الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 5 الرجوع إلى "الفكر"

اصداء الفكر

Share

* الحركة الأدبية فى تونس كما تتحدث عنها " الأديب " :

جاء فى عدد جانفى 1965 من الزميلة الراقية " الأديب " ما يلى :

فى تونس اليوم نهضة ادبية واسعة الافاق ، تجلت فى مختلف الالوان ، لا سيما الشعرية منها والقصصية والذى يلاحق الشعر التونسى الحديث ، فى مختلف تياراته وتنويع الوانه ، يجد بانه قد اثبت وجوده فى السنين الاخيرة خاصة بعد ان نالت تونس استقلالها ، وجاء مرآة واضحة تنعكس عليها معالم حياة الشعب . ذلك انه عبر عن آلامه وافراحه . صور احداثه وازماته وانتصاراته . اطلق صيحات مدوية فى وجه المستعمرين . تغنى بولادة الاستقلال . رسم لوحات ناجحة للحب . وصف طبيعة ارضه المعطاء ندد بالخونة . وبكلمة ، ان اصحابه قالوا فى قصائدهم ما ارادوا

اسمع الشاعر احمد المختار الوزير ، فى قصيدة دالية بعنوان " أخى " ، يوجه كلامه الى المواطن التونسى داعيا اياه الى التفاؤل بغد مشرق الطلعة فوق ارض تموج فيها الحقول الخصبة ، وتنعش انسامها العليلة الاجسام وتتكاتف فيها الايدى ، وينطلق منها الفكر النير :

لنا غد وموعد ، ومشهد ومشهد

لنا ، مع الفحر الجديد ، امل محدد

لنا الضحى ، ومعول يزهو ، وعزم ايد

لنا ، أخي ، فكر نبيغ مبدع ، لنا يد

لنا الحقول المائجات ، والجميم الاحصد

لنا النخيل ، والجنى دانى القطاف عسجد

لنا القطيع تاهت السهب به ، والنجد

لنا الظلال ، والمياه شرع ومورد

ويصف الهادى نعمان الحياة فى قصيدة عنوانها " طار الحمام " فيقول

ولذا تناسي او تغافل مؤمنا                   ان الحياة اذا استمرت بلقع

تلك الحياة حمالها متكلف                     وحمامها فى روضها لا يسجع

عاشت به آلامه في فرحة                     وبكل خفق فى الفؤاد توجع

ويقول نور الدين صمود ، وهو من الشعراء الذين اتبعوا النهج الحديث ، فى قصيدة عنوانها " سياط النور " :

مزقى يا شمس جلباب الظلام

جففي هذى الطحالب

وازرعى الارض كواكب

واحرقى ديدان هذا العفن

جففي المستنقعات

واجعل الاضواء تركض

فى عيون الغافلين

منذ آلاف القرون

ومن ناحية القصة التونسية ، فانها تتطور بشكل مرضى . والمؤلفات القصصية التى تصدر باتباع لاكبر دليل على ذلك . ومنها مجموعة قصصية تحمل عنوان " اردنا الحياة ، صدرت حديثا للقاصة والشاعرة ناجية ثامر . ضم كتاب "اردنا الحياة " اربع عشرة قصة اخذت الكاتبة مواضيعها من بيئتها التونسيه فصورت اشخاصا عرفتهم عن كثب . لقد تحدثت عن نضالهم المرير فى سبيل سيادة وطنهم . عن معاركهم ضد البطالة والجهل والبؤس . عن سعيهم لتوفر حياة مليئة بالرغادة والطمانينة . . على اهتمامهم يتطوير مجتمعاتهم وكان كلامها مبنيا على صدق . على حقيقة . والى جانب تصويرها الحى ، اتت باسلوب سلس لا تعقيد فيه . فلا غرو على ذلك ، والقاصة ناجية ثامر تعتبر اليوم في طليعة الكاتبات التونسيات انها تحرص على معنى ومبنى كل جملة تسطرها سواء اكانت نثرية ام شعرية

وهناك الوان اخرى ادبية تتطور بسرعة فى تونس . ويطول الكلام عليها هنا .

هراذا وبدأت الاوساط الادبية هناك تهتم لانجاح مهرجان أبو القاسم الشابي الذي سيقام في العاصمة التونسية ، فى شباط القادم ، وقد دعى كبار ادناء وشعراء العربية للاشتراك فيه .

يعتبر الشابي في طليعة شعراء تونس . وكان شعره سجلا حافلا لاحداث بلاده . ففيه صور واقع الشعب التونسي . صور حياة الفلاح والتاجر والصناعى والطيب والمهندس والمحامى والاديب . . رسم صورا رائعة للابطال الذين سقطوا شهداء فى ساحات الوغى . . هاجم المستعمرين وطالبهم بالجلاء والمعذبين وقد كان يشعر بوضعه المؤلم فيبكى مرارا تتآكله الكآبة ، اسمعة وكرامتها . وصف لقاء الاحباب وصفا رائعا . . كما وصف لقاء التعساء المعذيبين وقد كن بشعر بوصفه المؤلم فيبكى مرارا تتآكله الكآبة ، اسمعه يقول في قصيدته " ارادة الحياة " التى وصف فيها ارادة الشعب التونسى التى وقفت بوجه التيارات الغربية ، وقضت على العراقيل والصعوبات ، وحطمت الاغلال ، إلى ان توصلت ان تحقق النصر الذى كانت تتوق اليه سنين عديدة :

إذا الشعب يوما اراد الحياة          فلا بد ان يستجيب القدر

ولا بد لليل ان ينجلي                 ولا بد للقيد ان ينكسر

ومن لم يعانقه شوق الحياة        تبخر في جوها ، واندثر

فويل لمن لم تشقه الحياة           من صفعة العدم المنتصر

كذلك قالت لى الكائنات           وحدثنى روحها المستتر

ويوجه نداءه الى الشعب فيقول :

اين يا شعب قلبك الخافق الح               ساس ؟ اين الطموح والاحلام ؟

اين يا شعب روحك الشاعر الف             نان ؟ اين الخيال ، والالهام ؟

اين يا شعب فنك الساحر الخ                    للاق ؟ اين الرسوم ، والانغام ؟

ان يم الحياة يدوى حوالى                       ك ، فاين المغامر المقدام ؟

اين عزم الحياة ؟ لا شئ الا ال            موت والصمت والاسى والظلام ؟

عمر ميت ، وقلب خواء ،                           ودم لا تثيره الآلام

وحياة تنام فى ظلمة الوا                  دى وتنمو من فوقها الاوهام

وتطلع الشابى خلف الحدود فرأى العديد من البلدان تئن تحت وطأة الطغاة الظالمين . فوضع قصيدة هائية حذر فيها هؤلاء الطغاة من التمادى فى غيهم فالشعوب ستثور يوما عليهم من اجل حريتها وكرامتها وعيشها الرغيد . فيقول :

الا ايها الظالم المستبد                        حبيب الظلام ، عدو الحياة

سخرت بانان شعب ضعيف                  وكفك مخضوبة من دماه

وسرت تشوه سحر الوجود                 وتبذر شوك الاسى فى رباه

حذار ! فتحت الرماد اللهيب               ومن يبذر الشوك يجن الجراح

ورويت بالدم قلب التراب                  واشربته الدمع ، حتى ثمل

سيجرفك السيل ، سيل الدماء               ويأكلك العاصف المشتعل

ان مهرجان الشابي هو مهرجان شاعر كبير تبوأ مرتبة عالية فى دول القريض

وبعد ، هذه لمحة موجزة عن الحركة الادبية الحالية فى تونس

والملاحظ انها تتطور بشكل مرضى لا سيما الاعمال الشعرية . فالشعراء تعلقوا بالشعر الحديث ، وهم الآن يعملون جهدهم لانتشاره فى سائر الاقطار العربية .

ونحن نشكر الزميلة " الأديب " على عنايتها بتونس وبتطور الأدب ونهضة الثقافة بين ربوعها ونأمل ان يتواصل اهتمام المجلات فى الشرق العربى بواقع الأدب والأدباء فى المغرب العربى على نحو ما تبديه مجلاتنا فى شمال افريقيا من الاهتمام بكل ما يجد في عالم الفكر هناك

واذ نشكر كذلك الاستاذ ابراهيم عبده الخورى على رسالته اللطيفة الى " الأديب " نرجو ان يشير فى المستقبل الى المراجع التى يستمد منها الأمثلة على ما يحلل ويقدم

* بدر شاكر السياب يموت :  

مات من مات فى البلاد ولكن ليس يطوى ولن يموت الاديب ان طوت الحياة بدر شاكر السياب ، واطفأت ذاك البركان المنفجر ثورة وشعرا واخرست صوته فى اسماعنا .

فانها لم تطو ولن تطوى أدب هذا الشاعر ، ولم تخرس صوته فى قلوبنا ولا عاطفته فى نفوسنا ، فما زال بدر شاكر السياب يعيش بيننا كما كان أمس ، فى دواوينه ازاهير ذابله ، اساطير ، وانشودة المطر ، والمعبد الغريق وما زلنا ننتظره فى ديوانه الذى لم يطبع وفي مجموعة اشعاره التى لم تنشر

ان الشعر الانسانى يبقى ما بقى الانسان ، وما دون ذلك يموت بموت صاحبة .

ولد بدر شاكر السياب فى جنوب العراق بقرية جيكور سنة 1926 وهجرها الى بغداد وهو فى الثامنة والعشرين ربيعا من عمره ، وكان ذلك سنة  1954

وتفجر هذا الشاعر الثائر كالبركان ، على الاقطاعية ، التى كادت تؤدى بحياة الشعب العربى فى العراق ، واختار الوقوف الى جانب الشعب ، يصور آلامه واحزانه ويفجر حقده وثورته ضد الطغاة ولقى جزاء ذلك من العنت ما يلقاه كل ثائر ، ومرض بدر شاكر السياب سنة 1957 مرضا عجز الاطباء عن معالجته ، ومات بالكويت بعيدا عن قريتة جيكور التى أحبها ، والتى رصفها عقدا من الشعر وكانه بذلك يعلم الاجيال العربية كيف تحب أوطانها

وكتب بدر شاكر السياب الى الاحياء رسالة من قبره ، فلا تعجب اذا قلت هذا لان بدر شاكر السياب كتب فعلا هذه الرسالة:

من قاع قبرى أصيح

حتى تئن القبور

من رجع صوتى

وهو رمل وريح

من عالم فى حفرتى يستريح

مركومة فى جانبيه القصور

وفيه ما فى سواه

الا دبيب الحياة

حتى الاغاني فيه ، حتى الزهور

والشمس ، الا انها لا تدور

والدود نخار بها فى ضريح

من عالم فى قاع قبرى أصيح

لا تيأسوا من مولد او نشور

وانك لتعجب لبدر شاكر السياب كيف يثور حيا وميتا ويصرخ فى وجوه الطغاة ، وفي بؤرة الاقطاع ، داعيا الشعوب ان لا تيأس ، فهى ستولد وستنشر وسيكون الغد لها .

هذا هو بدر شاكر السياب ، ذلك الشاعر الذى بدل مفاهيم الشعر ، واعطى من نفسه الشعر العربى ، وهو من اولئك الذين نفخوا فى صور الرومانطقية واحالوها الى رماد ، فلم يمت بدر شاكر السياب اذن . انما هو يعيش بيننا فى حروفه .

الأدب والغزو الفكرى . . وتحرى الصحافة :

نشرت الزميلة " المجاهد " التى تصدر بالشقيقة الجزائر فى الصفحة 14 من عدد 248 ( جانفى 1965 ) مقالا بعنوان " الأدب والغزو الفكرى " قدم اليه صاحبة بالاشارة الى انعقاد ( ؟ ) مؤتمر الأدباء العرب ببغداد والمسائل التى عالجها وخاصة قضية الأدب والغزو الفكرى . وجاء بالحرف الواحد :

انعقد مؤخرا مؤتمر الادباء الرب فى بغداد . وكما جرى فى المؤتمرات الادبية السابقة التى انعقدت فى لبنان وسوريا والكويت نوقشت مواضيع هامة تتعلق بقضايا الساعة فى العالم العربى ودور الأدب حيالها . وقد توفر على معالجة هذه المواضيع ومناقشتها ادباء عديدون من مختلف البلدان العربية كل ذلك اغنى الفكر العربى والنظرة العربية الى هذه المشاكل وطرق حلولها . كما قارب بين طرق الاتجاه ، واسهم فى شق المجرى لتصب الفروع فى البحر الادبى العربى الواحد . ورحم الله شاعرنا الكبير أبا تمام

ان يختلف ماء الوصال فماؤنا                          عذب تحدر من سحاب واحد

او يفترق نسب يؤول بيننا                                  ادب أقمناه مقام الوالد

ماذا عالج المؤتمر الاخير :

تحدث المؤتمر الاخير عن الادب والاستعمار ، وعن دور الادب فى الثورة ، وعن دور الادب فى المعركة السياسية وغير ذلك ، وتحدث ايضا عن الادب والغزو الفكرى

ولعل من الخير ان نتوقف قليلا امام هذا الموضوع الاخير .

واذا علمنا ان هذا المؤتمر الذي كان مقررا ان ينعقد فى النصف الثاني من شهر ديسمبر المنصرم قد تأجل الى الخامس عشر من شهر فيفرى ندرك الخطا الذي وقع فيه الزميل الفاضل .

لكن عسى ان تكون الاشارة إلى مقررات هذا المؤتمر تباركا به وتفاؤلا بدسامة مقرراته وايجابيتها .

ونحن الذين سنشارك في هذا المؤتمر بوفد كبير لا نشك في ذلك !

اشترك في نشرتنا البريدية