الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 2الرجوع إلى "الفكر"

اضواء من نافذة التاريخ، على نضال الجزائر

Share

ان تاريخ الجزائر العربية المسلمة ملىء بالاحداث الجسام . . والخطوب الشداد التى ارتبطت بحياة الشعب الجزائرى البطل قرونا واجيالا : صور من البطولة الرائعة . . ومغامرات تاريخية من النضال المتواصل فى ميادين الاستشهاد وساحات الشرف . لكأن شعب الجزائر العربى المسلم لم يخلق الا للكفاح والجهاد . . ولكأن ارض الجزائر العربية لم توجد الا لتحتدم على اديمها معارك الكرامة . . وثورات الفداء . . وانتفاضات الحرية والاستقلال

ومرد هذا اساسا في نظري يرجع الى عاملين اثنين وظاهرتين اساسيتين : اولاهما صعوبة طبيعة البلاد الجيولوجية التى استعصت على كل الغزاه الذين حاولوا احتلالها بما توفر فيها من جبال شاهقة حصينة . . وغابات كثيرة كثيفة . وشعاب وتلول فسيحة منيعة مع اتساع مساحة البلاد التى تبلغ مليونين وربع المليون من الكيلومترات المربعة انتشر فيها جميعها السكان بشكل حال دون مطامع الغزاة الاستعماريين .

والظاهرة الثانية . والاهم صلابة السكان واستماتتهم في الدفاع والمقاومة التى اصبحت جزءا من دمائهم فطروا عليها ودربوا حتى صارت عادة تتبع لديهم جيلا بعد جيل وكان لها اثرها الفعال فى النضال الجزائرى حتى يومنا هذا . . على ان سمات الجزائرى نفسها وطباعه واعصابه كلها تنبض بالروح الثورية النضالية وتتقد بالحماس الوطني حتى لكانه صنع من عجين الثورة . . وقد من وقود الديناميت . ولهذا ليس عجيبا ان نراه اليوم يهز العالم هزا ويرجه باعماله الثورية وحريه التحريرية . . ويهدم كيان فرنسا واقتصادها . . ويدمر اهدافها العسكرية ، فتاريخ الجزائر العربية المسلمة تاريخ مجد وحضارة سطره يراع النضال بدماء شهداء الشعب .

لقد عاش شعب الجزائر يجاهد حكم فينيقية . . وسيطرة قرطاجنة . . واستعمار روما اللاتينية . . وغارات الوندال والاسبان . . وغزوات الروم البيزنطيين . . وعاش يقاوم كل من تسول له نفسه الاعتداء على سيادة بلاده وكرامة وطنه . وهكذا دواليك الى ان جاء الفتح العربى عام ٥٠ ه . فرحب به وبالدين الاسلامى الجديد الوافد الذى اصبح له من ذلك اليوم دينا وعقيدة وقومية ويعتز به لانه حرره من ظلمات الوثنية . . واخرجه من دياجير الجهل والضلالة الى عالم النور والاشراق فى ظل عقيدة التوحيد

وهكذا استطاع شعب الجزائر بعد كل هذا ان ينشئ له دولة جزائرية حرة مستقلة هى : " الدولة الرستمية " اسسها القاضى عبد الرحمن بن رستم عام ١٦٩ ه ودامت ١٣٥ عاما تحت حكم ستة من الايمة .

ثم ساهم شعب الجزائر في تاسيس " الدولة الفاطمية " التى وحدت المغرب كله تحت راية واحدة ، وحدث عند انتقالها الى القاهرة ان تكونت دولة جزائرية مستقلة عنها هى : " دولة بني حماد " عام ٣٩٨ ه . انشات لها عاصمة جديدة اسمتها " القلعة " لا تزال آثارها الى الان . وعاشت هذه الدولة تحت حكم تسعة من الملوك في ظل حضارة علمية وازدهار اقتصادى ١٧١ عاما واستطاعت الاتصال بدول اوروبا والتعامل معها سياسيا وتجاريا . ولعب اسطولها الضخم دورا هاما في التجارة البحرية العالمية آنداك .

وفي اواخر عهدها ساهم شعب الجزائر في انشاء " الدولة الموحدية " حتى اذ اقل نجمها قامت " دولة بنى زيان " الجزائرية بمدينة تلمسان عام ٦٢٧ ه بقيادة زعيم قبيلة بنى عبد الواد تحت ستار سيادة الموحدين ثم استقل بها الزعيم الجزائرى " يا غمراسن " عام ٦٣٣ ه فعم الازدهار والرخاء . ولكن غارات الاسبان والبرتغال على الساحل الجزائرى ما فتئت تسبب فى كثير من الاضطرابات وفى نفس الوقت دب الضعف فى حكام دولة بني زيان مما جعل الشعب لا يطمئن على حال فرأى ان يستنجد بالبطلين العظيمين : بابا عروج . . وخير الدين باشا بربروس اللذين كانا على رأس عمارة بحرية تركية فى حوض البحر الابيض المتوسط الغربى يعملان تطوعا فى انقاذ مهاجرى عرب الاندلس الى افريقيا . فانجداه وحاربا معه جنبا الى جنب حتى طهروا البلاد ودفعوا عنها خطر الاستعمار

الاسبانى . فكان ذلك من عوامل سقوط الدولة الزيانية فى النهاية ودافعا للشعب فى نفس الوقت على ان ينتخب ويختار خير الدين بربروس ليحكم البلاد بعد وفاة شقيقه عروج وذلك عام ١٥١٩ .

ومهما يكن فان الشعب الجزائرى منذ فجر القرن ١٦ وبالضبط عام ١٥١٥ كون لنفسه دولة حرة مستقلة ذات سيادة كاملة . . وذات جيش قوى واسطول ضخم له السيادة المطلقة فى حوض المتوسط . . ومنذ هذا التاريخ ايضا اصبحت دولة الجزائر الحرة هدفا لسهام الدول الاوروبية التى كانت تهدف الى استغلال ثروات بلادها المعدنية والزراعية والحيوانية . . وتسعى بالتالى الى تحطيم شوكة اسطولها البحرى الذى كان يحسب له الف حساب فى ذلك العهد . . والذى كان يضم ما لا يقل عن ( ٢٢٠ ) سفينة حربية يركبها ما يربو عن ( ٣٠ ) الف جندى بكل منها ما بين ( ٢٥ ) و ( ٨٠ ) مدفعا - ظل يسيطرا على البحر المتوسط حتى عام ١٨٢٧ حيث تحطم معظمه في معركة " نافارين " الشهيرة .

فقد حاولت اسبانيا - المنتشية بالنصر على عرب الاندلس - غزو الجزائر باسطولها ولكنها ارتدت مندحرة عن الجزائر العاصمة اربع مرات . ثلاث فى القرن ١٦ والرابعة فى النصف الثانى من القرن ١٨

وطمعت البرتغال والدانمارك في غزو الجزائر واحتلالها فانهزمتا . وهاجم الاسطول الانجليزى الساحل الجزائرى فى ٢ فبراير ١٨٢٤ فدامت الحرب ١٧ يوما ارتد بعدها مهزوما . ولم تكن فرنسا بأقل خيبة وانكسارا فقد هاجم امبراطورها شارل الخامس عاصمة الجزائر فى اكتوبر ١٥٤١ ب ( ٥٠٠ ) سفينة حربية و ( ٤ ) الاف جندى وحاصرها مغتنما فرصة غياب الاسطول الموسمى في مياه القسطنطينية كعادته فى كل شهر اكتوبر . ولكن عاصفة هوجاء وسيولا جارفة من المياه فاجأت العدو واغرقت له مائة سفنة وعطبت الباقى فساعد ذلك قوات الشعب على ان توقع به هزيمة نكراء فر على اثرها شارل ببعض فلوله مهزوما مخذولا

وحاولت فرنسا مرتين بعد ذلك غزو الجزائر دون جدوى اولاهما عبام ١٦٨٢ بقيادة الجنرال " ديكسن " والاخرى عام ١٦٨٨ بقيادة المارشال " استرى " .

وفي غمار هذه الاحداث وتلك الخطوب كانت الدولة الجزائرية الحرة يربط علاقاتها الديبلوماسية وتبرم معاهدات الصداقة مع دول اوروبا بعد أن بنضوت تحت لواء الخلافة العثمانية عام ١٥٨٧ واتصلت بها اتصالا روحيا اكثر امنه زمنيا .

ففى عام ١٦٨٢ وقعت بريطانيا معاهدة صداقة مع حكومة الجزائر الحرة . وعلى غرارها فعلت بلجيكا ، وهولندا . . والدانمارك ومملكة البندقية وفى عام ١٧٧٦ اعترفت حكومة الجزائر بالولايات المتحدة . وفى فبراير عام ١٧٩٥ تم التوقيع بينهما على معاهدة سلام وصداقة من اهم بنودها

بند - ٢ - للسفن الامريكية ان تتاجر مع الولاية ( الجزائر ) على اساس رسوم قمركية معلومة تستثنى منها المهمات البحرية والحربية .

بند - 4 - تحصل القطع البحرية الجزائرية على جوازات سفر تسلم لها بواسطة قنصل الولايات المتحدة .

بند - ٩ - تستقبل قطع الاسطول الامريكى في الجزائر بطرق الضيافة المعهودة .

بند - ١٥ - يفصل الداى فى المنازعات التى تنشا بين الجزائريين والامركان . ويفصل القنصل فيما ينشأ بين الامركان بعضهم مع البعض .

بند - ١٧ - يتمتع القنصل بامن كامل وحرية مطلقة فى اقامة شعائره الدينية والابحار على اية باخرة راسية فى مياه الولاية .

بند - ٢٢ - فى حال النزاع لا تعلن الحرب الا اذا استنفذت جميع وسائل التوفيق اولا . اما فرنسا فبمقتضى اول معاهدة ابرمتها مع حكومة الجزائر استنجد بها مليكها فرنسوا الاول مرتين : اولاهما عام ١٥٣٦ . . والثانية عام ١٥٤٣ طالبا معاونة الاسطول الجزائرى لدفع عدوان شركان الاسبانى على ساحل فرنسا الجنوبي

وبمقتضى نفس المعاهدة طلب هنرى الرابع مليكها ايضا نجدة الاسطول الجزائري عام ١٥٩٣ من اجل تحرير مدينة مرسيليا وشاطئ فرنسا الجنوبى من ايدي الاسبان والهيجنوت .

وفي عام ١٥٦١ اعربت فرنسا لحكومة الجزائر عن رغبتها فى ربط علاقات ديبلوماسية معها .

وفي عام ١٥٦٣ وصلت أول بعثة لها سياسية الى الجزائر العاصمة .

وفي عام ١٧٨٩ اعترفت حكومة الجزائر الحرة الرشيدة بحكومة الثورة الفرنسية ، وعلى اثر ثورة عام ١٧٨٩ هذه اصيبت فرنسا بانهيار اقتصادى . . وبمسغبة ومجاعة قاسية فمدت لها الجزائر يد العون بسخاء رغم دسائس اعدائها كما اكد ذلك داى الجزائر نفسه فى مكتوب وجهه آنذاك الى الحكومة الفرنسية قال فيه : " إنه بالرغم من دسائس الانجليز المستترة وراء حجاب الصداقة وبالرغم من ضغطهم لالغاء المعاهدات منتهزين فرصة ارتباك فرنسا فى محنتها وحروبها المتوالية فاننا لم نستجب لهم وراينا ان نمد لكم يد العون لتقدم لكم دليلا جديدا على كرم اخلاقنا ونبيل عواطفنا نحوكم "

ترى كيف عاملت فرنسا اصدقاءها الخلص ؟ وكيف تقبلت هذا المعروف الانسانى الخالد فى احلك ظروفها انها قابلت الجميل بالعقوق يوم ان حاولت التنصل من اداء ما عليها من الديون التى بلغت ٢٤ مليونا من الفرنكات الذهبية . . ثم باختلاق حادث " المنشة " المفتعل الذى جعلت منه سببا مباشرا لتوجيه حملة حرب لاحتلال الجزائر قوامها : ( ١٠٣ ) سفينة حربية و ( ٣ ) آلاف مدفع و ( ٣٤ ) الف مقاتل و ( ٣٨٣ ) سفينة اخرى لحمل المؤن والذخائر - نزلت بجزيرة سيدى فرج يوم ١٦ يونيو ١٨٣٠ ثم فى العاصمة يوم ٥ يوليو ١٨٣٠ .

والواقع ان حادث المروحة المفتعل - على فرض صحته - لم يكن السبب المباشر لانه كما قال المستر مترنيخ السياسى النمساوى آنذاك : " لا يمكن ان يصرف المرء مائة مليون فرنك وان يعرض حياة ( ٤٠ ) الف جندى للخطر من جل ضربة منشة " . ولكن الدافع الحقيقي لاحتلال الجزائر هو ما قاله شارل العاشر من : " انشاء مستعمرة هامة فى شمال افريقيا " . . وما قاله الجنرال جرار وزير الحربية من : " ان الغزو إنما يرجع الى ضرورات بالغة الاهمية متصلة اوثق الاتصال بحفظ النظام العام فى فرنسا وفى اوروبا . تلك الضرورات هى : فتح افاق للفائض من عدد سكانيا ومبادلة منتجات مصانعنا بمنتجات اخرى غريبة عن ارضنا وعن جو بلادنا " . يضاف الى هذا ان فرنسا منذ عهد نابليون

كانت تمتلك خريطة عسكرية هامة للقطر الجزائرى تبين حصونها وقلاعها ومسالكها مما يؤكد ان احتلالها للجزائر إنما كان لاغراض عسكرية الى جانب الاغراض السياسية والاقتصادية .

وهكذا ومنذ تاريخ ٥ يوليو ١٨٣٠ بدا نضال الشعب الجزائرى يتخذ اشكالا وطرقا متنوعة فى سبيل هدف واحد : هو اجلاء جيش الاحتلال الغاصب واسترداد سيادة الوطن وكرامته . فبدات الاحداث تشتد والثورات تترى وتتوالى فكانت ثورة الناحية الشرقية ( قسنطينة ) بقيادة الحاج احمد باشا باى قسنطنية التى استمرت حتى عام ١٨٣٨

وكانت ثورة الامير عبد القادر فى الناجيتين انما الوسطى والغربية ، التى دامت ١٧ عاما اى حتى عام ١٨٤٧ ،

وكانت ثورة اهالي " واحة الزعاطشة " بالجنواب الجزائرى عام ١٨٤٩ بقيادة الزعيم ابو زيان .

وكانت ثورة الاغواط فيما بين عامى : ٥١-١٨٥٢ التى هدم فيها الاستعمار ما يزيد عن ( ٣٠٠ ) قرية

وكانت ثورة القبائل الصغرى في ما بين عامى : ٥٣-١٨٥٤ . . وثورة القبائل الكبرى عام ١٨٥٧ التى كانت بداية لثورات وانتفاضات اخرى فى جبال الجرجرة وكانت ثورة بني سنا سن عام ١٨٥٩ . . وثورة بنى سيف .

وكانت ثورة اولاد سيدي الشيخ عام ١٨٦٤ بزعامة الباش اغا سليمان بن حمرة بن بوبكر في الجنوب الغربى

وكانت ثورة مارس الكبرى عام ١٨٧١ بقيادة الزعيم القائد الحاج لحمد المقراني ومساعدة الشيخ محمد بن الحداد التى انطلقت من بلدة مجانه الى بجابة شمالا وبرج ابي عربي وسطيف شرقا ، والى سهول متيجه حتى حدود العاصمة غربا وقد استشهد فيها حوالى (| ٦٠ ) الفا من الاحرار الكبار منهم والصغار

وكانت ثورة السد محمد البدوى فى قلب العاصمة وما حواليها وكانت ثورة الاوراسيين قبل ذلك عام ١٨٥٣ . وكانت ثورة ٨ ماي ١٩٤٥ التى لا يجهل احد امرها والتي استشهد فيها ٤٥ الف من الابرياء الاحرار

وكانت اخيرا ثورة الشعب الكبرى ، ثورة أول نوفمبر ١٩٥٤ . تلك الثورة الانشائية الخالدة التى وقف فيها عشرة ملايين مناضل من احرار الجزائر - هم كل سكانها صفا واحدا وراء جيشهم التحريرى البطل وجبهتهم العتيدة وادوا يمينا بارة فى ساحة الشرف والاستشهاد على الا يضعوا السلاح الا على اعتاب النصر وناصية الاستقلال .

وليس من شك فى ان ثورة أول نوفمبر ١٩٥٤ لها طابعها الخاص الذى يختلف عن اشكال كل سبق من الحركات الثورية وذلك تبعا لظروف العصر ومكيفاته المادية . ! ومن هذه تصميم الثورة على افتكاك استقلال الشعب من جيش الاحتلال باى ثمن خصوصا وقد توفرت الاسباب وتظافرت العوامل لذلك كما ذكرها أول منشور لجبهة التحرير فى اوائل نوفمبر ١٩٥٤ اذ قال :

" اننا نعتبر قبل كل شىء ان الحركة الوطنية قد دخلت مرحلتها النهائية بعد مراحل طويلة مرت . ذلك ان هدف الحركة الوطنية قد توفرت الان جميع شروطه المرضية التى تسير لهذه الحركة ان تشن الحملة التحريرية . ونحن نرى ان الشعب تحت ضوء ظروفه الداخلية قد اصبح متحدا وراء فكرة الاستقلال والعمل . وانه تحت ظروفه الخارجية قد بلغ مرحلة مرضية لحل المشاكل الصغرى التى من بينها مشكلة بلادنا وذلك بفضل المساعدة السياسية التى يبذلها لنا اخواننا العرب والمسلمون " .

وعلى كل فان الشعب الجزائرى البطل قد صمم على ان يفكك الاغلال الاستعمارية ويحطم سلاسل العبودية بالحديد والنار بغية اعادة بناء صرح تاريخه من جديد ولكى يستعيد مجده وعزه وسيادته التي طالما عمل لها اجداده وسعى اليها اباؤه . . ورنا نحوها ابناؤه

ولم يكن لديه في بداية الجولة سوى ايمانه بالنصر ووثوقه بالنجاح فصمد للاحداث والصدمات . . وقاوم المؤامرات وسياسة التضليل . . وجاهد جيش الاحتلال المعتدى فى الميدان . . وتابع نشاطه التحريرى فى الجبال والتلول . . والمدن والقرى . . والعروش والارياف . . وخاض غمار معارك تاريخية بعزم صمود وبسالة رائعة يحدوه فى ذلك ضميره الثأثر . . وتاريخة المناضل كى يحرر ارض الوطن من الاجنبى الدخيل الذى جثم عليها وعلى خيراتها ومواردها

وكل مقوماتها . . السياسية . . والاقتصادية . . والاجتماعية . . والتاريخية . . والتشريعية . . والثقافية وغيرها .

فكانت ثورة أول نوفمبر ١٩٥٤ بداية عهد جديد يعتبر نقطة التحول من حكم الهيمنة الرجعية الاستعمارية الى سياسة الترشد والاعتراف قسر لحقوق الشعب فى السيادة والاستقلال

وليس خفيا إن المغرب العربى يمثل وحدة متماسكة في الدين والتاريخ . . والجغرافية والعقيدة واللغة والتقاليد . . ومن ثم يمثل وحدة صلبة لا تنفصم عراها في النضال والكفاح . وعلى هذا الاساس كانت الاحداث تؤثر عليه كله عندما تحدث في اي جزء منه ، والذى يستقصى اعماق التاريخ وحوادثه يجد ان السلم يستتب في ربوع المغرب العربى كله عندما يكون موحدا متكاتفا . . وان الاضطرابات والفتن ، . والحروب والدماء والاهوال والمصائب تعمه كله عندما ينقسم على نفسه ويجد التخاذل والتفرقة سيلهما الى احزابه . وهو ما حدث فعلا عام ١٨٣٠ عندما اعتدت فرنسا على ارض الجزائر وشعبها ذلك انه بينما قبع باى تونس - لا شعبها - فى قصره دون ان ينهض لمساعدة القلب الدامي الجريح - ولعله لم يبلغه الخبر اصلا بينما كان هذا من باى تونس عمد سلطان مراش عبد الرحمن بن هشام تحت تهديد الفرنسيين الى تجهيز جيش عرمرم قوامه ( ٥٠ ) الف مقاتل لمحاربة رائد المقاومة الجزائرية الاول ورجلها البطل الامير عبد القادر المجاهد فكانت النكبة السوداء وحدثت الواقعة الحمراء على المتخاذلين انفسهم عندما افترسهم جيش الاحتلال واكلهم لقمة سائغة فاحتل تونس عام ١٨٨١ بحجة استرداد الامن الى ربوعها . . واحتل مركز عام ١٩١٢ بحجة حمايتها من العدوان والغارات الاجنبية .

وهكذا فقد المغرب العربى كله سيادته فى اقل من قرن من الزمن نتيجة التخاذل والانقسام الذي حدث في اجزائه . . ومن المؤكد انه لو توحدت جبهة الكفاح عام ١٨٣٠ ما حدث ذلك ابدا ،

على ان كل هذا لم يحل دون رجوع هذه الوحدة الى مجراها الطبيعي . . ولا يزال المغرب العربي كله يجاهد من اجل استقلاله واستقرار " وازدهاره فى ظل السلام والرفاهية

ان يوم ١٩ سبتمبر ١٩٥٨ الذي بعثت فيه اول حكومة حرة للجمهورية الجزائرية هو يوم وقفت فيه عقارب التاريخ تستوحى بطولة شعب الجزائر العربى المسلم . وتستلهم تاريخه وامجاده البطولية . . وانتصاراته التاريخية العجيبة وهو ينضم الى موكب قافلة التحرر بعد طول النضال ومشاق الطريق .

ففى هذا اليوم التاريخي الخالد اعلن شعب الجزائر المناضل نهاية الاحتلال المطرود . . وبداية الحكم الوطني الخالد الذى افتداه بآلام شببه . . ودماء شبابه . . ودموع عجزه ويتم اطفالة . . وهدم قراه . . وحرق مداشره . . وتحطيم امكانياته المادية عامة

وفي هذا اليوم اذن بشير النصر بنأفول عهد سيطرة الاستعمار المهزوم وغروب يومه الى غير رجعة بعد كفاح شاق مرير طوال قرن و ) ٣٠ ( عاما قدم فيه شعب الجزائر المكافح الصامد ما لا يقل عن مليون من النفوس البريئة والارواح الشهيدة قربانا للفداء . . وضحية للسيادة والاستقلال "

ان يوم ١٩ سبتمبر ١٩٥٨ يوم خالد في تاريخ نضال الشعب الجزائرى اقتعدت فيه حكومته الحرة مكانها اللائق بها فى مصاف الدول الحرة المستقلة . . واستردت سيادتها الطبيعية التى سلبها منها الاستعمار الفرنسى منذ عام ١٨٣٠ ،

اجل : هذه هى ، الجزائر العربية المسلمة تمثل اليوم عصارة النضال المقدس ولسان حالها يشدو :

لا يخيف الشعوب قهر ظلوم ويخيف الطغاة شعب جسور

إنما الشعب فى الملمات زحف هل رأيت البركان كيف تثور

اشترك في نشرتنا البريدية