى والقافية أو كيف تصبح شاعرا في ثلاثة أشهر ؟ فلما قرأ الناشر هذا العنوان الطويل ضحك وسأل الدكتور قائلا : . . دكتور ، سيادتك مشغول بعلم العروض منذ اكثر من ثلاثين عاما

ومع ذلك لم تصبح شاعرا ، فكيف تريد من القارىء أن يصبح شاعرا في ثلاثة اشهر بعد قراءة كتابك هذا ؟

فكر الدكتور لحظة وهو عابس وقال : تمام ! ليحذف الشطر الثاني من العنوان ولا ضرورة لأن يصبح القارىء شاعرا . . . !

الفكر :

وقد فات الدكتور . . . والناشر ان الكثير من شباب العرب " يشعر " من دون ان ينتظر حتى ثلاثة اشهر ! هى سرعة قرن العشرين !

نعم " يشعر " هذا الشباب الذي ثار على قيود " الصبر " و " التروى " و " التحرى " ، ويجدد " الشعر " فيدعمة بما يحتاج اليه من نقط وعلامات تعجب واستفهام ! وهو ما عجز عنه الاوائل !

ولعله " يشعر " نحونا بالرأفة اذا نحن " شعرنا " ازاء " شعره " بالاشمئزاز واحتفظنا بما علمنا إياه الجاحظ : الصناعة طويلة والعمر قصير .

* ماذا يبقى منهم للتاريخ ؟

ذلك هو العنوان الذى وضعه الشاعر المصرى صلاح عبد الصبور لكتابه الجديد وهو يشير الى من يسميهم المؤلف " المعالم الكبيرة فى ادبنا المعاصر : طه حسين والعقاد وتوفيق الحكيم والمازنى " .

ونحن مع تقدير قيمة هؤلاء الكتاب الاربعة الذين لا ينازعهم احد فى ما قدموه للادب العربى من جليل الخدمات وما اثروا به تراثنا الفكرى من قيم الآثار , لا يسعنا الا ان نتساءل - وكثير من القراء يشاطروننا هذا التساؤل ولاشك - الى اى حد كان صلاح عبد الصبور موفقا ومنصفا عندما وضع هؤلاء الادباء فى قمة من الارتفاع والسمو بحيث لم يبلغها أحد سواهم ، فى مصر وفى بقية البلدان العربية ؟

* قضايا الشعر المعاصر

وهو عنوان آخر ما اخرجت للناس الشاعرة العراقية الموهوبة نازك الملائكة .

ولئن عبرت سهير القلماوي فى حديث اذاعى عن اعجابها بهذا الكتاب الذي يثرى المكتبة النسائية ويرفع مقام الأدب النسائى ، ولم تخف بنت الشاطئ شعورها بالفخر والامتنان فى فصل نشر لها بجريدة " الاهرام " فان يوسف الخال هاجم الشاعرة واستنقص من شأن الكتاب فى فصل طويل نشر له في العدد الاخير من مجلة " شعر " وختمه - من دون ان " يتمرجل " على المؤلفة الشاعرة - بقوله : وهكذا يرى القارىء ، مما ذكرناه في هذه الكلمة ، ان كتاب " قضايا

الشعر المعاصر " مخيب لامله ، وان الشعر العربى الحديث ما يزال بحاجة الى من يدرس قضاياه الحقيقية دراسة موضوعية ، متطلعة ، وافية ، تدفع به الى الامام .

اما نحن فنكتفى بهذه " الاصداء " من دون ابداء رأى او اتخاذ موقف وكان بودنا أن نتصل من " دار الآداب " التى نشرت هذا الكتاب بنسخة ولو من دون اهداء ... حتى ننير سبيل قرائنا الكرام .

* المخاض الادبى بين اليسر والعسر

ادلى الاستاذ فؤاد الشايب ، القصصى السورى المعروف ورئيس تحرير " المعرفة " الغراء , بتصريح الى جريدة عراقية جاء فيه :

" إن فى سوريا - كما فى غيرها - مخاضا أدبيا . . أشهد أنه مخاض طويل وعسير . ولكننى وأنا أراقب كثافة الانتاج الفكرى فى مصر وهبوب ريح جديدة من الانتاج العراقى ، وسرعة ماحقة فى تيار الانتاج اللبنانى . أقول وأنا مؤمن برؤياى ان الانتاج الفكرى السورى سيكون بعد المخاض الطويل العسير أجزل مادة وأينع نضوجا وأوسع إشراقا وأبعد طموحا فى أداء رسالة عربية وإنسانية معا " .

* جبران خليل جبران الى الروسية

صدرت عن دور النشر السوفياتية - اخيرا - مجموعة من مؤلفات جبران خليل جبران بالروسية طبعت فى 30000 نسخة وتتضمن هذه المجموعة قصة " الأجنحة المتكسرة " وقصصا اخرى مأخوذة من " الأرواح المتمردة " و " دمعة وابتسامة " و " المجنون " و " رمل وزبد " وغيرها  .

*  اراغون والعربية

روت " المثقف " أن الشاعر الفرنسي " اراغون " بصدد كتابة قصيدة جديدة بعنوان " مجنون الزا " وهي مستوحاة من قصة مجنون ليلى ، وأنه صرح بأنه اختار هذا الموضوع بالذات رغبة منه فى إثارة اهتمام الجمهور الفرنسى بالثقافة العربية وأضاف أن دراسته الأدب العربى التى شرع فيها قد كشفت له عن كنوز شعرية وعواطف ومشاعر لا تحد .

* المغربى الاقصى يفكر فى مجمع لغوى

جاء فى العدد الاخير من مجلة " البينة " التى تصدرها وزارة الشؤون الاسلامية بالمغرب الاقصى أن المغرب يدرس امكانية تكوين مجمع مغربى للغة العربية وأن هذا الموضوع تدرسة لجنة مكونة من ممثلى وزارة الدولة

للشؤون الاسلامية ووزارة التربية الوطنية والمكتب الدائم لمؤتمر التعريب التابع لجامعة الدول العربية . وتضيف المجلة قائلة . . . " ومن المهام التى يـجـب ان تضطلع بها المجامع المحلية دراسة اللغة العربية فى كل قطر واستخراج المصطلحات والتعابير السليمة التى ينبغى ان تدخل اللغة الفصحى ، ففي كل بلد عربي ترسبت كلمات وتعابير لا توجد فى غيره , وتلك ثروة للغة العربية لا ينبغي أن تضيع . فعسى أن تجد هذه المجامع طريقها الى النور فى اقرب وقت ، فان الاعباء التى ستقوم بها لا تنتظر "

هذا ما قالته الزميلة المغربية حول تكوين المجمع اللغوى المغربى المنتظر . أما نحن فالذي نكتفي بقوله فى هذه المناسبة - على سبيل التساؤل - هو أن كتابة الدولة للتربية القومية كانت اعدت سنة 1957 مشروع قانون يقضي بانشاء مجمع لغوى بتونس بل نؤكد ان هذا المشروع وقع توجيهه الى الدوائر العليا فى اوائل 1958 .

أما مصير هذا النص فلا ندرى عنه شيئا ! ولعل كتابة الدولة للشؤون الثقافية التى انشئت منذ سنة ونصف لتتفرغ الى مثل هذه الميادين الحيوية سوف تبحث المشروع فيه اذا وجب ذلك فتبعث الى الوجود مؤسسة نعتقد انه لاغني عنها لاستكمال هيكل ثقافتنا القومية .

*  امارة للشعر وأمير للشعراء

تحت هذا العنوان نشرت مجلة " الاديب العراقي " الغراء ( العدد 25 - السنة 2) مقالا للصديق الدكتور ابراهيم السامرائى الذى عرفته الاوساط الادبية التونسية عندما كان مكلفا بالقاء محاضرات على طلبة اللغة والآداب العربية بالجامعة التونسية ، وقرأت له بالمجلات التونسية - ومنها " الفكر " - مقالات ممتعة حول شعراء العراق ومسائل اللغة العربية .

وأمير الشعراء المقصود في هذا المقال هو شاعر الخضراء الشاذلى خزندار ، لا شوقى كما قد يتبادر للذهن ، عندما يفتح الاديب مجلة شرقية . وإذا بايع حافظ ابراهيم شوقى بقوله :

امير القوافى قد اتيت مبايعا   ...   وهذى قوافى الشعر قد بايعت معى

فقد توجه محمد الفائز القيرواني الى الشاذلى خزندار قائلا :

امير القوافى وحارسها        وبلبل تونس شيخ البيان

تقبل   هناء   يقدمه        لدست الامير فتى القيروان

فانت الهزار بخضرائنا         تفاخر مصر بيوم الرهان

ويعلق الدكتور السامرائى على مبايعة المرحوم محمد الفائز والتونسيين عامة بقوله : ٠٠ حلا لهم ( أى التونسيين ) أن يعتلى عرش الامارة تونسي

يكون أمير شعراء المغرب عامة ، ذلك ان التونسيين يرون فى أنفسهم الوجه البارز المعبر عن افريقيا الشمالية . وهم فى ذلك يريدون أن يقولوا للمشارقة اننا مثلكم أو خير منكم . وقديما كانت المنافسة سن المغاربة والمشارقة ولكن المغاربة لم يأتوا بجديد من أفانين المعرفة فهى مادة المشرق أعيدت وشرحت . وكأن هؤلاء أرادوا ذلك حين قالوا : " هذه بضاعتنا ردت الينا " .

ويعلق أيضا على قول محمد الفائز :

" . . . هذا " الهزار " تفاخر به الخضراء " ارض الكنانة " فى " يوم الرهان " . اذن فالمسألة مسألة سبق ورهان واذا كان من سبق فلابد من قصب يحرزه السابق والقصب عرش الامارة . فكأن اخواننا التونسيين لا يؤمنون بالقول المشهور : " منا أمير ومنكم أمير ".

أما رأى صاحب المقال فى " أمير الشعراء " التونسى فهو ان الشاذلى خزندار لم يبلغ من روعة الشعر ومستوى الابداع ما يجوز معه مبايعته أمير للشعر بل هو لم يتجاوز أن رصف القوافى بعضها الى بعض وسر اكبار بعضهم اياه انما هو التملق : " . . انه لم يكن الشاعر الذى وهب العرق النابض ولا الصناع الماهر الذى يدلك على احكام الصنعة ومهارة الاداء . ولكنه كان الوزير الكبير ( ؟ ؟ ) وصاحب المنصب الخطير وانه يمت للبيت الملوكى العامر . ونسب يوصله الى السدة العلية لابد ان يضفى عليه ثوب الشرف ووسام الامارة ، ثم انه لما كان يرصف القوافى بعضها الى بعض فلابد أن يهيئه المنافقون المتملقون ( !! ) ويغرونه بعرش امارة الشعر ، ثم يستشهد الدكتور بقصيد المرحوم الشاذلى خزندار :

الحر  من  لا  يستكين  لمرهق       فعليك خصمك مم ويحك تتقى

واصدع بحقك فى الأباة ولا تقل     ان البلاء موكل بالمنطق . . .

ليؤكد أن أبياته " أعلق بالنظم وألصق بالرصف فلا تقرب من مادة الفن التى تقتضى ادوات وآلات لا يملكها صاحبنا كالتصوير والخيال والسير فى هذا الباب بشكل يعطى طابع الوحدة والارتباط بين اجزاء المقطوعة ، أما السيد الشاذلى خزندار فلدية جملة معان مختلفة متباعدة بفرغ كلا منها في بيت من الاببيات بطريقة تقريرية حكائية لا تبعد كثيرا عن حديث الناس وما يضربون فيها من ابواب . . " ثم يذكر قصيدة الشاذلى خزندار

راحة النهى الطرب     هاتها فلا عتب

التى عارض فيها قول ابى نواس :

حامل الهوى تعب     يستخفه الطرب

فارجعها الى ما كان ينعم فيه الشاعر التونسى من بحبوحة العيش ثم عاب " التقليد " الذى لا تخلو منه معارضة .

ونحن لا نوافق الدكتور السامرائى فى ما ذهب اليه من اتهام التونسيين بالصلف القومى والغرور والتظاهر بالسبق فى كل المجالات . بل اننا قد نشكو مما عشش في نفوس البعض منا من ألوان العقد النفسية والشعور بالنقص ازاء " الشرق " . الذى نقوله هو أن جميع الشعوب العربية تمتاز بخصائص وتنجب أفذاذا وعباقرة وانها - جميعا - كالروافد بالنسبة للنهر الغزير الحي ، تثرى التراث العربي وتنمى الحضارة العربية الاسلامية .

وملاحظة ثانية نريد أن نبديها هى أن الشاذلى خزندار لم يكن - فيما نعلم - وزيرا كبيرا وانه تعاطف مع الشعب وعاش محنته وقاسمه همومه وافراحه ، بالرغم عن انه ينحدر من عائلة " بورجوازية " .

ثم انه من الوفاء لروح الشاعر الصادق الرقيق المرحوم محمد الفائز أن نقول أنه لم يعرف عنه أنه كان ميالا للتملق أو التقرب قط .

أما قيمة الشاعر التونسى الشاذلى خزندار وشاعريته وشعره المنشور وما لم يزل منه غير منشور الى اليوم - فلعل ما ذهب اليه الدكتور السامرائى يكون مدعاة ليتناوله الأدباء التونسيون - وخاصة اولئك الذين عاصروه وعاشروه - بالبحث والتحليل وينزلوه المنزلة التى هو جدير بها .

فما رأى الأساتذة الفاضل بن عاشور وزين العابدين السنوسى والصادق مازيغ ومحمد الحليوى والهادى العبيدى ومصطفى خريف والهادى العامرى وعثمان الكعاك ؟؟

والى متى ستبقى آلاف الابيات المخطوطة التى تركها الفقيد خزندار فى عالم النسيان ، رغم مساعى ابن الشاعر الفقيد المربى الفاضل المنجى خزندار لنشرها ؟ كلمة نسوقها الى المسؤولين عن الثقافة فى هذه الديار وإلى الشركة القومية للنشر والتوزيع !

الكبادى ولايكا :

جاء عن المرحوم الشيخ العربي الكبادى أنه قال فى أحد مجالسه عندما أرسل الروس الكلبة لايكا الى الجو . نحن هنا فوق التراب وكلاب الروس تبول علينا من السحاب .

*   ولعذاب الشفاه أشد من عذاب النار

وصف المرحوم العربى الكبادى فتاة تدخن بقصيدة جاء فيها عن السيجارة :

- فطرفها منعم وطرفها معذب -

يعنى نعيم الشفاه وعذاب النار . وكان بالمجلس رجل طلب منه سيجارة فاعطاه اياها وقال خذها وعذبها من الجهتين .

*  حلمك . . .

يشاع ان السيد ابن حليمة عزم على العدول عن التحدث عن شعراء مجلة الفكر ولا نعلم هل إن هذا دليل أن السيد ابن حليمة قاصر عن نقد الشعر أم هل انه غضب من مداعبة لطيفة تجاسرت عليها ازاءه مجلة الفكر ف عددها السابق .

وجرأة الفكر مستمرة - فهل يغضب السيد ابن حليمة عن الحصة كلها . . عيب عليك اذا فعلت عظيم !

*  لجنة القيروان الثقافية

قامت اللجنة الثقافية بمدينة القيروان بنشاط كبير فى عطلة الشتاء من بينها أمسية شعرية شارك فيها أدباء القيروان نذكر منهم السادة : الشاذلى عطاء الله وقد قرأ قصيدة " مونتوزان " المشهورة وهى مسرحية أبطالها الشاعر والفيران والكيران .

وانشد جعفر ماجد ثلاث قصائد : اغنية الى عروس وقنية وعبث . وشارك الشاعر الناصر الصدام بقصيدة وجهها الى بغداد فى ذكرى الفيلسوف الكندى وقدم صالح القابسي بحثا مقارنا بين المناعى والجاحظ . وقد كانت الفرقة الموسيقية تنشد وصلات من المألوف اضفت على القاعة جوا أندلسياً ممتعا .

*  ظهور نزعة جديدة فى الشعر السوفياتى

كان الشعر وما يزال في بلاد السوفيات منذ أقدم العصور ، الفن الشعبى المفضل بدون منازع ، لكن المهرجان الذي أقيم يوم الجمعة 30 نوفمبر 1962 لم يسبق له مثيل فى أى عصر مضى . فقد حضره ما يربو عن 15000  شخص واقيم فى أعظم قاعة عمومية بموسكو - وهو قصر الرياضة بملعب لينين - قدم هؤلاء القوم من مختلف جهات روسيا لا لشىء سوى للاستماع الى قصائد شعرية . . واذا اضفنا الى ذلك ملايين السوفيات الذين تتبعوا هذا المهرجان بواسطة التلفزة أدركنا مدى ما بلغته هذه المظاهرة الادبية من حماس وحرارة .

ولذلك سببان ؛ الأول أن الشعر قد تطور فى البلاد الروسية - وخاصة منذ المؤتمر العشرين للحزب الشيوعى - حتى أصبح يعتبر أفصح اداة لتصوير مشاكل الاجيال والتعبير عن الملاحم الاجتماعية والمساجلات السياسية . والثاني أن الحملة الجديدة ضد عهد ستالين التى تحياها روسيا فى الآونة الحاضرة قد عززت المكانة الممتازة التى يحتلها الشعراء فى الأوساط الشعبية . . . فمنهم تنتظر النظريات الجريئة والمواقف البطولية وعنهم تصدر الانغام العاطفية المؤثرة .

لذلك يمكن القول أن هذا الاجتماع قد اكتسى صبغة سياسية أكثر منها أدبية . فقد كانت فيه التذاكر تتهاطل على منبر الرئاسة من طرف جمهور هائج مائج غالبه من الشباب :

فبعضهم يطلب بكل سذاجة " ومتى يمكننا التحصيل على نسخة من ديوان فلان او فلان " وهو سؤال وجيه باعتراف السيد ( الكزيس صوكوف ) ، رئيس الجلسة ، لكن الجواب عنه عويص ، اذ جل هذه الدواوين قد طبع فى مائة وخمسين الف نسخة ، ولم تبق منها ولو نسخة واحدة .

والبعض الآخر يطلب بشدة : " هل سيتكلم ( اندرى فوسناسانسكى ) هذه الليلة ؟ " وفعلا يعتلى ( فوسناسانسكى ) المنصة ويتلو قصيدته فى الاشادة بعهد لينين ونعت عهد ستالين بعهد الاستبداد والحكم المطلق .

. طبع ديوان شعري جديد

وعلى هامش يوم الشعر هذا ، يجدر الاشارة الى انه تم أخيرا طبع ديوان شعري في البلاد الروسية سجلت فيه أشعار نحو ثلاثمائة شاعر روسى . ويعد هذا الديوان أكبر موسوعة طبعت لحد التاريخ جمعت فيها آثار كافة الشعراء الأحياء من دون استثناء كما جمعت فيها آثار كثير من الشعراء ضحايا ستالين .

وبذلك نتأكد أن النزعة الجديدة فى الأدب الروسى قد اتضحت سنة 1962 أتم الوضوح ولا أدل على ذلك من قبول الشاعرة الشابة ( بلااخما دولينا ) - بعد أن كان غير مرغوب فيها - فى رابطة الكتاب والادباء وقبولها ايضا مع الاديب ( اوجان افتوشانكو ) في اسرة مجلة ايونست ، ورفت كل الادباء الموالين لستالين من رابطة الادباء والكتاب وقرار تعويض الصحيفة اليومية " الادب والحياة " بعد ايام قليلة ، وهي المعروفة بتشيعها لشق المحافظين , بصحيفة اسبوعية  " روسيا الادبية " التى يشرف عليها ويراقبها فرع موسكو لرابطة الكتاب والادباء .

على أنه يجدر الملاحظة أن مجلة " اكتوبر " لسان حال اليمينيين كما يدعون هناك ، ما تزال تنشر الى حد الآن مقالاتها اللاذعة الموجهه نحو

الشباب المتحرر ، ففى عددها الاخير ، نشر للشاعر ( دولماتوفسكى ) الشيخ الاختصاصى ، صاحب " الاناشيد الوطنية " سلسلة من القصائد تحت عناوين مختلفة : " حوار صعب " ، " التجربة " ، " الطنبور القديم " . والحقيقة انها كلها اهاج وانتقادات موجهة لشبان الجيل الحاضر . وقد نظمت هذه المجلة منذ أيام قليلة حوارا أدبيا كان مناسبة لمهاجمة الادباء المجددين ( فتوشانكو ) و ( فوسناسنسكى ) و ( اكسانوف ) ونعتهم بالانحراف والضلال ، وهكذا تتواصل المعركة بين انصار القديم والجديد ولن تخمد نارها .

. ضد نزعة التجريد فى فن الرسم والموسيقى

وبينما يحيا الادب الروسى هذا النشاط المتزايد ويخص بمختلف وسائل الدعاية والتشجيع من طرف الرسميين فى الحزب الشيوعى ويحاط رجاله سواء منهم الناثرون أو الشعراء من أدباء " الجيل الجديد " بشتى ضروب العناية الفائقة ، احدثت الموجة العارمة من الانتقادات الموجهة ضد النزعات المجددة في فنون الرسم والموسيقى والتصوير زوبعة عظيمة فى دنيا الفنانين .

فسلسلة الملاحظات التى صرح بها السيد ( خروتشوف ) والتى نشرتها مختلف الصحف الروسية فى سياق الحديث عن زيارته الاخيرة لمعرضين فى الرسم الروسي خلال السنوات الثلاثين الاخيرة تعتبر أهم ظاهرة لصد نزعة المجددين الروسيين فى فن الرسم .

فقد افتتحت هذه الجولة الرسمية بزيارة معرض الفنانين بموسكو الذي أقيم مدة شهر فى قاعة الالعاب البهلوانية قرب الكرملين . ومن الملاحظ أن كافة الزائرين الغربيين لهذا المعرض وعددهم كبير لم يجدوا فيه ما يمكن أن يعد ثورة في فن الرسم الروسى . فمعظم اللوحات المعروضة مستوحاة مما يدعى هناك " بالواقعية الاشتراكية " من ذلك مناظر البطولة والثورة والحرب والشغل . كما عرضت ايضا لوحات بعض الرسامين من المغضوب عليهم فى عهد ستالين .

وقد لاحظ السيد ( خروتشوف ) بهذه المناسبة : " انه يبدو ان المنظمين لهذا المعرض يميلون الى نظريات من يدافعون عن الفن الضعيف ، غير المقبول . وبذلك برهنوا على نزعتهم التحررية ، ولا يخفى أن نزعة كهذه لا يمكن ان تحقق النهوض بالفن السوفياتى أو الواقعية الاشتراكية ، فعلى رواد الفن الروسي أن يبرهنوا على تشبثهم بمعانى الوضوح والدقة ويعملوا على صد كل النزعات التى قد تحيد بالفن الروسى وبفن الشعب الروسى عن الطريق السوي . " وتمضى وكالة تاس السوفياتية فى ذكر سلسلة من اسماء الرسامين غير الموفقين واسماء من يمكن أن يتخذوا قدوة لغيرهم من

الرسامين . وكل هؤلاء من المسيرين الحاليين لبعض المنظمات الفنية فى بلاد الروسيا ( قيراسيمون ) و ( يوهانصون ) و ( سيروف ) .

. يد رجل او ذيل حمار

ثم زار السيد ( خروتشوف ) معرض الرسامين التجريديين وأفضى لهم بآرائه عن انتاجهم الفنى فقال : " ان فنا كهذا غريب عن شعبنا . وهو يرفضه بتاتا . لذلك يتحتم أن يقلع عنه كل من ينتمي اليه ممن يدعون الفن أولئك الذين يرسمون لوحة فلا تدرى هل رسمتها يد رجل أم لوثها ذيل حمار بل يتحتم على هؤلاء أن يدركوا اخطاءهم ويعملوا لفائدة الشعب . "

ثم قال : " فعندما ينظر الانسان الى هذه الرسوم يستولى عليه شعور من الحيرة والامتعاض ، ويقف مذهولا أمام هذه الصور الملطخة ، المجردة عن كل معنى . البعيدة عن كل شكل مألوف . فما هذه الظاهرة المرضية الا محاولات سخيفة فى تقليد الفن الغربي المنحط " .

. التجريد فى فن الرسم مبعثه روح رجعية ؟

وجاء فى افتتاحية صحيفة البرافدا فى هذا الصدد ما يلى : " يرفض الفن الاشتراكى والشعب الشيوعى مذهب التجريد فى فن الرسم الذى أقبل عليه بعضهم ممن غاب عنهم أنه رجعى فى كنهه غير مترجم لعواطف الشعب " .

ومن هنا تحولت الانظار الى الموسيقى . فقد أفرد بها مقال فى صحيفة اشتراكية صوبت فيها الانتقادات نحو بعض الجهات الحكومية كوزارة الثقافة والجامعة الروسية ورابطة الفرق الفنية الروسية لغضهم الطرف فى السنين الاخيرة عن انتشار موسيقى الجاز فى البلاد الروسية . فقد حاول بعضهم خلال فصل الخريف المنصرم تنظيم سلسلة من حفلات الجاز فى عاصمة موسكو وغيرها من المدن الروسية فلم يسمح له بذلك . وقال صاحب المقال " وفى السنين الاخيرة نلاحظ اقبالا مهولا نحو موسيقى الجاز الاجنبى . . . .!  "

ويتأكد لفهم هذه الحملة ، أن نذكر أن الهجومات الادبية المسموح بها ليست مسددة نحو انصار عهد ستالين فحسب بل هى مسددة أيضا نحو كل نزعة ترمي الى نبذ المبادىء الاشتراكية ، لذلك حاول الرسامون المحدثون الخروج من أغلال التقاليد الموروثة فى هذا الميدان لكن بدون جدوى . وحاول الاستاذ ( بلوتين ) لأول مرة تنظيم معرض فى الرسم والنحت التجريدى زاره كثير من الشخصيات وسامى الممثلين لديوان العلوم السوفياتية . لكنه سرعان ما وقع نقل هذا المعرض بعد يومين الى

نزل بالعاصمة لبضع ساعات ، وليس من الغريب أن يكون هو المعرض الذي زاره السيد ( خروتشوف ) واعضاده .

. خيبة حملة

وعلى كل فيعتبر معرض الاستاذ بلوتين حملة عظيمة موجهة نحو المحافظين ولعل ذلك هو ما جعل تاريخ مؤتمر الفنانين الروسيين يؤجل مرات . اذ قد شب النزاع بين أنصار المدرسة القديمة وأنصار المدرسة الحديثة سواء فى المناقشات أو عند انتخاب الهيئات المديرة . ومن الواضح أن هذا المؤتمر سينعقد الآن لا محالة وسيقتحم فيه المسؤولون الحاليون لانجازات الفنانين شق المعارضة بكل اطمئنان .

وقد تستغرب من وقوع هذه الحملة بعد الخطاب الذى القاه  السيد (خروتشوف ) في الدفاع عن ضرورة رفع كثير من المحضورات . ولكن المستقبل سوف يكشف عن الحقيقة فالرسم والموسيقى - خلافا للأدب - لا يلعبان دورا سياسيا صرفا . ذلك هو ما جعل المسؤولين فى الدرجة الأولى يرون أن فضح أعمال ستالين يجب ألا يلتبس بالنزعة التحريرية فى الميادين الفنية .

هذا من جهة ، ومن جهة اخرى ، يجدر القول بان الفن التجريدى لم يكن في أى بلد - وبالأحرى فى البلاد الروسية - فن الطبقات الشعبية وهو ما استنتجة كثير من الملاحظين فى المعارض الاجنبية التى اقيمت هناك . لذلك يمكن للسيد ( خروتشوف )أن يؤكد انه يعتمد فى سياسته هذه على المشاعر الشعبية لا على مشاعر النخبة المثقفة من شعبه .

. المثقف والحرية

ويجدر الوقوف ختاما على الفقرات التى يعرج فيها كاتب الحزب على مشاكل حرية الفكر بالاتحاد السوفياتى اذ يقول : " هناك اناس يرون الاشياء بالصورة التالية : صار كل شىء مسموحا به ولم يبق أى حاجز يقف دون رغبة الانسان اذ انه لم يعد يوجد فى البلاد سيطرة نفوذ ولا من يمنع من ابداء آراء مخالفة للآراء السائدة فى نظام الحكم - ومن هنا جاءت المطالبة بحذف لحان التحكيم في المعارض وعدم تنقيح الكتب والإعراض عن الوسطاء للرسامين حتى يتمكنوا من عرض ما يريدونه " .

ويجيب السيد اليتشاف : " ان الحرية كاملة عندنا للدفاع عن الشيوعية وليس هناك ، ولا يمكن ان تكون ، حرية لمكافحة الشيوعية " .

. من بشر فارس الى خروتشوف

ولعلة يفيد القراء - فى هذا الصدد - ان يعلموا ان الدكتور بشر فارس ،

السكرتير العام للمجمع العلمى المصرى وصاحب " مفرق الطريق " ، قد نشر فى مجلة " آخر ساعة " ( عدد 19 ديسمبر 1962 ) رسالة مفتوحة الى خروتشوف حول موقف الرئيس السوفياتى من الرسم التجريدى جاء فيها : سيدى !

أعْلى الله نجمك فى فلك الانسانية الظمأى ، ومهد لك ولنا جميعا سبل التمتع برهائف الفكر ولطائف الذوق ، وجنبك وايانا مزالق اللهو ومنحرفات التيه فى جناتهما .

وبعد فهل تأذن لى - وإن كنت من المجهولين عندك فما أنا الا من جند الفن - أن أصارحك القول فيما روته صحفنا اذ نقلت انك زرت معرضا اقامه المصورون في موسكو اول هذا الشهر فخرجت منه وانت تقول : "ان اعمال المعرض بلا معنى وان المرء لا يستطيع أن يعرف هل الذى رسمها انسان أو ذيل حمار ! " وعقبت بهذه التوصية " ان اللوحة الفنية يجب ان تسمو بالانسان وتلهمه ويجب ان يتفق الفن السوفييتى مع الايديولوجية الماركسية . فن شعب يبنى الشيوعية . أما الفن التجريدى فهو غريب عن شعبنا .

ياسيدى ، إن رئيس الولايات المتحدة - ايزنهاور أو ترومان - لا أذكر على التحديد - حلا له ذات يوم ان يتنكر مثلك للفن الحديث وبخاصة التجريدى . ولم يأبه نقاد الفن حينذاك لموقف ذلك الرئيس لسببين : الأول أن حكم رئيس الدولة في الولايات المتحدة بشأن النشاط الفني لا يقدم ولا يؤخر لأنه سلطانه يقصر عن هذا الحقل وليس من همته ان يتكلف التوجيه فيه . والدليل على ذهاب الحكم سدى أن جملة من المصورين في الولايات المتحدة ممعنون الآن فى التجريدية . والسبب الثاني ان المذهب التجريدى اجنبى فعلا عن منزع أهل الولايات المتحدة فهو طارئ على تصورهم وشعورهم من اقاليم اروبا .

على أن الحال عكس هذه اذا الحكم صدر من صاحب الامر فى الاتحاد السوفييتي . أنت - يا سيدى - متى أدليت برأى اصبح لجماعتك رائدا ومنارا . دليل ذلك ان برقيات وردت وانا أعالج هذا المقال تؤكد ان اشمئزازك - على حد تعبيرك - من الفن التجريدى قد استهوى بعض اتباعك فطلبوا رفع لوحاته من المعرض .

فلنقاد الفن اذن ان يتعرضوا للذى تراه لانهم فى ارجاء العالم متماسكون من حيث ان الفن اخو الانسان أيا كان وأينما بل عليهم ان يتدبروا حكمك اليوم لانك ذهبت الى ان الفن التجريدي " غريب عن شعبك " وهو ذهاب يخالف الواقع .

فلا أراك يا سيدى تنكر على المثول بين يديك لاجاذبك الحديث فى أمرين : حقيقة التاريخ وانطلاق الفن .

حقيقة التاريخ : ظهر الفن التجريدى بهيئته الحاضرة بين السنتين 1910 و 1912 . فى ذلك العهد حنت القرائح الى عالم الغيب هذا المحجوب بستار من نار قدسية . وبزغت بوادر ذاك النشاط الرهيف يوم أخرج فاسيلى كاندنسكى weasily Kandinsky كتابه " الروحانية فى الفن " ورسم اوائل تصاويره التجريدية .

ولد كاندنسكى - يا سيدى - في موسكو سنة 1866 . ابواه من سيبيريا وإحدى جداته تترية . في موسكو درس الحقوق والاقتصاد ثم تنقل فى اقطار شتى واطال الاقامة بالمانيا ثم عاد إلى روسيا . وفي موسكو ، من سنة 1918 الى 1921 - أى فى حموة الثورة الحمراء - قام بالتدريس في أكاديمية الفنون الجميلة وفي الجامعة وأنشأ معهد الثقافة الفنية وكذلك

الاكاديمية الروسية للعلوم الفنية وكان نائب رئيسها . ثم غادر وطنه ليستأنف سياحته - ومن مزاراته مصر - حتى انتهى به المطاف فى باريس سنة 1934 .

كنا نلمحه أحيانا فى معارض الضفة اليسرى من نهر السين ، ونحن بضعة فتية يراودهم هوس الفن . وما كنا نقبل عليه مخافة ان يرمى بنا الى جبهة الغيب ولا سلاح في أيدينا بعد سوى رؤى طوامح تتخاذل عندما تهيج الرياح بل ما كنا أهلا لنقبل عليه فأحجمنا من حيث لا نعى دليل الاخلاص لهيبة الفن .

وهذا الذى يرجع الى ابتكاره اكثر الافتنان التجريدى لهذا الوقت عاش شبه منسى فى ضاحية باريسية حتى موته سنة 1944 . ولم يجد فى عاصمة الفن سوى قاعة واحدة فى حي منزو تجرأت فعرضت جملة من لوحاته لا يزال فى عينى شعاع شعرها الطلق .

ان كتاب كاندنسكي ومن حوله تصاويره لهو غرة مشاعل فن اليوم . . الفن الذى يتهاون بالشكل المجسم لمجرد التجسيم ، فيأبي أن يصدر عن الطبيعة المائلة للبصر العادى ، بل ينبثق من البصيرة الخلاقة . لقد نفر كاندنسكى عن وسائل الفطنة الذهنية فعبا قوى الفكر الخالص ليكافح المادية الشاحبة وهو مؤمن أن عناصر الفن تنبت وتنمو في الدخيلة وجوبا ومن هنا استقر للفنانين المحدثين ان الشكل ليس بحادث من الحوادث الخارجية بل هو ذريعة وجدت فى الخارج للوصول بها الى لمس روح الناظر . وهذا الوصول بهيئه المصور بالجمع بين الشكل البدائى واللون المحض فى تركيب يدير أطرافه ايقاع كأنه قائم على أسرار العدد ، تارة يضطرب وتارة يهدأ طوعا لانفعال المصور بالشكل وباللون وهو انفعال يتخطى الحركة النفسية البسيطة ليلحق بشواغل عليا متى تحققت على اللوحة حثت الناظر فيها لا اليها على أن يتأمل ويتفكر فى اجواء لم يطرقها خياله بعد .

تعال - يا سيدى - نستمع الى قول كاندنسكى : ( انما ابتداع عمل ابتداع كون . ان مولد الاثر الفنى مثل مولد عالم ينشأ عن كوارث تحدثها الطبيعة . كلها أصوات متضاربة تجرى وتتلاحق فى الخلاء حتى تتحد مطمئنة فى لحن متناسق الانغام ) وللألوان في هذا العالم رموزها الاخضر عنوان الطمأنينة لذلك يقل استعماله مع نتائج الكوارث والسائد هو الاحمر يخالطه الاصفر : طبقات لونية تنم عن الغليان والعنف .

وهنالك صفة اخرى فى مذهب كاندنسكى تشعبت عند من جاراه فى التجريد او تبعه ، أعنى دخول عزمات فن العمارة فى نطاق الرسم بفضل خطوط ودوائر تنزهت عن كثافة المحسوس المباشر كما تراه - أحسن ما تراه - فى تخاطيط الهولندى بـيـى موندريان Pitt Mondrian

وغيره كثير ولست بذاكر منهم سوى اقدر الفنانين من الكتلة الشرقية خارج الاتحاد السوفييتي . من المجر : خذ موهولى ناجى Moholy Nagy ، كاساك kassak ومن بولونيا : ستازفسكى Stazewski ومن يوغوسلافيا : بسلى Picely

وليس بمجهول لأهل الفن كيف شارك كاندنسكى فى انشاء العمارة الحديثة ايام التحق بالتدريس فى مؤسسة باوهاوس Bauhaus في المانيا فاستخدم جملة الصناعات لتشريف البناء وتعزيزه . وقد محت النازية هذا الاتجاه اذ عدته دخيلا عن طريق اساتذته الروس فاغلقت المؤسسة سنة 1933 .

هذا - يا سيدى - الركن الاول للفن التجريدى ، وله أقرانه من الروس ايضا فلا بد من ذكر جفلنسكى Jawelensky A lexyon رفيق كاندنسكى أيام الوثبة الاولى فى المانيا . ولد بالقرب من موسكو سنة 1864 وتوفى فى المانيا سنة 1941 ميزته البراعة فى تقطيع المساحة على اللوحة لتستقبل الوانا حادة مع اهمال الشبه بين المنظور والمرسوم وكان يقول : " ان

صورة شخص ما لا حاجة بها ان تشاكل ملامحه لان صاحبها الى زوال : ولا يعلم أحد بعد مائة سنة ما كانت الملامح وحينئذ تشاكلها "الصورة " ومعنى هذا ان الباقى هو صورة الروح لا صورة الجسد على أن جفلنسكى لم يبعد ابعاد صاحبه فى رفض الواقع .

وممن التف حول كاندنسكى من الروس ابان تلك الوثبة بشتجيف (  Bechtegeff وفرفكين Werelkin امن باب المصادفة والاغتباط جاء التجريد الى هؤلاء الروس ومن تابعهم -كما سترى-  وعلى رأسهم جميعا كاندنسكى . فيكون التجريد " غريبا عن الشعب الروسى " كما تؤكد يا سيدى ؟ ما أظن ذلك

ان متاحفكم زاخرة بآثار خلفتها قبائل السكتيين ، تلك التى سكنت جملة مناطق روسية فى عهد متقادم يرجع الى قبل الميلاد فلو نظرت - يا سيدى - الى هذه النفائس - وللعالم حتى لبلدى ان يغبط اتحادكم من أجلها - لوجدت الواقع يتحرف معها فى صيغ مستعذبة أحسن ما يكون التحرف . تجيش في تفاصيلها وجملتها معا حركة فياضة وان كانت كامنة تبعدها من الاطمئنان الغالب على الآثار الكلاسيكية .

والى هذه الارض التى برع أهلها الأولون فى تبديل المحسوس بتنقيح أشكاله أقبل الفن البيزنطى مع شحنة العقائد المسيحية ولا يخفى على احد ما فى الايقونات البيزنطية الصرفة من تخلص وترفع ، تتخفف فيها جسة العاطفة كى تفسح المكان لتأويل الطقوس على أوجه المسيح والقديسيين .

ان فى التأويل العقلي تجريد الجسم من اثقاله مع تحوير ابعاده المتعارففة فى الواقع . بهذه الايقونات جن الروس ووجدوا عندها شفاء غلة المتعبد المتهالك بين يدى ربه الجبار ، فاقبلوا على صناعتها وابدعوا وهم مشغولون بذلك الوجد المحلق فوق ارض تاه فيها عبيد الله ينبئ عنهم ابطال تولستورى و دوستيفسكى ثم باسترناك فى هذا الزمن .

لقد استقر فى تاريخ الفنون - يا سيدى - أن ايقوناتكم تمتاز بانصرافها من الواقعية التى تلتزم المرئى وتسمون هذا النمط Jivopis الى المعنوية وتسمون نمطها Jkonopis وصفة هذا الاخير الاعراض عن صفات الطبيعة والاستخفاف باصول التشريح وبقواعد المنظور . حسب هذا النمط رسم نماذج بيزنطية فى بعدين اثنين : الطول والعرض .

مع هذا التجريد اتى النمط الثاني بالروائع والاوابد من جهة ما يثبت فى ساحة التصويرة من روحية مطلقة وتناسب فى الخط واشراق فى اللون ، ولا يفوتني أن أضرب مثلا على هذه الاوابد تلك الايقونة التى رسمها روبليف Rublev سنة 1411 لاحد الديورة وموضوعها (الثالوث الاقدس ) ترجم به روبليف قصة ظهور " الوجه القدوس " على ما وردت فى التوراة : ثلاثة ملائكة وجههم واحد - لان العبرة ليست فى الملامح ولكن فى الخوالج ( مما يذكره بجفلنسكى ) قد حنوا رؤوسهم وفي عيونهم نظرة بات فيها لحظ الحزن - وهو التوجس من الآلام التى تنتظر احدهم ، وبينهم جميعا صلة مستترة - رابطة الحب يهمس بها اليك خط دائر يلفهم ولكن عليك ان تستشفه ( تذكر كاندنسكى ) . كل هذه الدقائق المصونة وليدة الروحانية العذبة قد تألفت هنا ثمرة من ثمرات التصور فى تصوف .

وما احسبك - يا سيدى - تنتقص روبليف هذا ولا شيعته . فانى اعلم ان قدره خطير عندكم اما صدر قرار من حكومتك بتحويل دير اندروموكوف فى موسكو الى متحف مرصود لذكرى روبليف ؟ نعم القرار ، وليهنأ اهل موسكو بالمنحة !

على ان بلادك - حماها الله يا سيدى - يقطنها ايضا مسلمون عددهم هائل . ولهؤلاء المسلمين وجود بخصائصهم . ثم هل يخفى على احد ما كان من مصاهرة بينهم ايام طراوا وبين أهل البلاد ؟ وراء المصاهرة وراثة التصورات .

فما هى تصورات المسلمين فى الفن ؟ ان لى كتابا - يا سيدى - باللغتين العربية والفرنسية ظهر في مصر سنة 1952 وما أدرى هل تشرف ببلوغ خزائن كتبكم عنوانه : " سر الزخرفة الاسلامية " وقد لخصته مجلة Chiers Dart باريس ديسمبر 1952 ، اقدم اليك زبدة فصلين منه :

ان الحياة الدنيا عند الاسلام الصحيح زينة وليس فيها سوى " متاع الغرور " متاع يضمحل بازاء الذى بين يدى الله . من ذلك لا يدون الفنان الاحساسات المباشرة الا بواسطة نقطة أو جسة أو طرح خط . فيجيء التعبير ومجراه كانه سلك متصل من الحروف المقطعة ، وفحواه كأنه عقد تتضمنه معان مضمرة . وهكذا تعاني المادة ما تعانيه من اقتطاع وتضمير فتبدو مبتورة مسحاء ، لانها نامية فى حياة دنيا كلها " لعب ولهو " . هذا مأتى الاقتضاب Stylisation

وبه يمسخ الفنان المسلم قيم التشكل أو يطمسها . فكان الابتداع ينحدر من هضبات الفكر الثابتة لكي يظفر بما هو دونه فى نفاسة الجوهر ، أعنى مظاهر الدنيا وفيها بدن الانسان هذا البدن - وان كان فى أحسن تقويم - لهو قابل للمسخ لأن الحسن الظاهر ضئيل الشأن بجنب الحسن الباطن .

وعلى ذلك فان صورة الانسان ما هى إلا قشارة ما هو انفس وأعلى ، فلا حرج فى مخالفتها وفى تنزيهها عن سلطان المادة .

ثم لا حرج فى الفرار من مواجهة هذه الصورة وصورة الحياة نفسها المرموز الى طبيعتها بالهشيم تذروه الرياح ، وطبيعي أن يجر ذلك الفرار الى الدخول فى عوالم الموهوم ، فيها من الكائنات ما خلقه الله ونحن لا نعلم به ، وهنا تنفرج للفنان المسلم نافذة مسحورة يلقط من فسحتها أحاجيه الفتانة وهو يريد أن يعظم اقتدار سيده الأعلى الذى " يزيد فى الخلق ما يشاء " . فالمحال الذى ياتى به الفنان ليس بتنكير للطبيعة ولا تزوير لوجهها ولكنه تحقيق لأسرار الوجود .

وأما الألوان فلها أيضا صفات الفيض على نحو ما شرحت فى الكتاب مستأنسا برسالة لأحد فلاسفتنا من القرن الثالث عشر .

والخلاصة أن الفن الإسلامي - وهو طوع مبدأ واحد فى أقطار المسلمين - ميزته تنزيه فى تصوف ايضا . ولقد وهب للدنيا - يا سيدى - ظرائف وفرائد تماثل فى " الفن التجريدى " نظائرها عند الافرنج لهذا العهد . فهو أوغل فى التجريد من فن الايقونات .

ثم ماذا بعد الايقونات فى الفن المسيحي وبعد الأوانى والسجاجيد التى يزخر بها الفن الاسلامي ؟

لما استيقظت روسيا من أسيويتها أرادت أن تقلد بلدان الغرب التى سبقتها فى ميدان التصوير فجلبت منذ القرن السابع عشر من هولندا وفرنسا وايطاليا رسامين واقعيين . وقفوا دأبهم على إرضاء المترفين أى طبقة البورجوازية - هذه الطبقة التى كابدت فى النظام الشيوعي ألوان العداء . كان همْ المترفين حينذاك أن يتخلصوا من سيطرة الايقونات وذوقهم المتجدد لم يبلغه الصقل بعد . فجاءتهم الواقعية ففرحوا بها كما تفرح القروية بثوب يأتيها من المدينة وقد فاتها انه لا يلائم منديل رأسها فى رفات " الاوية " .

تخلف الابداع - ابداع روبليف - لان الطريقة الواقعية الداخلة لم تجد ارضا صالحة . وظلت الحال على هذا النقص فعجزت روسيا حتى فجر القرن العشرين أن تتحف أمتها بفنان

يكون شانه فى التصوير شأن بوشكين فى الشعر أو جوجول ودستيوفسكى وتولستوى فى القصص أو تشيكوف في المسرح . وذلك لأن الدولة القيصرية حصرت مدار الفن التشكيلى في نطاق القواعد المربوطة وكانت سائدة فى اكاديمية بتروجراد ثم أكاديمية موسكو ، بالرغم من بعض ما انسرب الى هذه الطريقة الجامدة من المذهب التأثرى الذى لمع فى باريس .

ومع فجر القرن العشرين عاد الفنانون الروس الى سرائرهم ، وقد دلهم دوستيوفسكى على الطريق فطالما نبش فى قصصه رجل الاعماق .

أخذوا يفتشون فى روسيا وخارجها عن المذهب الذى يجارى منازعهم الدفينة فجسوا الطرائق ذوات الرواج حينذاك مثل التكعيبية والتلقائية والاستقبالية ، وابتكرو أنماطا لهم تتنافس وتتصارع نحو الارتعادية والاستقرارية سرعان ما تشتعل وسرعان ما تخبو .

فى هذه البوتقة الجياشة - وكأنها منذرة ببوتقة أخرى حمراء - ذابت الرواسب الدخيلة وطفا الذهب الخالص انبثقت آيتان : الرقص الروسى والرسم الروسى .

انطلاق الفن :

في ذلك العهد لم تكن روسيا وهبت جنة الثقافة فى أطراف الدنيا سوى جذوات قصصها ولمعات ملحنيها الخمسة بلاكرييف ، كوى ، بورودين ، موسرجسكى ؛ رمسكى كورساكوف والهبة للعالم لا تكون الا طرائف .

جاء دور الرقص والرسم ، الاول مع جوقة دياجيليفDiagylew والثاني مع كاندنسكى وأقرانه وأتباعه . والمثل الاعلى لهذا وذاك ثابت فى هذا المبدأ : الفن غاية في ذاته فما هو أخو الواقع ولا هو عبد لأربابه . بعدا للقواعد الثابتة وأهلا بالاحساس المتحرر والخيال المنسرح .

فتحت جوقة دياجيليف آفاقا مجهولة فى الرقص والتمثيل وتنميق المسرح . رفعت التعبير بالجوارح الى شرفات الفكر ، ففتنت باريس ولندن وروما وحيثما حلت . الى اليوم نهجها غالب على دوائر الرقص الفني في الغرب ما عدا الاتحاد السوفييتى حيث القواعد الموروثة الثابتة تقيد التعبير وتحدد الانطلاقة وقد بلغت الكمال حقا فى ثبوتها .

ثبوت أكمل يروعك ، ولكن أين دفائن الروح : رجل الاعماق ؟ اين النفضة التى لا تغالب وانت تحدق في جماعة دياجليف : سلم حركات النفس كلها قدامك : الحب والبغض ، الفرح والغيظ ، الخفة والضجر ، الأمل واليأس حتى أدق الأحاسيس وأهونها ، وجميعها مقتضبة باشارة عارضة أو موقف سائح او لغة خاطفة . آه تلك الليلة فى باريس كنت كأنى أسلمت إلى الراقصين قلبا مذهولا ، فعصروا صبواته ووجساته تحت ايقاع يتردد بين الرزانة والطيش ! في تلك الليلة وفي أخرى شاهدت فيها شنكار الهندى لمست ابواب السماء . .

معجزة دياجيليف وجوقته فى الزفن ( اى البالية ) ثم معجزة كاندنسكى وشيعته فى الرسم .

ذكرتك - يا سيدى - بعبقرية رجلكم كاندنسكى ، والآن اكشف ما استطيع عن مصادر روحانيته المتفوقة .

أما إهمال الكيان الجسدى فمنحدر من معنوية الايقونات الروسية Ikonopis  ومن تنزه الفن الاسلامي ، ألم تكن احدى جداته تترية ؟ وأما نظرية التجريد فمتأثرة بمذهب يلحق بالحكمة الالهية ( تيوزوفيا )صاحبته روسية

ايضا . هي هلينابيتروفنا بلافتسكى اBlawatski ولدت فى احدى مدنكم - يا سيدى - سنة 1831 وتوفيت فى الولايات المتحدة سنة 1891 بعد أن طافت في العالم وأقامت بالهند وعرجت على مصر - موطن هرمس ونشرت رسالتها " كشف الحجاب عن ايزيس " ثم كتابها العمدة " المذهب المكتوم " سنة 1888 بالانجليزية . والناظر فى اعمال كاندنسكى يلمح اثر هذا المذهب من وراء الشطحات كأنها " نتائج عواصف الوحى " كما يقول زميلى ماكس برجر

دخلت روحانية كاندنسكى عاصمة روسيا دخول الفاتح الاصيل فى جو احتدمت فيه الآراء- كما تقدم - بفضل المجلة الفنية التى كان يخرجها دياجيليف وأصحابه . وما لبث الفتح ان استمال اقلام النقاد ومراقم الرسامين الذين يبحثون عن المطلق في موسكو . فظهرت طريقتان " الاوجية " ( سوبريماتزم ) و " البنائية " ، وكلتاهما وليدة الاستقبالية التى نشرها الايطالى مارنتتى وبشر بها فى روسيا لما زارها سنة 1913 . وكان زعيم الاولى ما لفتش Malevitch ( 1878 -1935 ) وزعيم الثانية تاتلين Ttline ( 1885 -1956 ) والى هذه أو تلك الطريقة انتسبت فئة قبل اندلاع الثورة الحمراء وفي اثنائها ، أذكر أن رجالها منصوروف Mansourov (واسمه يدل على أصله) , ليسييتسكى Lissitzki      والأخوان بفسنر Pevsner ثم بوجنى  Pugony

وهنالك طريقة ثالثة خارجة من التكعيبية والاستقبالية معا : مبدأها ان العمل الفنى يجب ان تشعر معه بأنك تنفلت من أسوار الزمان والمكان بفضل أشعة متحاذية لألوان متناقضة .            وصاحب هذه الطريقة هو لاريونوف Larinonov ولد في اوديسيا Odessya سنة 1881 وقد عرض سنة 1911 أولى لوحاته الاشعاعية ، لذلك يحسن التنويه به فى تمهيد الفن التجريدى . وفي سنة 1914 قصد الى باريس حيث ساهم فى تنميق الزفن ( البالية ) الروسي لفرقة دياجيليف . ولزوجته ناتاليا جونشا روفا Gontcharova المولودة  فى روسيا سنة 1881 ايضا مشاركة فعالة فى الاشعاعية بما رسمته لتلك الفرقة خاصة .

ثم انه لا يجوز اهمال سونيا ترك Sonia Terk المولودة فى اكرانيا تزوجت الرسام الفرنسى دى لونى R . Delauny

من تلك الطرائق التى نهضت فى روسيا ما فنى وما اضمحل وما ذاب فى التيار التجريدى العام . ولكن الاصل - وهو مذهب كاندنسكى - باق وزاهر . يقول الناقد : أميل لانجى E Langui فى كتاب فخم ظهر هذه السنة فى انجلترا ، عنوانه " مصادر الفن الحديث " : " مع كاندنسكى سنة 1910 ولد الرسم التجريدى . . شقت عبقرية الرجل سبلا لم تكن فى الحسبان لمغامرة مجيدة دخل فيها الفن الحديث " ولا يفوت هذا الناقد أن يشير إلى لمحات الايقونات فى تعبير كاندنسكى .

وعند هذه الاشارة أمهل :

هاجر بوجنى الوارد اسمه من قريب الى باريس سنة 1923 وظل يقلب فيها نواحي طريقته الى أن مات وقد بلغ الستين وكان مرسمه على بضع خطوات من مسكنى فى حى مونبارناس : زيارات محادثات . وذات ليلة ونحن نتحاور فى المعرض المقام للفن التجريدى أسر الى بما انقله اليك ، ياسيدى :

" أكثرنا ، نحن الذين شاركوا تحت راية التجريدى فى موسكو منذ سنة 1912 ، مولعون بالايقونات ، من هنا مطلبنا للمطلق . لم نقف عن الاستمداد من سحر تلك التصاوير نظر الى رأس المسيح المصلوب تحت مرقم جفلنسكى ، ثم انظر الى أعمال عمدتنا كاندنسكى وتلمس في ثناياها الرعاشة ولها ظاهرا ينساب فى خطوط تتعانق الى الابد . هذا الشغف

الطبيعى بالايقونات لم يكن موقوفا على نصارى الروس بل اليهود انفسهم انجذبوا اليها فزادت فى قلقهم المتوارث ، خذ مثلا مارك شاجال " .

صدق بوجنى ، فهذا حديث يدلى به شاجال سنة 1958 الى الزميل أدوار روديتى :

روديتى : " أجل انت لم تكن قط من " الواقعيين الاشتراكيين " هؤلاء الذين يؤلفون على لوحاتهم رسائل دكتوراه فى علم الاجتماع المقارن ( يعنى الرسامين الرسميين فى الاتحاد السوفيتى الآن  ) "

شاجال : " بالعكس . سعيت الى استيحاء الفن الشعبى وكذلك الفن الرفيع أيا كان متى استطاع أن يهز مشاعر الشعب ، ولذلك لم أنفك أهوى الأيقونات ففيها أحيانا ما هو أقرب الى مجال السحر وأفق الموهوم بفضل أشكال تموج فيها ألوان كالشظايا تضئ الظلمات ."

هذا عبير الايقونات فى الفن المجرد يرافقه نسيم هفا مع تزاويق الاوانى والسجاجيد الاسلامية . وخلف العبير والنسيم ذخيرة أصيلة مستقرة تأخذك أخذاً فى آثار السكيتيين أصحاب فن البرارى الروسية .

بها جميعا تهيأ الجو الذي عمل فيه كاندنسكى وأقرانه وأتباعه ، وتمكن من التجريد نظريا بفلسفة الحكمة الالهية وقد أرسلتها بصيرة امرأة روسية .

ائتلاف الشرق بالغرب . هكذا روسيا كما نعرفها من فنونها وآدابها .

الفن التجريدى - ياسيدي - ربيب أرضك حماها الله - فهى به مرجع للروح ومنبع للفكر ، ولا غنى عنهما للانسانية الظمأى .

اشترك في نشرتنا البريدية