كانت لا تسمح لنفسها بالنظر اليه طويلا كلما مرت امام الحديقة العمومية التى اعتاد ان يجلس على مقعد من مقاعدها الخشبية المتداعية كل مساء . وكان يلوح لها صامتا كئيبا فتمضى فى طريقها متجاهلة وفي اعماق روحها الف شوق اليه . . الى كلماته التى اعتادت ان تطالعها فى جريدة يومية ، الى ابياته الشعرية التى وجدت لنفسها الحائرة فيها غذاء ساحرا عبقريا . . كان يلوح لها من بعيد كما تصورته فى خيالها الرحب ولكن كل شئ حولها كان يمنعها من ان تنظر اليه او تبتسم له . . . واعتاد ان يراها تمر منذ ايام كل مساء عائدة من حيث لا يدرى ذاهبة الى حيث لا يعلم محاولة اخفاء اضطرابها . . .
مضت كعادتها وظل جالسا كما اعتاد ان يجلس شاخصا فى صفحة المياه الهادئة فى حوض مستدير صغير . . ورفع رأسه الى طيفها الهادىء العذب وهو يتوارى . . فملأ آفاق عينيه فستانها الاخضر وشعرها الاسود المتدلى على كتفيها . . .
ونهض متثاقلا ومضى صامتا يشرح الى الشفق الاحمر ما يدور بعقله الصغير وما يهتز فى رحاب جسمه النحيل . . .
وادار وجهه الى اليمين حين بلغه زئير الاسد الاسير ما بين قضبان الحديد ووقف يتأمله فى شرود مبهم وهو يكشر عن انيابه الحادة . . وتركه ليحتضن بعينيه فى القفص المجاور قردا يتأرجح فوق خشبة . . وسرعان ما تركه لينتصب امام قفص يتأمل طاؤوسا امتزجت فيه جميع الالوان وهو يتنقل فى تيه وكبرياء . . ومضى الى حيث وجد ما كان يريد ان يرى كل يوم ، الى حيث وجد قطعا من الغزلان الوادعة . . امعن نظره فى اشكالها الظريفة واحتضن بعقله رقة اجسامها الناعمة فسحرته وداعة نظراتها الحالمة . . انه يحب نظراتها البريئة يحبها لان فيها شعورا يجعله يشعر بما فى الرقة والوداعة من جاذبية وبما فى السحر من روعة وجمال . .
كان يريد ان يحكى لها ، لواحدة منها ولكنه يعلم انها تسمع وترى ولا تفهم . وتذكر انه لا أحد كان يفهم ما يريد الا صفحات كنش صفراء عاشرته فاحبها وتكونت بينهما صلة متينة عميقة . . .
وواصل سيره مطاطا الرأس . . كان يشعر بما لا يشعر به غيره وكان يفهم من كل ما يرى ما لا يستطيع احد ان يفهم ما يفهم هذا الشاب الوديع .
وملت خيوط الظلام انكماشها فبدأت تتمدد شيئا فشيئا لتأخذ مكان الضياء الساحر . . وشاهد عبر السياج طيفا يتنقل ببطء . . فتجاهله ومضى . لكنه التفت الى الوراء ورفع رأسه . . فجمد فى مكانه حين واجهته صفحة وجهها الجميل واحتضنته نظراتها الوادعة . . وعلم انها سمحت لنفسها هذه المرة باطلة النظر فى صفحة وجهه الحزين . . وعلم انها تحدت فى هذه الفترة كل ما حولها لتطيل النظر اليها غير عابئة بكل ما كانت تعبأ به من قبل . . منذ ايام . . وحاول ان يبتسم فى حين انها ظلت جامدة فى مكانها . . وتقدم نحوها ومد لها يده فوق السياج فاحتضنتها بين كفيها الناعمتين وانامتها لحظة . . فدعاها بنظراته الى مرافقته فأدارت وجهها بالسياج تبحث عن المدخل ٠٠٠
ومشت الى جانبه صامتة وكان يريد ان يقول لها شيئا ، عن جمال الحديقة . . عن وداعة الغزلان عن حيرته . . عن جمالها . . وكانت تنتظر منه ان يقول لها شيئا عن سر وجومه . . عن عبادته لهذه الحديقة . . وهفا صوتها الرقيق ما بين انسجة الصمت يصل رقة كلماتها بتعطش اذنيه الى نغمة صوتها الحنين
- اننى اعرفك وانت هل تعرف عني شيئا . . . وكان جوابه عن سؤالها قصة وصف لها فيها طريقة مرورها كل يوم امام الحديقة . . واندفاعها فجأة نحوه فى هذه اللحظة بالذات كان جوابه عن سؤالها قصة روى لها فيها حبه للجمال ، وللمساء . . للشفق والغروب للشعر والخيال . .
وكانت تصغى اليه فى صمت ، ثم وفقت حين توقف عن الكلام وتحدت مهنة حراس الحديقة فقطفت وردة حمراء قدمتها له فى حنان . . فالتقت معها نظراتهما واشتبكت احلام كل منهما باحلام الآخر ، واصبحا فى غير حاجة الى الكلمات او الى الحركات ٠٠
وواصلا سيرهما . . وكان ينتظر منها ان تسأله ولكنها لم تسأل ولم تجب لانه لم يسأل . . .
- عزيزتي الصغيرة ما لك صامته . . ورفعت رأسها فجأة ونظرت اليه طويلا فتفطن الى ما تفوه به فى اندفاع العفوية ، وعض شفته السفلى وقطب جبينه ، وحاول ان يبرر تسميته هذه ولكنها امرت اصابعها الناعمة فى تموجات شعره اللين ، فصمت . .
وانتظر منها بعد هذا ان تشرح له ما دعاها الى الاقدام على مثل هذه التجربة . .
فوقفت عن المسير حين بلغت مدخل الحديقة ومدت اليه يدها ، فظل يرمق يدها تارة وعينيها اخرى فقالت بصوت هادىء
- نعم انى ذاهبة ، الى حيث انا ذاهبة . . اردت فقط ان اضع حدا لتلك الفترات التى اعترف انك شغلتني فيها من بعيد . . جئت لاقتل هذه العاطفة التى بدأت تضمر الحب الناشىء . . نعم انا ذاهبة الى حيث انسى انك كدت تشعل فى ضلوعى نيران شوق جديد . وتملأ ضميرى بوساوس الخيانة . وانا سأتزوج عن قريب . هكذا شاء الحظ بان لا اعرفك منذ امد بعيد لاكون لك كما شئت فى يوم من الايام ولكن .
ثم نظرت اليه وجرت فلم تترك له فرصة للكلام فشيعها بنظراته حتى اختفت وعاد يقاوم اضطرابا نشأ فى نفسه منذ قليل . ووجوما طغي على خاطره المضنى . . وغادر الحديقة تاركا الاسد لزئيره والغزلان لوداعتها الساحرة وترك للحديقة ذكريات يائسة . . واعترف لتلك الوردة بانه ما كان ليزور الحديقة الا لكى يراها تمر من هناك . . وما كان يحلم بوداعة الغزلان الا لانه علم ان هذه المجهولة التى يعرفها وادعة ساحرة واكتشف انها مخلص لعهدها ٠٠
غادر الحديقة وعاد الى الحياة ، الى حيث يكثر الضجيج وتزدحم المقاهى باشكال الرجال . . الى حيث يغنى الخيال . . ويمتلئ فراغ العقل بالحقائق والسخافات . . الى حيث يحاول ان ينسى لكى لا يبقى واحما فى صفوف العاملين ولا يائسا فى صفوف الأملين .

