الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 3الرجوع إلى "الفكر"

اضواء على الأدب العربى المعاصر

Share

ننقل فى ما يلى مقالا لمراسل " الاداب " محى الدين صبحي بعنوان والهاوية . . "  حتى يطلع قراؤنا على جانب من واقع الادب العربى المعاصر :

هناك ظاهرة خطيرة ينحرف اليها نتاج الشبان فى هذه الفترة ، وتؤكدها مواقفهم وتصرفاتهم وتصريحاتهم فى الصحف . . ويحددها سلوكهم اليومى وخلقهم الشخصى وعلاقاتهم بين بعضهم وبعض او بينهم وبين القراء . .

هذه الظاهرة هي " الاستهتار " اى تجاوز كل الحدود المالوفة او المستوردة فى الحياة الاجتماعية عامة والحياة الادبية خاصة . وهذا التجاوز يكون عفويا تارة ومقصودا فى احيان اخرى ، الا انه لا ينبئ عن استشراف قيم جديدة ، ولا يحتوى دعوة الى حياة افضل وانما هو رفض لكل ما هو قائم واستهتار بكل الاسس الثقافية والحضارية التى تسير عليها حياتنا الفكرية ، ثم الاقتناع بهذا الهدم والقعود عما سواه _ ولعل فى كلمة " هدم " بعض الاسراف فى التعبير فموقفهم على وجه التحديد هو التخلى عن كل القيم جديدها وقديمها انهم خارج القيم ، يقفون موقف المتفرج الاعزل ، ينتظرون انهيار القديم من تلقاء نفسه ونشوء الجديد من تلقاء نفسه ايضا وبمعجزة ، اما هم فلا دخل لهم فى شئ واذا تساءلت عن مادة كتابتهم فهى الالفاظ ، ولا شئ غير ذلك ولا يبقى امام الباحث الذي يقرر حقائق الامور الا ان ينظر بعين العطف والتأييد لمن يهدمون

دون ان تكون عندهم الجرأة على البناء ، فهؤلاء وان كانوا يخبطون خبط عشواء فانهم قد يصيبون موطن الداء ولو عن طريق الصدفة

" والاستهتار " لا يقتصر على الموقف العام من الحياة والمجتمع ، انه يتجلى فى الجرأة على الادب والقراء واللغة ، بل حتى على الحجارة والحبر والورق انهم يصفعون كل قاعدة ويبصقون على كل قيمة ويهزؤون بكل احترام للذات للاخرين . . . . فقد كتب احدهم " للحب طريقين " دون ان يرى فيها سبة لنفسه وللغته ، و " لطش" احدهم قصة ستيفان زفايغ " رسالة من امرأة مجهولة " . . لطشها بكل تواضع - وحسن نية . . . ونشر احدهم ديوان حاء فيه :

خذها ، تحس ب " كبت جنسى " فى عمقها ورغابها . .

وتفضل شاعر آخر فنشر ديوانا ، خلط فيه بين الموزون وغير الموزون ، وقال كلاما يعاتب فيه حبيبه ، منه :

اتراه نسى

حبنا . . وقسا

وأنا هاهنا . . . فى انتظار ومرت مرارا ليالي جفاه . .

واسمرى الحلو . . لايبسم ومات ابتهال . . والف صلاه

ولم يبسم لى . . الا يرحم ؟

وفي هذا الديوان صفحات كاملة ملاها الشاعر بالنقاط دون ان يضع تحت النقط حروفا ، فحاءت من ابلغ ما كتب ونامل ان تكون دواوينه القادمة صفحات من النقط فقط .

واذا تركنا مجموعات " القصص " ودواوين " الشعر " واستعرضنا مواقف الكتاب من انتاج بعضهم وبعض لها لنا ما نجد من تطرف وادعاء عريض . فأما ان ينظر كل الى نتاج الاخر نظرة تقديس واجلال ، واما ان يقذفه بتهمات شتى اقلها انه يترجم انتاجه عن لغة اخرى ، او انه يستعين فى انتاجه بمساعدة غيره . . وهكذا يسمح كل كاتب لنفسه ان يلغي شخصية غيره بثقة وبساطة وهدوء . . فالكلام عندهم رخيص ، والمناقشة ممنوعة وهؤلاء الذين يثورون إذا مسهم النقد بما لا يرضون ، يخرسون تمام الخرس تجاه كل الظواها الرجعية التى تهدد حياتنا الاجتماعية وحريتنا الاجتماعية . . فقد تسلط

الجامدون ورجال القرون الوسطى على وسائل النشر ، واخذوا يمارسون " التبشير " من جديد وهم يهاجمون الاختلاط بين الجنسين ويدعون الى الحجاب وينادون باغلاق السينما ويزعمون ان كبت العواطف فضيلة وان حيازة الرجل لحريم فيه الكثير من لنساء ، هو فضيلة ايضا

كل هذا يجرى دون ان يتحرك قلم او يثور ضمير لاى من الكتاب الشبان او الشيوخ كان الامر لا يعنيهم من قريب او بعيد . . وما لهذا الموقف الصامت من تعليل سوى انقطاع الروابط بين الاديب والمجتمع من جهة وبين الاديب والثقافة من جهة اخرى ، فالكاتب لا يهمه الا وضعه الشخصى كل لحظة بلحظتها فهو قد فقد التفكير حتى فيما يتعلق بمصيره الشخصى . انه محدود ضمن برهة ضيقة ، هي رواج كتابه فى الاسبوع الذي وزع فيه فقط . . ومن بعد ذلك الطوفان على الادب والقيم والادباء والتراث

ومن هنا نلاحظ فقدان حرمة المؤسسات الثقافية فى نفوس الادباء فلا يتورع حدهم عن شتم مجلة لانها تنشر مقاله مثلا ، او يشهر بفلان من الناس لانه خالفه برأى .

كل هذا الاستخفاف يدل على تجوف ضمير الاديب وعدم ايمانه بغير مصلحته الموقتة . فى حين ان باب الادب ضيق وان الادب يعمل فى سبيل تنقية الضمير وزيادة حساسيته والاديب يبحث فى اعماق القلب عن القيم الثابته فى ضمير الانسان ، من خلال حياته الزائلة العابرة وما المؤسسات الثقافية الا معابد للروح ، علينا ان نصونها من كل عبث لئلا يفقد الانسان العادى ثقته بالقيم التى تنشرها هذه المؤسسات ، اما اذا اوهمنا القارىء ان الادباء مزيفون وان الناشرين لصوص ، فنكون قد اجبرناه على قطع صلته بالثقافة ، ومن ثم بالتطور والحضارة . ومن المؤسف ان هذه هي السبيل التى تسير عليها الامور الثقافية عندنا : اقترح غث يستخف بذوق القارىء وفهمه ، واستهتار من اكثر الشبان والشيوخ بكل الواجبات الادبية التى تمليها الثقافة والوعى . واخيرا لا مبالاة شاملة بكل ما يتجاوز حدود اللحظة العابرة . . وهذه كلها عناصر تسميم تؤدى إلى شلل القوى العقلية والروحية لجيل بأكمله . . اننى فى هذه الكلمة لم اسم أحدا رأسه لان هدف ان أسجل هذا التدهور كظاهرة عامة اشترك فى وضعها اشخاص غير واعين لما يفعلون . . .

ما هو طريق الخلاص ؟ ان الهاوية تنتظر ، ويجب ان يوجد اشخاص يستمدون من ايمانهم وثقافتهم وقيمهم صلابة وصبرا لا نهاية لهما .

اشترك في نشرتنا البريدية