توطئة :
ليس من السهل على الحاكم تغيير الأوضاع الاجتماعية وتطويرها وتعصيرها بسرعة فجيبة مثلما حدث فى بلادنا بعيد استقلالها عندما صدرت " مجبة الأحوال الشخصية " يوم 13 أوت 1956 سيما إذا كانت القيادة السياسية تعالج أوضاعا متصلة بالمعتقد الديني متوارثة عبر العصور المتعاقبة والأجيال المتلاحقة متأصلة في الجماهير الشعبية التى تستمد منها القيادة قوتها فتتمالك عن إزعاج حساسيتها الدينية .
وما من شك في أن صدور قوانين الأحوال الشخصية ببلادنا فى أواخر سنة 1956 يعتبر من أهم المكاسب الاجتماعية التى حققها لشعبه الزعيم الحبيب بورقيبة بعد أن خلص البلاد من الكابوس الاستعمارى فنقلها الى طور حضاري جديد ساهم وما يزال يساهم فى بناء صرحه أهل البلاد بهاى قائدهم فيتعاونون رجالا ونساء على إرساء قواعد مجتمع جديد متصل بماضيه متأصل فيه ومتجاوب مع مقتضيات العصر الحاضر مواكب حركية الحياة
ولما قادني البحث عن مكونات ( La genese) المشروع الاصلاحى الاجتماعى الذى شغل بال المشرع التونسى الحبيب بورقيبة فأصدره قوانين للناس في مجلة الأحوال الشخصية سنة 1956 فتبينت قرابة وشبها بينها وبين الآراء الاصلاحية الجريئة التى جهر بها الطاهر الحداد سنة 1930 فى كتابه " امرأتنا فى الشريعة والمجتمع " ( 1 ) فأثار بها الضجة الكبرى وددت أن أعرض
المراحل الثلاث الكبرى لما اعتبره خلفية تاريخية أساسية لمجلة الأحوال الشخصية فأسلط بها أضواء جديدة على ذلك الانجاز الاصلاحى فى الجمهورية التونسية الحديثة وعلى تكون تفكير صاحبه المعترف بتأثره بالطاهر الحداد فى احدى محاضراته على منبر المعهد القومى للصحافة وعلوم الاخبار ( 1 ) وأنير بعض الجوانب من تاريخ حركة الحزب الحر الدستورى .
ويرجعنا البحث عن الخلفية التاريخية لمجلة الأحوال الشخصية الى بداية انشغال الحبيب بورقيبة بموضوع ترقية المرأة ومقامه فى مخططه النضالى المرحلى منذ سنة 1929 بعد عودته من الدراسة العليا بفرنسا ونزوله ميدان الكفاح الوطنى . وتلك هي المرحلة الأولى الكبرى تليها مرحلة ثانية سنة 1934 وثالثة فى سنة 1956 وهي عندى أهم مكونات ( Gense) إنجازه الاصلاحى الاجتماعى الذى أصدره بمجلة الأحوال الشخصية قوانين تنظم الزوجية وحياة الأسرة التونسية الجديدة
ومن عجيب الصدف أن يثبت البحث جهر الطاهر الحداد فى سنة 1928 بعديد من آرائه الاصلاحية المتعلقة بالأحوال الشخصية . فقد نشر فى تلك السنة فصولا طويلة فى جريدة " الصواب " ولكنها لم تثر آنذاك أى ضحة ثم أدمجها سنة 1930 في كتابه " امرأتنا فى الشريعة والمجتمع " مثل مقاله " الزواج بلا استعداد " ( 2 ) وقد أدمج فى كتابه أيضا الفصل " صور من حياتنا فى المنزل " ( 3 ) . ونشرت له الصواب مقالا طويلا آخر بعنوان : " كيف نثقف الفتاة لتكون زوجا فأما " ( 4 ) فى خمس حلقات متتالية صيرها المؤلف
فيما بعد بابا طويلا استغرق عدة صفحات فى القسم الاجتماعى من كتابه أمراتنا في الشريعة والمجتمع " ( 1 ) وله ايضا فى " الصواب " مقال بعنوان : " عاداتنا عوائق فى طريق الزواج " ( 2 ) وآخر بعنوان : " ضحايا الشهوة فى الزواج " ( 3 ) وقد أدمجا في كتابه مما يدل على أن مؤلفه شرع فى تحرير أبواب هامة منه قبل صدوره بسنتين
وبعد هذا فلنتبين موقف الحبيب بورقية فى قضية ترقية المرأة في نفس تلك الظروف وكيف يعلله ؟ .
حدال حول الحجاب بين الحبيب بورقيبة ومحمد نعمان فى سنة 1929 :
وضعت سنة 1928 في ضوضاء الجدال بين أنصار المرأة وخصومهم ، وحلت سنة 1929 فدخلت معركة الحجاب في طور جديد اصطبغ بالسياسة : ذلك ان امرأة تونسية مثقفة تدعي حبيبة المنشارى اعتلت سافرة منبر جمعية الترقى بالعاصمة عشية يوم 9 جانفى من تلك السنة فألقت مسامرة ( ' Essor ) فى جمع غفير من الرجال ومن الأوانس والعقائل التونسيات (4) ، وقد بسطت فيها حالة المرأة التونسية المنحطة ودافعت عن بنات جنسها ونددت بالحجاب
وحثت التونسيين على منح المرأة المسلمة حقوقها ونبذ العوائد البالية الصادة عن التقدم . ولثاني مرة فى تونس جرؤت امرأة مسلمة على الوقوف أمام الجمهور ومخاطبته سافرة ، مما أحدث رجة فى القاعة فصفق لها المعجبون وعبس المستنكرون . وكان الجمهور خليطا من الفرنسيين ، وقد اعتلى عديد منهم المنصة ، وتكلموا اما للترحيب بالمحاضرة السيدة حبيبة المنشارى وابداء
الاعجاب بآرائها ( 1 ) ومهاجمة الآباء الجامدين المتزمتين كما عبر عن ذلك المحامى محمد نعمان والمسيو " لافيت " رئيس تحرير جريدة " البتى ماتان " والمسيو " دوريل " رئيس الجامعة الفرنسية للعملة بتونس والأستاذ فى معهد كارنو أو للتنديد بالسفور كما فى كلمتى الطالب فى الحقوق والفلسفة " المحجوب " والمحامى الشاب الحبيب بورقيبة ، أو للوقوف موقفا معتدلا وسطا من قضية الحجاب كما فعل المحامى مصطفى الكعاك والشاذلى بن مصطفى اللذان اشترطا تربية البنات وتعليمهن قبل السماح لهن بالخروج سافرات فى الشارع وهذا فى رأيهما أمر لا يتم الا بعد جيل أو جيلين (2) .
ويهمنا فى هذا المقام مزيد معرفة موقفى المحامى الاشتراكى محمد نعمان والمحامى الشاب الحبيب بورقيبة الناطق يومئذ بلسان الشباب اليقظ فى الحزب الدستورى القديم ، لما يدلان على مدى تضارب وجهتى نظر فئتين من التونسيين تنتمى إحداهما الى الحزب الاشتراكى والأخرى الى الحزب الدستورى فى قضية السفور
وفى الامكان تصور ما جرى مساء يوم 9 جانفى 1929 فى قاعة " الترقى " بالرجوع الى مقالين أحدهما لمحمد نعمان بعنوان " أمسية فى الترقى"
وقد نشر بجريدة " تونس الاشتراكية " بتاريخ ( One soiree a I' 10 جانفى 1929 ، والآخر للحبيب بورقيبة بعنوان " الحجاب " ظهر فى جريدة اللواء التونسي " ( I' Eendard Tunisien ) يوم 11 جانفى من نفس العام ففى تلك الأمسية أخذ الكلمة بعد محاضرة السيدة المنشارى الشاب المحامى الحبيب بورقية بدافع وطنى ولون النقاش بلون سياسى وصاح فى الجمع
لا تنسوا أن الحجاب دخل منذ قرون فى تقاليدنا وأصبح جزءا لا يتجزأ من ذاتيتنا ومظهرا يميزها عن ذاتيات أخرى ، فكل ضربة تسدد اليه تغير أخلاقنا وتتسب في تذبذب شخصيتنا . فهل من المصلحة إذن فى الظرف الحالى من حياة تونس التعجيل بإزالة تقاليدنا سواء كانت حسنة أو سيئه وكل الأشياء التى تبدو تافهة ولكن مجموعها يؤلف ذاتيتنا بدون مراعاة المراحل الانتقالية الضرورية ؟ انى أجيب طبعا بالنفى نظرا للوضع السياسى فى البلاد حيث انتصبت الحماية وأخذت تتوسع وتمتد جذورها وتحاول محو الذاتية التونسية وإدماجها فى الذاتية الفرنسية بعد تجريدها من كل دعامة من دعائمها ان هذا الظرف يفرض على التونسيين التشبث بكل مظاهر ذاتيتهم ولو كان ذلك في اللباس . وليست المحافظة على الكيان موقوفة طبعا على رفض التقدم والظهور في مظهر الانسان البدائى ، إذ لا بد من التطور والا كان المآل الاندثار
وسيحدث التطور ولكن بدون كسر ولا قطيعة بطريقة تحفظ فى دوام متجدد وحدة ذاتنا التاريخية التى تستطيع ضمائرنا ادراكها فى كل حين . . بيد ان الوقت لم يحن بعد لرفع الحجاب . فحين تنقذ الشخصية التونسية حينذاك تحين ساعة تطويرها التطوير اللازم واصلاح فسادها ، ويكون من اليسير تمزيق الحجاب " ( 1) .
وأحدثت كلمات الشاب الحبيب بورقيبة التنبئية رجة فى صفوف الحاضرين فى قاعة " الترقى " فهتف له شباب حرك فيهم شعورا وطنيا دفينا ، وارتفعت اصوات مستنكرة كلماته من حناجر بعض الاشتراكيين والمستعمرين الذين صدموا بدفاعه عن الذاتية التونسية التى توهموا انها قبرت بلا رجعة واذا بها تبرز من جديد لتفرض نفسها فى شموخ واباء .
وأسندت الكلمة الى محمد نعمان فأطنب فى شكر السيدة المنشارى على شجاعتها و " تحامل على دين آبائه يريد قتله بسخريته " على حد قول مجادله الحبيب بورقيبة ، وخلط بين الروحية والزمنية فى حديثه عن الاسلام
وتكلم " دوريل " ( Durel) رئيس جامعة العملة الفرنسية بتونس وادعى أن الذاتية التونسية غير موجودة ، وتجاهل الوحدة الترابية والعقائديه واللغوية واشتراك الشعب التونسى فى التقاليد وماضى تاريخ أفراحه وأتراحه ، فهاجمه المحامى الشاب الحبيب بورقيبة بأشد ما تكون اللهجة وأمر ما تكون السخرية ، وكذلك رد على المسيو " لافيت" (Lafitte) فى مقاله " الحجاب " وقال في خاتمته ان ليلة الحجاب انتهت بفشل دعاة السفور ومدبرى محو الذاتية التونسية . وهل أدل على ذلك - حسب قوله - من امتناع السيدات المسلمات اللائي حضرن فى تلك الليلة عن القاء خمرهن فى سلة القاذورات ، فكان موقفهن أحسن برهان على وجود الشخصية التونسية التى دافع عنها . وأعاد الكرة على المسيو " دوريل " قائلا ان هذا الاخفاق لم يمنعه من التغنى بالظفر والتهيؤ " لمعركة الشاشية " وتساءل فى تهكم :"متى يحين سقوط الحجاب الثالث" ؟ باعتبار ان الآنسة منوبية الورتانى هى المرأة التونسية الأولى التى مزقت الحجاب وانتصبت خطيبة فى جمع من الرجال وان السيدة حبيبة المنشارى هى الثانية .
ويبدو من موقف الشاب الحبيب بورقيبة تجاه قضية تحرير المرأة ورفع الحجاب فى كلمته التى ألقاها بعد محاضرة حبيبة المنشارى وفي مقاله الصادر من الغد بجريدة " اللواء التونسى " أنه كان متخوفا فى تلك الفترة الحالكة من تاريخ بلادنا من خطر المحاولة الاستعمارية الرامية الى فرنسة الشعب ومحو ذاته بابعاده عن كل دعامة من دعائمها كاللغة والتقاليد والدين وادماج ذاته فى الشخصية الفرنسية . ولذلك رأى أن لتحرير المرأة التونسية وقتا لم يحن آنذاك لان الحجاب يومئذ كان " جزءا من الشخصية التونسية " وسلاحا ينقذ الشعب من مؤامرة الادماج والابتلاع والاذابة في بوتقة الدولة المستعبدة فلم يتردد في الدفاع عنه خاصة في ظروف أمسية يوم 9 جانفى 1929 بجمعية " الترقى" وقد توقع مصير الحجاب بعد الاستقلال .
ويحسن - لمزيد فهم موقف الشاب الحبيب بورقيبة من قضية تحرير المرأة فى تلك الآونة واستجلاء الأسباب التى دفعته الى الرد على السيدة المنشارى والمحامى محمد نعمان و " دوريل " و لافيت - أن نتركه يقص علينا فى
خطاب يوم 15 ديسمبر 1961 ذكريات أمسية 9 جانفى 1929 بقاعة " الترقى بعد ان اصبح المسؤول الأول عن الدولة التونسية الحرة :
شهد هذا الاجتماع كثير من رجال الدستور القديم أنصار الرجعية ، وشنوا هجوما على المحاضرة ، واقتصروا فى الردود على ما جاء فى القران من آيات الحجاب وتفسير الجلباب ومدلوله
. . ورأيت ان الموقف سيؤول الى فضيحة واننا نسيئ الى أنفسنا من حيث نريد الدفاع عن وجهة نظرنا ، ونتعرض الى سخرية الآخرين ، لذلك أخذت الكلمة . . .
اننى دافعت عن الحجاب دفاعا لم يرض الدستوريين القدامى لانه يرتكز على وجوب إزالة الحجاب يوما ما ، اذ من العار دوام الحجاب حائلا بين وجوه أصحابه وبين النور والحياة ، ولكن الحجاب آنذاك كان جزءا من شخصيتنا ومظهرا من ذاتنا ولونا من مميزاتنا التى يستقل بها كياننا الاسلامى بعوائده وعقائده عن غيره من الكيانات الأجنبية ، وان فى الحفاظ على هذه المظاهر - وان كانت مهلهلة - حفاظا على أمتنا ، ولن ننتهى عن ذلك الا اذا اصبحت الدولة فى أيدينا وصار فى مقدورنا اصلاح كياننا المستقبل من غير أن نخشى عليه التشتت والضياع ، وذلك هو السبيل الوحيد لنكون فى منأى عن الاندماج والابتلاع والذوبان فى بوتقة غيرنا أو فى جنس غير جنسنا . ومتى سلم الكيان أمكن اصلاح فاسده وتقويم معوجه وتنقية الشوائب وتطويره الى ما هو أرقى وأسمى
كنت أهتم بالغ الاهتمام منذ ذلك التاريخ بمشكلة الشلل الذي أصاب نصف أمتنا تحت ضغط عوائد قديمة والانحطاط فى تفكير الرجل ، وكل ذلك تسبب عن خطا الفهم لصريح الآيات القرآنية وقواعد الدين الاسلامى ، ورأيت ان لا سبيل الى اثارة هذه الآراء الجريئة والمفاهيم الصحيحة والدخول فى تقاش حاد الا اذا قبضنا على زمام الحكم وأصبح فى إمكاننا تسيير الأمور وتنظيف المجتمع " (1) .
واحتدمت حول تصريحات الزعيم الشاب الحبيب بورقيبة فى اجتماع قاعة " الترقى " مساء 9 جانفى 1929 معركة جدلية دامت مدة بينه وبين المحامى محمد نعمان . فقد كتب هذا الأخير مقالا بجريدة " تونس الاشتراكية" الصادرة يوم 10 جانفى 1929 قال فيه بعد الرد على يوسف محجوب الطالب فى الحقوق والفلسفة الذي عارض حبيبة المنشارى :
" لكن المسألة جدية أكثر مما سبق مع الأستاذ الحبيب بورقيبة ، فانه لما ايقن ان ميدان الدين زلوق ، ثم رأى ان محجوبا المسكين رغم تشبعه بالفلسفة عثر فيه أكثر من طاقته ، ركز نظريته فى المحافظة على الحجاب على الوطنية ان الخطيب الشاب الظريف لا تنقصه معرفة بعلم النفس ، ففي ميدان الوطنية يمكنه اكتساب عديد من الأنصار والأتباع لان الوطنية رغبة العصر . . . فقد صفق له من أقصى القاعة شبان ألهاهم عن دروسهم بعض المختبلين ولقنوهم أفكارا خاطئة . . . " ( 1) .
ومن الغد صدر بجريدة " اللواء التونسي " رد للحبيب بورقيبة على تهجمات محمد نعمان جاء فيه :
" التطور لا بد منه والا كان المآل الاندثار ، وسيحدث التطور ولكن بدون كسر ولا قطيعة بطريقة تحفظ فى دوام متجدد وحدة ذاتنا التاريخية . .
وسيختفى الحجاب من تلقائه وبدون أخطار يوم تنزع المرأة التونسية عنها ذاك الشعور الغامض الدال على ثورة الموروثات اللاشعورية عندما تخرج سافرة ، لأن ما كان يرمز اليه الحجاب يكون قد زال ، غير أننا الآن لم نصل بعد الى ذاك الوقت . . . " (2).
واشتدت الخصومة فى الأيام الموالية لظهور المقالين السابقين ، وتعدى محمد نعمان حدود المساجلة الموضوعية اللطيفة الى الطعن فى حياة بورقيبة
الشخصية ، فى مقال تهحمى بعنوان : " الطائشون " Les Ecerveles نشره بجريدة " تونس الاشتراكية " ورد عليه الحبيب بورقيبة فى مقال نشره فى نفس الجريدة بناء على " حق الرد " . ( 2 )
ثم هدأت الخصومة بعد مدة ، وتصالح محمد نعمان والزعيم الشاب وتآلفا ، وقد المحامى الاشتراكى خدمات للحبيب بورقيبة عندما دخل المعركة التحريرية ودافع عنه في قضية التآمر ضد فرنسا عندما كان فى الأسر فيما بين سنتى 1938 و 1940 وكان اداة وصل بينه وبين المناضلين خارج السجن
تجلى مما تقدم أن الزعيم الشاب الحبيب بورقيبة وضع تحرير المرأة فى الدرجة الثانية بعد إنقاذ الذاتية التونسية من خطر الفناء وذل التبعية ، واهتدى الى أن الدخول فى نقاش حاد حول وضعية المرأة التونسية والصدع بآراء اصلاحية جريئة فى تلك القضية وأضرابها يكون آنذاك سابقا لأوانه لا يرجى منه الخير لما قد يحدث من بلبلة فى العقول وانشقاق فى الصفوف
بذلك الرأى فى قضية الحجاب وترقية المرأة التونسية جهر الحبيب بورقيبة فى أواخر الثلاثينات قبل صدور كتاب " امرأتنا فى الشريعة والمجتمع" للطاهر الحداد بسنة وتسعة أشهر واحتدام الخصومة حول ذلك المؤلف ومشروعه الاصلاحى المعروض فى القسم الثانى التشريعى من الكتاب والمتعلق بالأحوال الشخصية .
وما قصدى فى هذا البحث بسط تفاصيل الخصومة وأسبابها العميقة وأبعادها السياسية والدينية والاجتماعية والأدبية ولاعرض محتوى ذلك المشروع الاصلاحى اذ قد حللت كل ذلك باطناب فى كتاب لى بعنوان " الطاهر الحداد والبيئة التونسية فى الثلث الأول من القرن العشرين " (3 ) بل ان غرضى هاهنا هو الكشف عن مخلفات الخصومة حول الحداد فى تاريخ الحزب
الحر الدستورى ( الجديد ) بداية من ظروف انبعاثه فى سنة 1934 وعن أبعادها السياسية والاجتماعية فى تلك الحركة .
ولئن اعترف الحبيب بورقيبة بتأثره بالطاهر الحداد فى الثلاثينات فلم تكن له مشاركة فى الخصومة التى أثارها كتابه " امرأتنا فى الشريعة والمجتمع فى سنة 1930 رغم دخول بعض رفاقه غمار تلك المعركة فى جريدة " صوت التونسى " ( 1 ) وربما أحجم عن الادلاء برأيه فى قضية الحداد وكتابه آنذاك تجنبا للتصادم مع جماعة اللجنة التنفيذية الذين استنكروا آراء الحداد وقاومه بعضهم أحيانا بأشد ما تكون المقاومة قبل أن يقرأ كتابه بل إنه تبرأ من قراءته (2 ) فكان لهم ضلع فى تلحيده وحرمانه من حقوقه المدنية كحق الانتصاب للاشهاد وطرده من قاعة الامتحان بمدرسة الحقوق
ورغم إحجام الحبيب بورقيبة عن المشاركة في تلك الخصومة سنة 1930 فقد كان لها مخلفات فى حركته الانفصالية سنة 1934 اذ استغل القدامى الطاهر الحداد كبش فداء مرة ثانية فى ظروف الخلاف بينهم وبين المنشقين عن اللجنة التنفيذية للحزب الدستورى (القديم ) كما أبينه فيما يلى :
انوار جديدة على ظروف تصدع اللجنة التنفيذية :
لما ظهرت في أوائل سنة 1934 بوادر الخلاف بين القدامى والجدد المنشقين عنهم فى الحزب التجأ أقطاب اللجنة التنفيذية وخاصة محيى الدين القليبى فى ركن " النجوى " بجريدة " الارادة " الى استغلال الشعور الديني الجماهيرى بنية الاطاحة بجماعة " العمل التونسى " وتشويه سمعتهم بين الناس وتضليل الرأى العام التونسى وتأليبه على مخالفيهم فاسترجعوا ذكرى الضجة الكبرى التى أثارها كتاب الطاهر الحداد في سنة 1930 واتخذوا مؤلفه كبش فداء مرة أخرى لتحقيق غرضهم . وآنذاك لم يمر طويل وقت على الضجة التى أثيرت باسم الدين ضد نصير المرأة التونسية لأنه جرؤ من قبل مع ثلة من رفاقه
فى النضال علي الانسحاب من صفوف اللجنة التنفيذية - و كان مكلفا بالدعاية لها بعد ان تنكرت لحركة محمد على وانصاعت لمكيدة المقيم العام " لوسيان سان" و"دوريل" الكاتب العام لاتحاد النقابات الفرنسيه (C G T) والحيوية الائتلافية للأحزاب ( Le cartel). وما كان محمد على فى الحقيقة يحظى بعطف جماعة اللجنة التنفيذية للحزب الدستورى ( القديم ) لانه سلك سياسية الاتصال بالجماهير الشعبية وكان - حسب شهادة صديقة الطاهر الحداد فى كتابه "العمال التونسيون وظهور الحركة النقابية " الصادر لاول مره سنة 1927 ينتقد القدامي في تخاذلهم عن العمل الحزبى الجرئ وامتناعهم عن الاحتكاك بالجماهير الشعبية (1) اذ انقلبت لجنتهم التنفيذية مجمعا صالونيا يتبارى فيه أرستقراطيون يميزون بين الخاصة والعامة (2) ولا يتعاطفون كل التعاطف مع الآفاقيين في مجالسهم الضيقة ويجهر بعضهم بمبادئ سياسية متطرفة مستوحاة من نظام الجمعيات السرية مثل جمعية إخوان الصفاء العاملين من وراء ستار ( 3 ) فكانوا يقولون بالظاهر والباطن والكتمان والدعوة الى
النفاق ( 1 ) كما يبينه ركن " النجوى " فى جريدة " الارادة " بتاريخ 21 فيفرى 1934 حيث رد كاتب ذلك الركن على المنشقين وبخاصة على البحرى قيقة كاشف تورط أحمد الصافى وجماعته فى المقابلة التى أجروها مع المقيم العام لفرنسا بتونس
ولما ظهر الخلاف بين الطرفين حاولت اللجنة التنفيذية اثارة الضجة الكبرى حول الحداد من جديد في ركن "النجوى" بجريدة " الارادة " طيلة ستة أشهر من فيفري الى جويلية (2) فربطوا اسم الطاهر الحداد وقضية كتابه " امرأتنا فى الشريعة والمجتمع " بالمنشقين وسلوكهم السياسي تصفية لحساب قديم بين
جماعة اللجنة التنفيذية وذلك المفكر المصلح لانسحابه من صفوفهم من قبل واتهموهم جميعا بالالحاد كما فعلوا بالطاهر الحداد فى سنة 1930 ليستمموا الجو السياسى عليهم ويفصلوهم عن الامة مما جعل جريدة " الصواب " المناصرة لها تكتب عن جماعة " الارادة " : " من لم يخضع لحضرات القديسيين المرابطين بالنادى الاكبر يرمى بالكفر والالحاد ويعطى وسام الخيانة والمروق من الجامعة الملية " (1)
ولا يفوت الباحث المنقب أن يدرك أهمية الخصومة حول الطاهر الحداد فى تاريخ الحركة التطورية الاصلاحية فى تونس بداية من الثلاثينات اذ يندرج كتابه وعديد من القصائد والمقالات والكتب النقدية سواء المناصرة أو المناهضة لمشروعه الاصلاحى ( 1 ) الذي صير المشرع التونسى الحبيب بورقيبة جل عناصره قوانين بعد ربع قرن بمجلة الاحوال الشخصية الصادرة يوم 13 أوت 1956(2 ) فى الصراع بين نصراء القديم ودعاة التجديد فى التفكير الدينى والسياسى والاجتماعى والادبى . ( 3)
وتكاد تلك الكتابات في معظمها تتصف بكونها مهاترات ومساجلات كلامية حجاجية . ويقينى أن قضية الطاهر الحداد في الثلاثينات وبداية الاربعينات هى بحق قضية جيل كامل من الشباب التونسى المناصر للجديد المتحفز للنهضة التواق الى التخلص من رواسب قرون الانحدار الحضاري . غير أن ذلك الجيل البطولى كان يواجه مناهضة عنيفة صادرة عن المحافظين على القديم وعلى امتيازاتهم فى جميع ميادين الحياة والفكر حتى الستينات كما يبينه استئناف الخصومة حول الطاهر الحداد ومؤيده القانونى بيقين الشعور أو بصفة عفوية المشرع التونسى الحبيب بورقيبة فى سنة 1956 .
ضجة سنة 1956 :
نعم لما استقلت البلاد وأنقذت الذاتية التونسية من خطر الابتلاع والادماج بادر الرئيس الحبيب بورقيبة فى الثالث عشر من أوت 1956 بأصدار مجلة
الاحوال الشخصية وهي قوانين عصرية ذات دعائم دينية اسلامية تضمن حقوق المرأة وواجباتها ويتناسب جلها كما بينته بالدليل والمقارنة فى مقام آخر ( 1) مع المشروع الاصلاحى الذى عرضه الطاهر الحداد سنة 1930 في كتابه " امرأتنا فى الشريعة والمجتمع " فتحقق حلمه بعد ربع قرن وجرى العمل بمقتضى قوانين مجلة الاحوال الشخصية بداية من فاتح جانفى 1957
ويجد الباحث في جريدة " الاستقلال " الناطقة بلسان اللجنة التنفيذية للحزب الدستورى ( القديم ) سنة 1956 بعيد الاستقلال والاعلان بصفة قانونية فى مجلة الاحوال الشخصية عن حقوق المرأة التونسية التى فرضت وجودها ايام الكفاح الوطنى حملة شبيهة بالتى نظمت فى الصحف التونسية ضد الطاهر الحداد من سنة 1930 الى سنة 1933 ثم ضد المنشقين عن اللجنة التنفيذية فى سنة 1934 .
وكانت الحملة العنيفة فى المرة الثالثة سنة 1956 موجهة ضد المشرع التونسى الحسب بورقية وحزبه ولكنها باءت بالفشل لان من نظمت ضده عرف كيف ينازل خصومه فى الميدانين الديني والسياسى وكانت بيده السلطة الرادعة وقد كشف عن نفاق العديد منهم الذين تظاهروا بالتقوى والدفاع عن الشريعة خدمة لاغراض سياسية وذودا عن مصالح شخصية كما فعلوا تماما فى سنة 1930 مع الطاهر الحداد بعيد تورط فئة من أتباعهم فى المؤتمر الكنائسى الصليبي الافخارستى ( 2) ثم مع المنشقين الجدد فى ظروف تصدع الحزب الدستورى القديم سنة 1934 عندما ضاعت عنهم القيادة السياسية .
وعناوين المقالات التى كتبت فى جريدة " الاستقلال " سواء أكانت ممضاة بأسماء حقيقية أم بأسماء مستعارة أم غير ممضاة معبرة عن مضمونها وأهداف أصحابها . وهي - جلها - هادفة الى تلحيد معلن حقوق المرأة بصفة قانونية وهاك بعض عناوين جريدة " الاستقلال " تعرب لك عن الحملة المغرضة التى أريد بها تسميم الجو السياسى على محرر المرأة التونسية الحبيب بورقيبة كما حدث تماما للطاهر الحداد قبل ذلك التاريخ بربع قرن اعرابا لا يترك في نفسك
مجالا للريب : " حول المجلة الشرعية " (1 ) و " الواقع في اصلاح القضاء الشرعى " (2) و " رد هادىء على وزير العدل " ( 3 ) و " اجتهاد وفلسفة " (4) واتقوا الله فى دينكم يا قوم " ) 5 ( و " قصة سياسية مهداة الى دعاة تحرير المرأة " ( 6 ) و " حكمة الاسلام فى اباحة تعدد الزوجات " ( 7 ) و " جواب عن الاستفتاء من مشيخة الاسلام المالكية ومن بقية أعضاء المحكمتين الشرعيتين " (8) و " الاسلام فى واد والمجلة فى آخر "(9) و " ليس هذا بجديد " ( 10) وفى هذا المقال الاخير يقول صاحبه المستتر مشيرا الى قادة الحزب الحر الدستورى ( الجديد ) ومذكرا بقضية الطاهر الحداد :
" ان الذين يدعوننا للتجديد ولو أدى ذلك للاعراض عن آيات الكتاب الحكيم هم يدعوننا للكفر والالحاد . ولا يهمنا ان كانت دعوتهم هاته عن حسن نية أم عكسها وانما المهم لديننا نتيجة هاته الدعوة ، فهم كلما سنحت لهم فرصة أو رأوا بارقة فيها شئ مما تضمنه كتاب الالحاد أقاموا الحفلات . . . " .
خاتمة :
وما قصدت ربط الماضى بالحاضر فى هذا المقام الا لان الماضى بدا لى أشبه بالحاضر من الماء بالماء على حد قول ابن خلدون فى " مقدمته " . وتدل الحلقات الثلاث التى اعتبرتها خلفية تاريخية لمجلة الاحوال الشخصية على تضامن الاجيال البطولية فى بناء صرح الحضارة التونسية وخدمة نهضة البلاد . وان الباحث ليستطيع من خلالها أن يتبين القرابة الفكرية بين الطاهر الحداد ونصراء التجديد فى النضال السياسى والاجتماعى والدينى والادبى أمثال محمد على الحامي وأبي القاسم الشابى والحبيب بورقيبة كما يمكنه ادراك مدى الاختلاف والتنافر بين آرائهم ومشاريعهم الاصلاحية الجريئة وآراء المقلدين وموروثاتهم وهؤلاء هم الذين سماهم أبو القاسم الشابى فى " رسائله " ( 1 ) وفي " الخيال الشعرى عند العرب " ( 2 ) " أحلاس الجمود " و " عباد الموت " و " أمساخ القديم " و " أصحاب الضغط والحجر" . . . يلبسون لبوس الوطنية ويتعممون الدين " و " يؤثرون الحياة فى أكناف الدهور الغابرة " وناهيك بالشابى - وهو من الجبل البطولى - شاعرا تغنى " بارادة الحياة " فى شعبه يوم 16 سبتمبر 1933 بمثل هذا البيت (3) :
" إذا طمحت للحياة النفوس فلا بد أن يستجيب القدر " وكان يوم 2 جوان 1925 في ظروف نكبة محمد على الحامي العين الكشافة لشعبه عندما أنشده فى قصيده " تونس الجميلة " ( 4) :
" ان ذا عصر ظلمة غيرأني من وراء الظلام شمت صباحه " ضيع الدهر مجد شعبى ولكن سترد الحياة يوما وشاحه ، ولبس من شك في أن احتكاك الآراء الجديدة الجريئة بالآراء القديمة المجترة يتم بصفة جدلية فى فترات التحول فى تاريخ الشعوب وتلك هى سنة الله فى خلقه يجعلها سبا ونتيجة لتطور الانسان فى مجتمعه .
