تصدير
ما اهون الصمت على الاثرياء والسعداء ، إذ لا أحد يود معرفة ماهم ! اما الاشقياء فعليهم أن يظهروا ، ان يقولوا : انا أعمى او : أنا بصدد العمى او : وضعى سئ فى الارض او : ها أنا قد ضم بعض الى بعض . لعل هذا لا يجدى نفعا . ان عليهم أن يتغنوا ، وإلا فانهم سيمرون بهم كما يمرون بالجماد . ثم تسمع بعد اغان لطيفة ! ما أغرب طبيعة البشر ، فهم يفضلون الاستماع إلى الطواشية وأجواق الفتيان ! فيقبل الاله ويمكث طويلا ، اذا ازعجه هؤلاء المطهرون .
أغنية الشحاذ
انتقل من باب الى آخر ،
ممطورا محروقا ؟ بغتة أضع أذني اليمنى في يدى اليمنى ، فيبدو لي صوتى وكأنسي لم أعرفه أبدا . ثم لا أعرف بعد يقينا ، من يصرخ ، أهو أنا أم إنسان ما ! أنا أصرخ من أجل ترهة ، أما الشعراء فيصرخون من أجل أكثر . وأخيرا أغلق وجهى بعيني ، وحين يستقر بثقله فى يدى يبدو كالصمت تقريبا . الكيلا يظنوا الا موضع لي أريح فيه رأسي !
أغنية الاعمى
أنا أعمى ، وأنتم فى الخارج ، هذه لعنة ، هذا تقزز وتهافت ، شئ ثقيل يوميا . أضع يدى فوق ذراع امرأتي ، يدى الغبراء فوق لونها الاربد ، فتقودنى عبر فراغ فى فراغ . وانتم تهتزون وتزحفون وتصورون ان رنينكم غير رنين الحجر ، ولكنكم مخطئون : أنا وحدى أحيا وأعانى وأضج .
ففي أعماقى صراخ لا نهائى ، ولست أدرى ، أيصرخ في قلبي أم أمعائي . أتعرفون الاغاني ؟ انكم لم تغنوها بمثل هذه النبرة تماما . فالالق الجديد يصلكم كل صباح دفئا إلى سكبنا كم المشرعة . ولكم شعور من محيا الى آخر ، وذاك ما يغرى بالرفق والمغفرة .
أغنية السكير
لم يكن ذلك فى كان يتردد على . فأردت القبض عليه . انما مسكته الخمرة . ( لم اعد اعرف ما كان ذاك ) . ثم مسكت لي هذا وذلك ، الى أن اتكلت عليها بالمرة ، أنا المعتوه ! فصرت الآن لعبتها ، وهى تنثرني باحتقار حولها ، لا تزال تفقدنى فى هذه الحشرة ، فى الموت . فاذا نالني ، أنا البطاقة القذرة ، حك بى قرعته الغبراء ، ورمانى فى الوحل .
أغنية المنتحر
لحظة أخرى اذا ! أتقطعون بى الحبل دوما
من جديد ! قبل حين كنت على أهبة تامة وكان نزر فى الابد في ضلوعي . أتعرضون على هذه الملعقة ، ملعقة الحياة هذه ! لا ، انى لم أعبد أريد دعونى استسلم . أعلم أن الحياة لذيذة ناضجة والدنيا قدر ملآن ، لكنها لا تنسل الى دمى ، بل تصعد الى رأسى فقط . انها تغذو الآخرين وتسقمنى أنا ، فادركوا انى استخف بها ، لانى تعوزني الحمية الف سنة على الاقل .
أغنية الارملة
فى البدء كانت الحياة لذيذة ، كانت تنعشنى وتمننحنى الدفء . انى لى أن أعرف آنذاك ، انها تمنحه كل الشباب ! لم أكن أعرف ما كانت الحياة ، لكنها غدت فجأة سنة وسنة ، لم تعد شيقة ، لم تعد جديدة ولم تعد رائعة ، كانت كأنها قد تفلقت فى الوسط فلقتين .
لم يكن هذا ذنبه ، ولا ذنبى ، وما كان لنا غير الصبر لكن الموت لا صبر له . لمحته مقبلا ( ما ابشع اقباله ) ، ورأيته كيف يأخذ ويأخذ : لم يكن ذاك ملكى مطلقا
فما كان لي إذا ملكى ، خاصتى ؟ ألم يكن شقائى نفسه اعارة لى من القدر ؟ انه لا يسترجع الهناء فحسب ، بل يستعيد حتى العذاب والصراخ ويبتاع الهلاك للعتيق .
وتبدى القدر واقتنى ، دونما ثمن ، كل تعاببير وجهى وملامحه ، اقتني حتى نوع سيرى . كان هذا نفاقا يوميا . وما أن فرغت حتى تخلى عنى وترك جرحى نازفا .
أغنية البليد
انهم لا يمنعوننى ، بل يتركوننى أذهب . ويقولون لن يحدث شىء . ما أطيب لن يحدث شىء . والكل يد يدنو ويدور باستمرار حول الروح القدس ، حول الروح الفلانى ( أت تعرف ) - ،
ما أطيب . لا ، لا ينبغي أن يظن أن فى ذلك خطرا ما . يقينا ، هذا هو الدم . الدم أصعب شىء . الدم ثقيل . أحيانا أظن انى لم أعد أستطيع . ( ما أطيب . )
يا لها من كرة جميلة ، حمراء مستديرة ككل مكان : كان جميلا أن تخلقوها . فهل تراها تأتى اذا نوديت ؟! ما أغرب مجرى هذا كله ، كم يتزاحم ويتلاطم ويتنافر : لطيف ، شىء مجهول تقريبا . ما أطيب .
أغنية اليتيم
لست أحدا ، ولن أكونه أيضا . فأنا الآن أصغر من أن أكون ؛ وكذا أكون فيما بعد أيضا .
ارحموني أيها الآباء والامهات ! حقا لا جدوى من العناية بى : اني سأجز . فلا أحد يريدني : اليوم لازال باكرا وغدا يكون قد فات الاوان .
ليس لي غير هذا الثوب سينحل ويشحب ، لكنه سيدوم دهرا ولربما بين يدى الله أيضا . ليس لي سوى هذا الشعر اليسير ( لم يتغير أبدا ) . كان مرة أجمل شعر . اليوم لم يعد شيئا محبوبا .
أغنية القزم
لعل روحي سوية خيرة ؛ ولكن قلبى ، دمى الخفى ، كل ما يؤلمني ، لايطيق حملها باستقامة ليس لها حديقه ، ولا مضجع ، يشدها الى هيكلى الحاد رففيف رهيب مفزع .
يد اى لن تكونا شيئا بعد . فكانهما قد اعوجتا : انظر هنا : انهما تثبان فى تصلب ، مبتلتين ثقيلتين ، كضفادع صغيرة بعد انقطاع المطر . كل ما فى كيانى بال عتيق مهترئ ؛ فلم يتردد الاله فى دفن هذا العفن كله !
أغاضب هو على وجهى ذى الفم العبوس ؟ طالما أوشك النور والسنى أن يعما جوانب القاع ؛ لو لم يشتد التصاق الكلاب الكبيرة به . ولا هذا للكلاب !
أغنية المجذوم
انظر ! انا واحد هجره الكل . فلا أحد فى المدينة يعرف ان الجذام قد اعترانى ، رغم انى ادق ضجى ، أعزف يقظتى الحزينة ، فى آذان كل الذين يمرون عن كتب ! اما الذين يسمعونه متخشبا ، فانهم لا يلتفتون الي قطعا ، وما يجرى هنا لا يودون معرفته .
ابعاد انغام ضجى تحدد لي سكناى ؛ ام تراك ترفع أنت صوت ضجى عالية ، بحيث لا يجرؤ على الدنو من بعدى ، من يتجنب الآن قربى ! هكذا استطيع السير طويلا ، من غير ان اكتشف فتاة . أو امرأة ، رجلا أو طفلا . لا أود أن افزع الحيوانات !
