بينا فى مقالنا السابق ان اساس الاصلاح العام هو اصلاح التفكير ، وانه الاساس لاصلاح التفكير هو الدين الصحيح الذى يعضده علم مستقيم وتجارب سليمة .
والآن ننظر كيف يصلح الدين التفكير ؟ أهو بالمحفوظات الكثيرة التى تحشى بها آدمغة التلاميذ وطلبة العلم حشوا دون تدبرو وتفكر ؟ أم هو بايصال الدين الى القلوب حتى تتذوقه ، والدخول بطلبة العلم الى دهاليز الاستقامة والعمل الصالح ، بوعظ قلبي ، وارشاد نفسانى ، فتصفو الأنفس وتزكو الضمائر وتحيا الملكات
ان كثيرا من الناس يظنون أن حفظ المعلومات الدينية كاف جدا فى أن يكون الطالب معلما أو متعلما على حين اننا نرى كثيرا من . الناس فتح الله عليهم بأشرف شئ يحفظ وهو القران الكريم فحفظوه عن ظهر قلب ، يكادون لا يغلطون فيه ، او يتشابه عليهم متشابهه ، وهم مع ذلك لا يعرفون من القرآن الا رسمه ولا يرددون غير الفاظه وربما اجابوك عن بعض معانيه ، وشرحوا مبانيه ، ومع ذلك فانهم لم يعملوا بموجبه ولم يتدبروا اياته ، ولم ينفذوا احكامه ، ولم يهجروا ما نهى عنه ، ولم يامروا بما امر به . يقول الله فى محكم كتابه : ) أفلا يتدبرون القرآن ( . فتدبر القرآن ينشأ عنه عمل صالح ، وهداية وتوفيق . تدبره يهدى إلى اقوم سبيل واحسن طريق . تدبره يفيد الأنسان فى الدنيا والدين ويريه من آيات الله الكبرى ما القلب فى غفلة منه والنفس لاهية عنه . تدبره يصلح التفكير فلا يرى الصالح إلا صالحا ، ولا
يرى الفاسد الا اسدا . فيكون الميزان الصالح للحكم الصادق على كل ما يصدر من المرء خيره وشره .
وفي الحق ان حفظ القرآن بألفاظه دون تدبر لمعانيه وعمل لأحكامه ، حجة على المرء ، وسبب عظيم فى تحمل مسؤليات قد تكون بعيدة عنه لو لم يحفظه . ولا مراء فى أن بقية العلوم الدينية الأخرى لا ينفع حفظها كذلك دون تدبرها والعمل بأحكامها .
فاذا كان ذلك ثابتا ومتقررا فى الأذهان ، وجب علينا الآن أن نعرف من هو الأستاذ الذى ينبغى ان يوجه النشىء والامة الى ما ينبغى ؟ ان الأستاذ لا يكون أستاذا إلا إذا استطاع أن يجعل المتعلم واثقا بما يقوله ، عاملا بما يمليه عليه . وليس المقصود من المعلم أن يكون رجلا فظا غليظ القلب يمسك العصا بيد والكتاب بيد ويجر الطفل قسرا على ان يحفظ ما يقول ليس المقصود من الأستاذ هو الشخص الذي يجعل التلاميذ قادرة على حفظ صحائف معدودات من كتب مشتهرة معلومة ، وهو نفسه غافل عن معنى ما يامر بحفظه ، معرض عن عمل مقتضاه ومضمونه .
ان الأستاذ لا يستحق لقب الأستاذ الا إذا هضم ما علم ، وعمل بما علم ، وأصبح قدوة صالحة لمتعلميه ، يلمسون فيه الخير والأصلاح ، ويقتدون فى كل عمل يهدى الى الفلاح اما ان يكون الأستاذ كما نرى حمل العلم ثم لم يحمله ، أو حفظ بعض معلومات تافهة من كتب صغيرة ثم ادخل على الطلبة ليعلمهم ، واقحم في وسط المعلمين اقحاما ، فهذا والله ليس بالاستاذ المطلوب ولا المعلم المنشود انما دخول هذا فى زمرة المعلمين ضياع للوقت ، واسراف فى الأمعان فيما لا ينبغي ، وتضييع لشرف الدرس والتحصيل .
ان اساتذة الدين هم الجمال لمشاعل الخير والهادون بأذن ربهم الى صراط العزيز الحميد . ولهذا يجب أن يعنى بهم عناية خاصة ، وان يمهد لهم من السبل المذكورة ما يوصلهم الى درجاتهم ؛ كاملى المعلومات والهداية ، وان يحاطوا بالعناية التامة حتى يسلموا من الغوائل ، وبعدوا أنفسهم ! عدادا تاما لتحمل
هذه المسؤلية العظمى ، وواجب على من ينتدبون لتخريج هؤلاء ان يبذلوا الأخلاص ويمحضوا النصح ، وان يكون القدوة صالحة والمثل الطيب واجب على من كلفوا بهذه المهمة الشاقة ان يخافوا الله فيما كفوا به ، والا تكون المادة أساس خدمتهم . واذا كانوا احيطوا بسياج من العناية التى توفر عليهم مهمة التفكير فى معيشتهم فواجب عليهم ان يخلصوا ، وان يبذلوا كل مرتخص وغال فى سبيل اعداد طلبة العلم للقيام بواجبهم الدين الصحيح
من كل ما تقدم نستطيع أن نقول ان تعليم الدين إذا استكمل شروطه ، استطعنا ان نتحصل على رجال صالحين ينفعون انفسهم وامتهم ووطنهم ، واستطعنا أن نطمئن الى أن المستقبل بأذن الله منير مضئ .
وان ننسى فلن ننسى أن تعليم العلوم الدنوية الخالية من الزيغ والضلال ضرورة لازمة لتهذب الافكار وتثقيف النفوس ، وهى التى تجعل الصلة قوية بين الدين والدنيا وتمهد السبيل لتطبيق الايات البينات على مافي الكون من عظم قدرة الله عز وجل
وإذا استطعنا بعد ذلك أن نجعل لتحاربا الصحيحة طريقا إلى تعزيز تعاليم الدين ومسالك العلم ، أمكننا أن نشعر نفوسنا التواقة الى رؤية الأصل العاجل القوى ، أن الطريق أصبحت سوية ، وان شاطئ الأصلاح قاب قوسين أوادني وأن الفوز فى الأفق قد لاح والله الهادى الى الخير والفلاح

