ارتمي سعيد على جلد خروف أسود ، منهوك القوى ، ورمى قطعتى حذائه إلى جانبه واتكأ على جدار الكوخ ، وأطل من كوة بالجدار فأبصر زوجته الصغيرة " تبر " تخرج الخبز من الطابونة فى حركة آلية رشيقة . ابتسم وظهرت على محياه علامة الرضا . هكذا دائما كلما تذكر حالته البائسة القى نظرة على زوجته الشابة فيتلاشى كل شىء
وتذكر سعيد أيام صباه عندما كان يجتمع صبيان القرية حول الغدير الذى أحيط من كل جانب بأكواخ الفلاحين . وهو ان ينس فلن ينسى مطاردة طيور البط وهى تسبح وسط الغدير بعيدة عن الاحجار الصغيرة التى تلاحقها من حين الى آخر ، وكم كان يغمره السرور عندما يعثر على بيضه بطة وسط الاعشاب فيسرع بها الى أمه مقلدا صوت البط . فى ذلك الاوان كانت " تبر طفلة صغيرة تشاركه العابه وتشاركه ايضا تعلم القرآن لدى مؤدب القرية وابتسم سعيد وهو يعيد النظر الى زوجته متذكرا ليلة من ليالى عاشوراء عندما كان وإياها واطفال الفلاحين يقفزون على النيران التى يشعلونها وقطب جبينه عندما ظهر له مشهد اشتعال النار فى اسفل رداء " تبر " بعدما قفزت ولو لم يكن العم حماد حاضرا واسرع بتمزيق ردائها لما نجت من بعض الحروق .
دخلت تبر " حاملة معها آنية بها خبز الطابونة ووضعتها بجانب سعيد وهى تبتسم ثم قالت : رجعت متأخرا اليوم ماذا وقع ؟ " .
- أضيفت ساعة أخرى ، شعر الملعون ان تسع ساعات غير كافية لجمع محصول الزيتون - لا شك انه وجدكم تلبون كل طلباته
- تلك مأساتنا ما من أحد يجرؤ على التفوه ببنت شفة . الكل يخافون الوشاية والغدر .
وبصقت " تبر " خارج الكوخ ورجعت الى الداخل حاملة آنية بها ( شكشوكة ) يعلو محياها قامة وازدراء ثم قالت : " يا للمصيبة الا يوجد فى القرية رجال ؟ " .
وتفحص سعيد زوجته مليا ثم اردف قائلا : " لا تنسى أن مأساة صالح ومرزوق وعبد الرحمان هى التى تركت الرجال تهاب مثل هذا النوع من المغامرات " .
وقدمت تبر الى زوجها العشاء والغسيل قائلة : عليكم ان تعملوا كالمواشى فى صمت وخضوع " . وغادرت الكوخ فى سرعة متجهة الى ( الزريبة ) ترش الشعير الى الدجاج وطأطأ سعيد رأسه ، ثم تفحص ما قدم له من الاكل ودفعه جانبا حاملا معه جرة الماء وغادر الكوخ وهو يتطلع الى السماء . وأبصرته " تبر " واستغربت خروجه لملء الماء قبل تناول العشاء وصاحت به : " إلى أين ؟ ! " ولم يلتفت سعيد بل أكمل سيره متحاشيا رفس احدى الدجاجات قائلا : " لقد تناولت غدائى متأخرا وانى أشعر بالاختناق داخل الكوخ وأريد أن أفعل شيئا لأروح عن نفسى .
ولكن " تبر " لم تقتنع ولحقته قائلة : كيف ستعبر النهر فى هذه الساعة أجننت ؟ انظر ان سحابا كثيفا اكتسح سماء القرية ولا شك انها ستمطر "
ووقف سعيد والتفت اليها قائلا : " لتمطر السماء والارض فلن يثنينى أحد على عبور النهر وجلب الماء العذب - حتى النهر نفسه ثم أكمل طريقه ، ومر بجانب الغدير وأسرعت طيور البط من أمامه واستقرت على صفحة الماء تسبح فى خيلاء .
ما زالت هناك فى الزريبة تلاحق سعيدا بنظراتها وهو يبتعد حتى توارى عنها وراء هضاب النهر . كان وقع كلامه عليها قويا ! وتذكرت الحوار القصير الذي دار بينهما ، وعادت تتفحص وقع كلماتها ، وعلت وجهها قتامة واكفهرار واضطربت . . إن أى انسان لا بد ان تؤثر فيه كلماتها ، وهى لم تقصده فى حوارها ، لكن اى سامع لا يشك فى انها لا تقصد ذلك . ودخلت الكوخ وغادرته بسرعة وانتقلت من هنا الى هناك وهى لا تدرى كيف يكون نوع تصرفها عندما يعود ، لقد عرفته حنونا عليها رؤوفا ، أحبها بكل جوارحه ، لكن لا شك أن نظرته اليها ستتغير وستفقد فيه ذلك الرجل الذى أصبح كل شئ لديها وانتفضت لرعشة اكتسحت كامل جسدها ، لقد سمعت
صراخا دوى صداه فى جوانب الوادى وأطلت من بعيد فلم تبصر شيئا لكن قلبها اسرع فى النبض وشعرت بانخذال فى ركبتيها واندفعت صوب النهر تعدو وقبل ان تصل كانت جماعة من القرويين محتشدين بضفه الوادى وهم يشيرون بأصابعهم الى رأس ويد تطلان من النهر وهم فى هرج ومرج والوادى حامل وقد ظهر زيده وخرج عن مجراه العادى فجزع الحشد وهم يتصايحون
ووصلت تبر " الى الحشد وانطلقت من حنجرتها صرخة دوى لها المكان وهى تصيح قائلة سعيد سعيد انه سعيد أنقذوه أرجوكم لكن لا الفلاحون يعرفون السباحة ولا الوادى الغاضب استمع اليها وسعيد يحمله تيار قوى واسرع البعض بالحبال ورموها الى الغريق ، لكن أيا منها لم يصل إلى الغريق . وتابع التيار مسيرته حاملا معه الغريق ، وتابعت الحشود المسيرة بحانب الوادى عيسى يقترب الغريق ، من الضفة فيسهل جذبه . لكن النهر كان عنيدا ، وكذلك كان سجينه عنيدا لا يريد الاستسلام لارادة النهر يصارع بكل قواه ، لكن صراعه كان أضأل من إرادة سجانه
وحاولت تبر " الارتماء فى النهر لكن الايدى الكثيرة حالت دون ذلك . واندفعت أم سعيد من بين الحشد وهى تندب وجهها ، وهمت بدورها بخوض مياه النهر الغاضبة ، لكن سواعد الفلاحين أرضختها الى ملازمة مكانها هذا والنهر غير مبال بأحد يتابع مسيرته فى غير اهتمام ، يحمل كائنا لا يزال يتحرك ، لا يزال يتحدى السكون واعماق النهر . اما " تبر " فقد تابعت ملاحقتها والحشد على الضفة ، تشدها أيد قوية وعنيدة وهى تصرخ : " لن تذهب يا سعيد هكذا ! لن تذهب . اننى مازلت فى حاجة اليك ! عش يا سعيد عش " وصرخ أحد الفلاحين بصوت عال : يا للبئر الملعونه لقد استقرت وراء الوادى كى تستدرجنا الى الهلاك ، وصرخت أم سعيد بدورها : ان هذا الوادى هو الملعون ، حال بيننا وبين الماء العذب ، لينسد نبعك ايها النهر ولينضب مجراك ما دمت احدى نوائب الدهر " . وتابعت كلامها وهى تنتحب : " لن تكون يا سعيد قطعة لوح ، أو كائنا بلا حراك كما يريد النهر ، فكن كما يجب ان تكون لا ترضخ للقهر ولا للذل " . وتعالى صوت إحدى القرويات : " يا للعجز يا للجبن ارى الرجال قادرين على استعباد النساء فقط " .
وجرفت مياه النهر المتدفقة بقوة سعيدا الى الضفة الاخرى ، وكانت فروع لاشجار متدلية حتى صفحة الماء وتشبث باحداها فصرخ الحشد : " نصر باذن
الله ! " ولكن تشبث سعيد لم يطل فقد تكسر عرف الشجرة واستعاد النهر سحبه وكأنه يسخر من القوم ، وتعالت صرخات الفزع من جديد : " لا حول ولا قوة الا بالله " وصرخت الأم : " لتحرسك السماء يا ابنى ! " .
ونادت تبر سعيدا قائلة حاول يا سعيد ! حاول ولا تيأس . النهر قوة عمياء إن ضعفت فسينفثك كما تنفث النواة " . ومرق مؤدب القرية من وراء الحشد وهو يتكئ على عصاه الغليظة ثم نادى سعيدا قائلا : " انظر الى السماء يا سعيد ولا تنس وجودها ، ان النهر غاضب لانك تحديته فاذا اقدمت فلا بد ان تكمل ، رجال القرية هياكل واهية فاذا انتصرت فستخرجهم من الجمود لقد لفظ النهر اجسادا كثيرة بلا حراك منهم صالح ومرزوق اما عبد الرحمان فالسماء وحدها تعرف مكان جثته " . واسكتته " تبر " قائلة السماء لن تنزل له حبلا لنجاته ! ان لم تفعلوا انتم ذلك وأجابها أحد القرويين " وما ذنبنا اذا كنا لا نعرف السباحة ، والحبال لا يمكن ان تصل اليه وهو فى هذا البعد " . وتشبثت الأم بخناق القروى قائلة : " أنا لا أعرف متى ستتعلمون السباحة ؟ !
ورفع المؤدب عصاه فى اتجاه سعيد قائلا بصوت عال : لكل أزمة فرج " وانتفض الحشد ، لقد ارتفعت المياه حتى كادت تخرج عن مجراها كليا وسعيد لا يزال يصارع ، وصاح القرويون فزعا لقد اطاحت اندفاعات المياه الصاخبة بقطعة كبيرة من هضبة الضفة الاخرى والتى كانت تحتوى البئر وعدة اشجار كثيرة . وابصروا البئر وقد تهدمت كليا وصرخت " تبر " الوادى قد حطم غريمه ، الوادى حطم هدفنا " ، ونادت الام ابنها سعيدا : لا تيأس يا ابنى لقد تهدمت البئر وان اشجار كبيرة مقبلة نحوك فتشبث باحداها " . وأفاقت تبر " من غيبوبتها وانتفضت وهى تبصر الاشجار الطويلة يحملها التيار بسرعة قائلة : " ها قد جادت ارضى بعونها " ولوح المؤدب بعصاه فى اتجاه سعيد قائلا :ها هى السماء ترمى حبال النجدة
وما ان أتم كلامه حتى وقع ما لم يكن فى الحسبان ، لقد غطت سماء القرية غيوم كثيفة مصحوبة بالبروق والرعود وانهمر المطر غزيرا وتساقطت حبات البرد صغيرة ثم تضخمت فاذا بها كالحجارة . ولم يعد الحشد قادرا على متابعة المسيرة وتساقط النساء والرجال بعضهم على بعض فى تلك الظلمة المطبقة : وكثرت الصرخات ، وأصبحت الرؤوس غير قادرة على تحمل مثل هذا النوع من البرد النازل بقوة ، وصرخ المؤدب : " لترجع النساء الى المنازل ما لكم تصرون على البقاء دون جدوى " . وهربت الجموع الى ديارها وبقى المؤدب والأم وتبر " يتابعون المسيرة بايمان

