فى البحث الذى كتبناه ، فى العدد الماضى ، عن "منطقة ظلم ومنجمها " اشرنا الى اقامة الفينيقين فى هذه المنطقة ، والى اشتغالهم بالتعدين فيها ، وفى غيرها ، والى قيامهم بالزراعة فيها ، وفى غيرها ، وانهم كانوا متحضرين ذوى مدن مأهولة عامرة وحضارة زاهرة . ونشاط فى شتى ميادين الاعمال.. وقلنا إن ذلك كان حوالى الالف الثالثة قبل الميلاد استنادا على الآراء العلمية التى رجحها الباحثون .
وقد ساقنا البحث عن منطقة ظلم ، الى ناحية واسعة من البحث والدراسة تتصل " بجيولوجية " أراضى هذه المملكة ، عما توصل اليه علماء الآثار والباحثون والمستكشفون من نتائج عن الماضى السحيق المجهول من تاريخ هذه البلاد ، فخضنا غمار هذا البحر الطامى من البحث ، لنلقى الأضواء للقراء - بقدر الامكان- على ماضى هذه البلاد السحيق ، ولنوصل حلقات ذلك الماضى السحيق الذي هو قبل التاريخ ، بما بعد التاريخ . وهكذا دواليك وحتى الآن .
جزيرة العرب ، هي المهد الأول للساميين عموما ، فهي اذن مهد الحضارة العالمية ، لأن الساميين هم بناة هذه الحضارة .. هذا ما يراه كثير من علماء الآثار ولهم دلائل أثرية ودلائل خبرية مقارنة ، ودلائل منطقية وطبعية على تدعيم هذا الرأى . واذا اردنا ان نحدد المنطقة التى نشأت منها الحضارة فيما قبل التاريخ ، والتي عرف فيها التعدين والزراعة والصناعة والتجارة وسائر مقومات الحضارة، - ٣٢٥ -
قبل اى جزء من اجزاء الدنيا القديمة ، فلنا ان نقول استنادا على ارجح اقوال الاثريين والجيولوجيين : إنها المنطقه التى توصل بين نجد والحجاز ، وهي التى تكثر فيها المعادن ، وهي التى اكتشفت فيها آثار المدن والقرى والتلال التى طمرت مدنا ومصانع ومقابر ومزارع عريقة فى القدم . من آثار اولئك الجبابرة بناة الحضارة الانسانية الاقدمين .
وسنرى ان المؤرخين يصفون بلاد العرب بكثرة المعادن والمناجم فاذا رجعنا إلى اقوالهم ومشاهداتهم وجدنا أن هذه المنطقة هى أحفل المناطق العربية بالمناجم الذهبية وغيرها ، فما أكثر المناجم التى يصفونها بأنها فى ارض كعب ابن كلاب ؛ وغطفان وعبس وذبيان وسليم ، (١) وهي تقع في اواسط المملكة تأخذ باطراف من الحجاز وباطراف من نجد فى الشرق ، وفي الشرق الجنوبي . وفي الشرق الشمالى ، معا .
كما انه بهذه المنطقة الممتدة كانت تجرى الانهار الفياضة التى قال عن احدها " هيرودتس " ٤٨٤- ٤٢٥ ق . م ) انه نهر يسمى (كورس) وانه من الانهار العظيمة وانه كان يصب فى بحر "اريتريا" .. اى البحر الاحمر (٢). كما ان من هذه الانهار نهر (LAR) لار ، الذى اشاد بطلميوس (القرن الثاني الميلادي) بأنه ينبع من نجران ويسير فى الشرق الشمالي حتى يصب فى الخليج العربي ، ويظن بعض الباحثين انه الذى كان يجرى فى وادى الدواسر (٣) وقد كانت هذه الصحارى التى نشاهدها اليوم وتشاهدها قبلنا الاجيال المعروفة فيما بعد التاريخ - كانت مروجا خضرا ، آهلة بالسكان (٤) وقد كان للعرب سكانها إذ ذاك علم واسع بتنظيم امور الرى ، وتدل الآثار التى عثر عليها الباحثون فى الصخور وتحت الأرض على حضارة لهم زاهية فى هذه الصحراء الجرداء من قبل حدوث الجفاف بها . وكان للعرب اذ ذاك ممالك ودول قائمة على دساير منظمة .. وقد عرف لديها الخط قبل اى قبيل او امة . وناهيك بمدنية الصفويين والفينيقيين ومن جاء بعدهم من العرب القدامى الذين انتشروا فى اواسط الجزيرة
وشرقها وغربها وشمالها وجنوبها وقد عمت البداوة اراضيها بعد ذلك بفعل اشتداد الجفاف وفوضى الحكم وضعف الحكومات وتزعم المشايخ وانتشار اعمال السلب والنهب . ثم جاءت عوامل الزمن والانسان فطمرت كلما خلفته تلك الحضارة الزاهرة من آثار وعمران ولفها النسيان فى شمائله ، حتى ظن الناس فيما بعد ، أن الجزيرة وخاصة هذه المنطقة ، منها - نجدا والحجاز - لم يكن اهلها يألفون غير البداوة وشظف العيش والجفاء والجهل المطبق وان لاصلة لهم بكل مقومات الحضارة . مما ايدت الكشوف الحديثة الاثرية ، والمستندات الخبرية ، بطلانه فكان لزاما على اهل هذه البلاد الالمام بهذا الرأى العلمى الحديث ليعرفوا ماضيهم ، وليبنوا كما بني اوائلهم . هذا وقد ظلت اخاديد الانهار العظيمة بالجزيرة شواهد نواطق على تلك الحضارة الذاهبة . وناهيك بوادى الحمض ، ووادى السرحان ، ووادى الرمة ، ووادى الدواسر ، وغيرها من الانهار التى جفت وبقيت مجاريها اخاديد لسيول الامطار .
وكان من اثر الجفاف الذي خيم على هذه البلاد بعد العصر الناضر ، ان بدأت موجات الهجرات منها فنزح الفينيقيون عنها بعدما عمروها وثمروها ، الى الشمال . والى الشمال الشرقى ، والى الشرق ، وبقيت بواق منهم اندمجت في احفادهم من اجداد العرب الذين عرفوا منذ أزمان سحيقة بهذا الاسم ، والذين عرفت بهم جزيرة العرب فى الآماد السحيقة ايضا . وقد هاجر ابراهيم عليه السلام " بهاجر " وابنها اسماعيل الى ديارهم واستقر بهما المقام فى هذا الجزء المعروف فيما بعد بتهامة ، فى الوادى الأجرد الذى بنيت به مكة بعدئذ ، وكانت منطقة مكة اذ ذاك قد شملها الجفاف كما شمل اغلب المناطق الاخرى ببلاد العرب ، وصوح نبتها وآضت بلقعا خاليا خاويا لاماء فيه ولاكلأ ، ولا اناسي . وكانت قوافل عرب الجنوب تمر بهذه المنطقة اثناء رحلاتها التجارية ما بين الشام واليمن ، حاملة الطيوب والصمغ والجلود ، وقد لاحظت قافلة عابرة من قوافلهم علامات الماء بها ، وأدهشتها المفاجأة اذ رأت هذه المرأة الوحيدة مع ابنها الرضيع فنزلت عليهما بالوادى . وكانت زمزم قد ظهر ماؤها الغزير الى سطح الأرض او قريبا من سطح الأرض حيث يمكن تناوله باليد المجردة ، وكان ذلك
تكريما من الله له ولأمه (١). وهكذا قدر لمكة ان تنشأ ، وقد يكون انشاؤها مجددا ، بدليل وجود البيت العتيق بها ، (٢) ( إن أول بيت وضع للناس للذى ببكة) وهكذا قدر لمكة ان تقاوم طبيعة الجفاف المنبسطة على رقعتها ، وان تبتدىء بهذه المقاومة الهائلة بعد شمول الجفاف لجزيرة العرب بامد وجيز على ما نراه بتحفظ (٣) فقد صرح ابن عباس رضي الله عنه فى حديثه المروى عنه فى تاريخ الازرقى ان العماليق كانوا يسكنون بها والارض مخصبة والانهار متدفقة ثم امحلت فهجروها الى اليمن ومن ثم جاءت اليها جرهم ، ومجىء جرهم اليها معلوم انه كان عقب قدوم ابراهيم بهاجر واسماعيل الى منطقة مكة وبذلك كانت مقدمة عمرانها الثاني الذي استمر حتى الآن وما بعد الآن بأزمان مديدة إن شاء الله تعالى .
وقد ذكر المؤرخ بطلميوس (القرن الثاني بعد الميلاد) مكة ، باسم ( ماكوربا ) . ويرى اصحاب ( تاريخ العرب . مطول ) ان : ( هذا الاسم مشتق من الاسم السبئى : ( مكورابا ) ومعناه مقدس او حرم ، وقالوا : ( انه يستفاد من هذا الاصل ان مكة كانت فى اول عهدها مقاما دينيا اذن فهي مركز للعبادة يرجع عهده الى ما يسبق محمدا عليه السلام بازمان متطاولة ) . (٤) وهذا الذي قالوه ذو شقين . فاما تأويل الاسم ، فانى أرى ان المؤلفين واهمون ، وانهم تتبعوا حرفية آراء المستشرقين فى التأويل ، فأصابوا فى الجملة واخطاوا فى التفصيل .. ذلك انى ارى ان بطلميوس قد عرف بلهجته الاعجمية الاسم العربي الذي هو على ما ارى : ( مكة الرب ) .. اى بلدالله .. وقد تحول فى الترجمة الى ما ترى : ( ماكورابا ) . . (٥) وجاء المستشرقون فتأولوا الاسم بانه من
اللفظ السبئى ( مكورابا ) اى حرم ومقدس .. والاسم السبئى لابد انه ( مكة الرب ) او مكة ام رب ) بقلب لام التعريف إلى ( ام ) على لغة اليمن ، وقد سمع بطلميوس هذا الاسم من تجار العرب فنقله الى لغته محرفا كما ورد فى سفر تاريخه ، واضفى عليه المستشرقون المعنى المطلوب ، وان فاتهم حقيقة التأويل والتفسير المنطقيين للصيغة ، لانها نقلت اليهم محرفة مشوهة .
واما الشق الثاني فهو ما يختص بمقام مكة الدينى ، وما قالوه يطابق ماجاء به الاسلام وصرح به القرآن المجيد الذى لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه فمكة بلد الله و ( ان اول بيت وضع للناس للذى ببكة مباركا وهدى للعالمين فيه آيات بينات مقام ابراهيم ) .. صدق الله العظيم .
هذا وقد كان من اثر الجفاف العام وضعف حكومات العرب فى انحاء الجزيرة خراب السدود العظيمة التى اقامها اسلافهم للاستفادة لزراعاتهم وصناعاتهم من السيول والانهار على النحو الذى يجرى بعد ذلك فى العالم ، وقد ادرك التاريخ خراب سد مأرب اخير أو تحول حدائقه الغلب المتسلسلة إلى أرض قفر ينمو فيها السدر والأثل ، والخط ، مما هو مشاهديها حتى اليوم (١).. وقد انطلقت عوامل الخراب من قبل ذلك ومن بعده الى سدود وفيرة كالسد المعروف بقرب الطائف بالسد السملقى وقد انتج ذلك انصراف السكان الى اشباع بطونهم من لحوم الأنعام بشن الغارة على من يملكها من جيرانهم ولو كانوا ذوى قربى لهم ، وانتشرت الفوضى وعم الذعر وساد في الناس - يتناسي الاجيال السحيقة وبنسيان الحضارة المندثرة قبل عشرات القرون - ان الجزيرة بلاد نشأت فطرة على البداوة وانها لم يمر بها فيما مضى من عهودها طائف من الحضارة .. وجاء دور الاسلام فجمع الشمل المتشتت ووحد الكلمة وصحح اهداف الحياة ، فنعمت الجزيرة فى صدر الاسلام بحضارة دينية ودنيوية مثالية . والاسلام دين عام خالد وبناته يريدون ان ينشروا انواره فى كافة ارجاء الارض التى اظلها عهد رهيب من الاستبعاد والشرك والطغيان ، والفوضى . ولذلك اقبل حماة الجزيرة
وكفاتها وبناة مجدها الى الفتوحات فى شرق الارض وغربها وفى شمالها وجنوبها ، فأثر ذلك فى كيان هذه البلاد ، وعادت الى الانكماش وعادت اليها الفوضى وعمها الخراب وتقلص بها العمران ، بعد ان استرجعته فى عهد غير مديد ... وقد طمرت اسباب المدنية بها ، وخربت السدود المنشأة ، وتقوضت الزراعة وشلت الصناعة بها قرونا مديدة ، حتى خال العالم مرة أخرى ان هذه البلاد مقضي عليها بالتأخر والاضمحلال الى الأبد ، وان لا أسباب فيها للنهوض العمرانى والاقتصادى ، والاجتماعي ، ونسى العالم ما كانت تفيض به فى عهدها السحيق قبل التاريخ ، من زراعة وصناعة ومعادن وحضارة هي نواة الحضارة العالمية . وتناسوا ايام مجدها الاسلامى وازدهار العيش فيها ورخاءه وانتظامه ، واليوم بعد نحو الف عام من نهوضها العمرانى والاقتصادى يعود اليها رونقها بما استتب فى منطقتي قلبها ورئتها : ( الحجاز ونجد ) من امن وارف شامل وطمأنينة عام على يدى بطل الجزيرة ( الملك عبد العزيز آل سعود ) وها هى تعود الى الابتسام لسكانها ، وها هى قد بدأت تكشف لهم عن مكنوناتها الثمينة ومخبآتها القيمة من معادن ومناجم ومياه وحضارة عريقة مطمورة ، وقد جادت لنا بالذهب الاسود ، وها هى تجود بالذهب الأصفر الرنان ، وها هى تستعد للكشف عما استقر فى اعماقها القريبة والبعيدة من مياه ثره عذبة اودعت تحت تربتها الذهبية ، ارهاصا لجودها بالذهب الأخضر من حبوب وفاكهة وثمار ونحن على رجاء من الله ان يديم ظلال هذا الأمن الوارف وان نسير قافلة الحياة لدينا فى موكبها التقدمي هذا حتى تصل بنا الى منزلة سامية من الحضارة الصالحة الراشدة تعج فيها المصانع بالإنتاج المدني والحربى الضخم ، وتنتشر فيها المزارع والحقول حتى تتحول بها الصحارى الواسعة الى جنان خضر متلاصقة (١) وتستخرج فيها معادنها ومناجمها الثرة الوفيرة باحدث الوسائل وانجع الاسباب

