الأصلاح كلمة محببة الى النفوس ترتاح الى معناها القلوب وتهتز لسماع الاذان وتروق النواظر بحروفها وتركيبها . كلمة يرددها العلماء المخلصون والتجار العاملون والحكام الاداريون والطلبة المجدون والعامة المبصرون . كل يرددها ، ولا يخلو مجلس من ذكرها ، فلا نجد صحيفة تصدر ، ولا مجلة تعبر ، ولا خطيبا يخطب ، ولا عالما يعظ ، ولا مدرسا لعلم ، إلا وكلمة الاصلاح بين تضاعيف كلامه ، ومعناها اساس تفكيره ، وهو الهدف الذي اليه يرمى ، والغرض الذي اليه ينحو .
هذا شىء مسلم ملموس ، لا يجهله جاهل ، ولا ينكره جاحد .
وانما الذي يلفت النظر حقا ويجلب العجب صدقا اننا نرى هذا كله فى مجالس كثيرة وامم شتى ولا نرى اثرا فيها للاصلاح . اذاك يا ترى لضعف فى الهمم ؟ ام لتقصير فى الواجب ؟ ام هو الجهل الفاشل تحملته القلوب ، واشربته النفوس : فيلتوى القصد من الاصلاح ، وينعكس المطلوب من هذا اللفظ النير المستقيم .
الواقع ان ضعف الهمم أو التقصير فى الواجب لا يؤثر فى الأصل إلا بمقدار هذا الضعف أو التقصير فتجد شيئا من اثر الاصلاح ولو قليلا ، وتلمس أثرا له ولو كان ضعيفا .
أما الجهل بمقاصد الأصل أو هدف الأصل وأساس الأصل ، فهو علة العلل ومباءة الفساد
اذا وجد الجهل : ضاق نطاق التفكير ، وعطن مجال الخير ، وانعكس
القصد فى كل شيء
اذا وجد الجهل ظن الجاهل فى نفسه العلم ، وحسب المسئ انه المحسن ، وتقدم الهزيل الضعيف يظن نفسه شيئا يحمل باحدى يديه ما يريد ، ويحمل فى الاخرى ضد ما يريد وقلبه خاو لا يفرق بينهما ونفسه وثابة للعمل ، وانى له ذلك ، وطريقه مظلمة ولا هدف له ولا غرض ؟
يتقدم المسكين الى ما يظنه هدفا حتى اذا جاءه لم يجده شيئا ووجد شبح الجهل أمامه فرجع خاسئا وهو حسير
اذا وجد الجهل فى المجتمع تراه يتخبط فى ميادين الأصلاح الموهوم ، ويتسقط المصلحين من فتات موائدهم ، ويتهافت ليمسك طرفا من اطراف اغصان الخير فاذا هو ممسك الغثاء واذا الأمواج تتقاذفه ذات اليمين وذات الشمال فاما ان يساعده الحظ ويقذفه على الشاطئ وأما ان يأخذه الجهد وتسوخ نفسه فيرسب مع الراسبين
وكثير من الناس يحسبون ان للعالم ميزات أولية تميزه ومظاهرة كاشفة تباعد بينه وبين الجاهل ، ولكن الحق الذى لا وهم فيه انك ترى الجاهل فتظنه على شىء وترى العالم فتزدريه ، وترى من جلبة الجاهل وصياحه ما يساعد ظنك ويثبته عندك حتى اذا اجلى الغبار عن ميدان السباق تبين العالم باثاره لا بمظهره واتخذ الجاهل وان كان حسن السمت رائع المظهر
وما التفكير إلا ملكة مكتسبة اذا تعهدناه بالسقيا الصالحة والتوجيه الصحيح كان تفكيرا مستقيما له اثر دو نتيجته . وبهذا الأصل يمكن حقيقة للمجتمع أن يكتسب من الأصل أكبر قسط ممكن .
واذا علمنا ان التفكير ملكة علمنا ان اصلاحه لا يتأتى إلا من ثلاث نواح : الاولى - التجارب التى تمر على الأنسان والتمرين الدائم فيعرف الأنسان الغث من السمين ويتبين الصحيح من الفاسد فيتجنب الاغلاط على مر الأيام والسنين ويستطيع ان يحكم حكما مستقيما بعد ذلك ولكن بعد أن يكون
العمر قد مضى والفرص قد ذهبت ، فيكون النفع فى النهاية . ونفع النهاية لا يغنى فتيلا .
الناحية الثانية - لأصلاح التفكير : علم صحيح يتعلمه المرء وتسقيه بعض تجارب بسيطة وهنالك يصلح التفكير حقا ، الا انه يحتاج الى مران ووقت طويل
الناحية الثالثة - دين مستقيم يلبت في القلب ويظهر اثره فى كل ناحية من نواحي المرء وأعماله فلا يلبث التفكير أن يصير مستقيما وان يكون وحيه سليما وتوجيهه صادقا . ان الدين خير ما يوجه الفكر الى السداد والصحة وخير ما يجعل المرء مستنيرا فى جميع نواحي الحياة وهنالك يصلح المجتمع من حيث لا يشع الباس . هنالك ترى مجتمعا صالحا وهيئة تفكيرية تقصد الى الحق وتمتلك الصواب حيثما توجهت وانى شاءت .
ان الشعوب مهما علا كعب العلم فيها وكثرت تجاربها لا يمكن لها ان تماشى الشعوب التى تعتنق الدين الصحيح . ففي الدين واعظ نفسانى سام يباعد بين الفساد والتفكير فيه ويقرب بين الأصل والاسراع اليه ، فيهتدى كل امرىء فى نفسه وبذلك تهتدى أسرته .
ومن هدى الأسرة وصلاحها تهتدى الأمة وتصلح .
وهذا هو الأساس فى ان الدين اسرع الوسائل لأصلاح التفكير الذى يوصل الى اصلاح الأمم .
أما العلم وان اوصل الى الغاية الا انه بطيء لما يحتاج من وقت وتجارب وأبطا منه الاعتماد على التجارب وحدها بينما العواقب ايضا غير مامونة ، والاهداف غير نيرة . فعلى الأمم التى تريد ان تتمسك باهداف الاصلاح ان تسعى أولا لاصلاح ذات نفسها بتمسكها بالدين الصحيح حتى يصير واعظ
كل نفس فيها فلا يحتاج الى عناء وتوجيه اخر . وان ما فى العالم واممه اليوم لبرهان صدق وشاهد عدل على ذلك فلتشحد الهمم وليسارع الناس الى دينهم فهو خير وابقى

