فى موضوع كهذا يتبادر الى الذهن السؤال التالي : هل كان للمغرب أدب (( مسرحى )) ؟
لو راجعنا تاريخنا لوجدنا فن القصص والحكايات وبذور المسرحية عريقة فيه فالانسان المغربي ، كالانسان العربى رزق دقة الوصف وروعة التصوير ، وبراعة الحوار ، ودهاء الجدل ، وحسن البديهة ، وسرعة الخاطر ، والنكات الساخرة ، والمفارقات المستطرفة والنوادر المستملحة ، واستنباط الحقائق بالعقل ، مع الخيال الخصب ، مما يؤهله ليمد المسرح بالكثير من العطاءات التى تجعل منه ادبا اصيلا ، ومتمكنا
وبالفعل ، فما كاد يظهر فن المسرح فى البلاد ، (1) حتى ظهرت بجانبه بوادر مشجعة فى الكتابة المسرحية ، استنبطت أحداثها ، وشخوصها من عميق تاريخنا ومن جميل قصصنا وحكاياتنا المتوارثة (2) .
واذا كان من الصعب على اى باحث الآن ، ان يرصد تجربة اولئك الفنانين الاوائل لقلة المصادر او لعدمها ، فان الاصداء التى وصلتنا عنهم (3) تؤكد لنا الحقائق الثابتة التالية :
1 - انه على الرغم من العفوية الساذجة التى طبعت المسرحيات التى وضعت فى الفترة الاولى من تاريخ مسرحنا ، فان مقدرة كتابها على التأثير في الجماهير من أمثال الاساتذة ، محمد بن الشيخ ، ومحمد القرى ، وعبد الواحد الشاوى ، والمهدى المنيعى ، ( 4 ) ما تزال نقطة البداية فى كل التزام بالقضايا الوطنية
2 - ان موقفهم كان يتصف بالكثير من الاصالة ، لانهم كانوا على صلة عميقة بالجماهير ولانهم كانوا على جانب من الارتباط بالبداية الصحيح للانبعاث الوطني
3 - ان اسلوبهم ، على الرغم من انه كان يتصف بالخطابة المباشرة ، وباللفظية الغوغائية ، والهياج ، فانه كان يمتاز من جهة أخرى بمتانة الاسلوب ورشاقته فى المجال الثقافي .
4 - ان موضوعاتهم ، سواء منها المتصلة بالتارخ القومى ، أو بالواقع الاجتماعى والسياسي ، كانت تحمل مضامين ملتزمة بقضايا الجماهير الواسعة الشئ الذي دفع هذه الجماهير لتعانق المسرح وتضعه فى منزلته ، الادبية والفكرية .
5 - زد على ذلك ، ان هذا الرعيل ، قد اندفع الى العمل والخلق المسرحي بوحى من ضميره الوطني ، وبدافع من شعوره بضرورة استخدام المسرح كسلاح فى معركة التحرير ومعركة التوعية الوطنية .
ومن ثم ، فان ما تبقى من آثاره ، يشكل اتجاها مميزا ، لا أثر فيه للستيتيكية " المسرحبة ، ولكنه ملئ بالمضامين الموازية للمرحله التى ولد فيها ، وهي مرحلة تاريخية تتصف بخصوبة النضال ، والعمل فى واجهتين متلازمتين : مكافحة الاستعمار ، فى وجوده وثقافته ، واستنباط الماضى الحضارى بعطاءاته الفكرية ليوجه الحاضر ، ويؤهله للمعركة الفاصلة
وعن رواد هذه الفترة التاريخية ، تولدت عدة اتجاهات مسرحية هامة ، لعبت هي الاخرى دورها فى دفع مسيرة المسرح الى الامام قبل حصول المغرب على استقلاله .
وأهم هذه الإتجاهات ، ما اسماه احد النقاد (5) بالاتجاه الساذج ، وهو الاتجاه الذي اختاره المرحوم البشر العلج ، ليصب فيه أفكاره ، وعطاءاته وتجاربه .
وانى مع اختلافى مع اولئك النقاد فى تسميتهم هذا المسرح بالساذج ، ارى انه لعب دوره كاملا - فى حدود امكانياته - فى توجيه الرأى العام وفى التميز بطابع (( شعبى )) متركز حول مجموعة من الشخصيات الاجتماعية التى تشكل فى مجموعها صورة للمجتمع (( البسيط )) إذا صحت هذه التسمية .
ان مسرح البشير العلج ، الذي ظهر في الاربعينات ، حدد لنفسه الرقعة التى تحرك فوقها ، مستمدا ذلك ولا شك من اشكال المسرح القديم ( البساط ) فكلاهما يعتمد على شخصيات ثابتة .
1 - البساط ، يعتمد على (( المسيح )) او (( بوهو )) و (( الشاط )) و (( الياهو )) (( اليهودى )) و (( الغول )) .
2 - ومسرح البشير العلج ، يعتمد هو الآخر على شخصيات ثابتة هي : الحاج - المرأة - شولومو ( اليهودى ) ، الشلح
والمسرحان معا ، يعملان في نطاق اسرة معينة ، مما يجعله يصور الواقع المغربى - بشكل او بآخر - وذلك من خلال اتخاذ اسرة معينة ، كنموذج للمجتمع الكبير وهكذا تتحول الشخصيات عند المرحوم العلج الى اشكال وانماط ، تمثل قطاعات معينة فى المجتمع ، وتتحول فى " البساط " الى صور انتقادية ، لاوضاع متغيرة .
وكلا المسرحين يعتمد على حكاية بسيطة ذات بداية وعقدة ونهاية
وكلاهما يعتمد على الفرجة ، والانتقاد ، والتمطيط ، والغرابة ، فى سبك الحدث ، والحوار
اضافة إلى ذلك ، فان المرحوم البشير العلج ، فى رعايته لهذا الاتجاه سنوات طوالا ، قد بحث لمسرحه عن لغة خصوصية (فلم يكتب بلهجة مغربية واحدة ، اذ قام بتفتيت العامية الى مجموعة من اللهجات المتباينة ، وذلك حسب التركيب الذي يقوم عليه المجتمع المغربى (6) اذ جعل من هذا الاتجاه ، مسرحة
لفظيا يعتمد فى الدرجة الاولى على اللغة ، فحول الكلمة فى الكثير من المسرحيات الى البطل ، وذلك بجعلها المحور الاساسي ، للفرجة ، او للقضية وإذا كان العديد من الباحثين في مادة المسرح ، ينكبون اليوم على البحث في- مسرح البساط - باعتباره تراثا فنيا وطنيا ، يمكن بلورته ، واستنباطه ، فان لمسرح المرحوم البشير العلج ، شخصياته ، ولغته ، وحواره ، وتركيبه ، يعتبر ( مادة خاما فنية تحتاج الى الكثير من البحث والدراسة ) ، فهناك مسرحيات شعبية ، ولكنها تعيش فى الظل ، ولذلك فمن الواجب بعثها من مرقدها ، واخراجها من صمتها واذا كان المسرح المغربى مستفيد اليوم من التاريخ والتراث والادب الشعبى ، فمن حق رجاله ورواده الالتفات الى هذه الصيغة المسرحية الغنية ، وذلك باعتبارها شكلا مسرحيا شعبيا يستمد شكله العام من التراث ( البساط ) ومضمونه الأساسي من المجتمع فى فترة هامة من تاريخنا القومى .
ان مسرح المرحوم البشير العلج ، من الوجهة التاريخية أدى مهمته فى وقتها فاستنبط من المجتمع احداثه وتخلفه ، ومن التراث لغته وشكله ، ودفع بذلك الحركة المسرحية لتبحث لنفسها عن منطلقات جديدة تعانقها .
من هنا يمكن تلخيص المعطيات الاساسية لمسرح البشير العلج فى النقط التالية :
1 - انه مسرح - من حيث الشكل - يستمد وجوده من التراث .
2 - انه من حيث المضامين ، مسرح اجتماعي ملتزم ، ويعانق الواقعية فى العديد من اعماله .
3 - انه اختار لنفسه لغة مميزة .
4 - من الوجهة التاريخية البحت ، لعب دوره كاملا فى الدفع بحركة المسرح خطوات الى الامام ، وادى مهمته فى ربط الجماهير بالعمل المسرحي .
5 - انه ، تبعا لذلك ، يفرض على الباحثين ، ورجال المسرح على السواء ، الاعتناء به ، والبحث في حركته من الوجهتين الادبية والتاريخية .
وعندما يكون المسرح المغربي ، قد تخطى مرحلة الضوء الاحمر ، ليكتمل شخصيته الفنية ، يجد نفسه غارقا فى اقتباس تقاليد المسرح الفرنسى ،
والاروبي ، ليخاطب جمهورا من العامة ، ومن العارفين بالثقافة او المعجبين بها -
وقد يكون الاقتباس مبررا - فى الخمسينات - لتطعيم مسرحنا باتجاهات جديدة وبدماء جديدة متحررة من التأطيرات التى طبعت المسرح المغربي هذا الفترة أو مبررا لعدم وجود مؤلفين ، واطارات مسرحية ناضجة ، الا الاقتباس اصبح معاشا ، ومتطورا ، يواكب حركتنا المسرحية ، ويسيطر عليها فى العديد من المواسم .
فان الاستاذ أحمد الطيب العلج ، بقى متشبثا بهذا الاتجاه الى غاية السبعينات ، فاعطى للخشبة اعمالا - من حيث تقنية الاقتباس متطورة ، وقابلة للنقاش ، فى حين ان الفنان الطيب الصديقى ، وجد نفسه هو الآخر فى حبال هذا الاتجاه ، يقدم اعمالا اراد بها ، ان يؤقلم المسرح العالمي م المفاهيم المغربية خلافا لما هو مألوف عند أحمد الطيب العلج .
فكيف ينظر الفنان العلج الى قضيته مع الاقتباس ؟ انه يجيبنا قائلا : (8)
لقد اعتبرت الاقتباس فى بداية حياتي الفنية ، مدرسة عملية تلقنت فيها كثيرا من دروس التقنية المسرحية ، فى البناء الدرامى ، فى تسلسل الاحداث ، فى تحديد العقليات والشخوص ، وفي الحبكة بوجه عام .
ومن الاقتباس انفتحت على آفاق عديدة فى مجال الفكر والثقافة المسرحية العامة فاقتبست لموليير ، وراسين ، وكورتولين ، وماريفو ، وكوكول وتشيخوف ، وشكسبير ، وكثير من عمالقة الفكر المسرحي القدماء والمحدثين الشئ الذى جعلنى ارتوى من كل النزعات اليمينية واليسارية الجامحة , والمعتدلة ، والتعرف فى نفس الوقت من حيث الشكل على كثير من النماذج .
فكيف يفسر عملية الاقتباس فى تجربته : يقول : (9) أحمد الطيب العلج
كنت اقتبس ، ولكني حاليا أولف حتى عندما اقتبس ، وادعوك لاستذكار (( الحكيم قنقون )) ومحاولة مقارنة النص الذي كتبته ، وما كتبه جول رومان ،
مع احترامي لهذا المؤلف ، فان النص فى اصله لا يحتوى على مضمون قوي ، بل يمكن القول ، ان مضمون مسرحية رومان رجعى ، لكن فى الحكيم قنقون اضافات جوهرية ومشاهد كثيرة ليست فى النص الاصلى .
فبغض النظر عن الجزء الاول ، لا نجد فى القسم الثاني اى شئ يذكرنا برومان وعل هذا تكون شخصية المؤلف عندى طاغية على شخصية المقتبس .
يتضح من خلال هذا :
1 - ان الاقتباس بالنسبة لاحمد الطيب العلج ، مدرسة تعلم فيها البناء الدرامى
وان هذا الاقتباس بالنسبة اليه تأليف جديد لفكرة قديمة . وعلى ان وفي الاقتباس من الوجهة العلمية ، او المنهجية يختلف تماما عن مفهوم احمد الطبيب العلح ، فانه ما زال يشكل بالنسبة للحركة المسرحية اتجاها مميزا .
فخلال العشرين سنة الاخيرة ، كانت نسبة الانتاج المقتبس فى المسرح لمغرير تزيد عن 60 فى المائة ، اغلبها ينحدر عن موليير أو عن رواد المدرسه المولييرية الفرنسية.
بل خلال هذه الفترة تناول المقتبسون مسرحية واحدة ، مرات عديدة ، فى اشكال مختلفة ويمكن اعتبار (( المثرى النبيل )) لموليير احدى هذه المسرحيات التي تناولها بالاقتباس أحمد الطيب العلج , و البشير العلج , والصديقي , والبدوى وغيرهم كل من وجهة نظره ، وكل من رؤاه الخاصة .
ففي سنة 1972 ، وبعد ان اعتقد العديد من النقاد والمهتمين بالمسرح ، ان مولير ، غاب عن الخشبة المغربية ، وعوض بكتاب مغاربة ، او نتاجات متجاوزة للمرحلة المولييرية ، عاد به احمد الطيب العلج ، ليطل على جمهوره من جديد بمسرحية (( المثرى النبييل ))
وهذه المسرحية سبق للمقتبس نفسه ان قدمها فى سنوات ( 1955 ، و 1958 ) لكن هذه المرة أتى اقتباسه لها ، يحمل مضمونا جديدا لفكرة الاقتباس اذ انه لم يلبس (( المثري النبيل )) جلبابا وسلهاما من الملف ، ولكنه ضمنه شخصية معاصرة ، معاشة . المثرى النبيل ، كما وضعه موليير ، لا يحمل اى فكرة فى مضمونه ، ولكنه يحمل شخصية مميزة ، لاحد المتحذلقين ، فى عالم المال والبرجوازية .
وعلى طريقة موليير ، فان المثرى النبي ، لا يحاول التحاور مع جمهوره ولا يحاول الالتحام به ، ولكنه يفرض عليهم الكبرياء المصطنع الذى أخذ يتصاعد مع البناء الجديد لشخصية المثرى فى حين ان . . . الشيخ العظمة يحملنا من أول وهلة على التحاور معه ، والبحث فى شخصيته ، وفى أعماقه وفي بنائه الفكرى ، والسيكولوجى والاجتماعى .
ان الفنان احمد الطيب العلج ، كما لم يفعل من قبل وفي العديد من مقتبساته قام بمجهود واضح ، فى رسم الشخصيات وفى تضمينها ، افكارا جديدة ولامعة .
فبالنسبة لشخصية . . الشيخ العظمة ، وهي الشخصية الرئيسية التى تتفرع عنها كل الشخصيات ، الاخرى فى المسرحية ، ميزها المقتبس باستقلال فكرى . . واجتماعي وحركها بفعالية على الخشبة ، وضمن حوارها مصطلحات ومفردات قوية لغويا واجتماعيا زادت فى ابراز معالمها على الخشبة وهذ الوجود فى الاقتباس ، رفع الشيخ العظمة الى مصاف المسرحيات المقبولة .
انه يطل علينا فى اول لوحة بملامح واضحة ، انه ليس متحذلقا كالمثرى النبيل ولكنه يعرف جيدا ، موضعه من هذا العالم ، ويعرف طريقه ، ماضيه وحاضره ، ويحاول رسم صورة لمستقبله ، انه على خلاف المثرى النبيل يعرف جيدا كيف كسب أمواله ، ومن أين انحدر ويعرف أكثر من هذا جذوره الفقيرة . وبقدر ما يحاول اخفاء ذلك عن الآخرين لا يحاول اخفاء ماضيه عن نفسه ، ومن ثم يرسم لنفسه سلوكا معينا يقوم على تقاليد ارستقراطيا ومحاكاتها فى العيش والسلوك دون الانغماس فيها او الايمان بها .
والمقتبس في رسمه ، لهذه الصورة ، يلتزم بوضوح بسقوطها فى عالم من الاوحال لا بداية له ولا نهاية ، ويفرض علينا كمتفرجين التمعن فى التناقضات التى يسقط فيها الحاج العظمة وبطانته .
من خلال هذه الصورة ، تحملنا المسرحية على فتح حوار واع مع الحاج العظمة ومع المقتبس حول هذه النماذج البشرية التى تفتقد القاعدة ، والجذور وتفتقد القدرة على الاقناع ، والتي بدأت تتسلق حياتنا وتفرض نفسها علينا كفكر وكمجتمع ، واذا كان هذا الحوار لم يصل نهايته فى المسرحية ، فانه على الاقل نذر بالخطر .
لقد استطاع ان يبعث دما نقيا فى شراين المسرحية واستطاع ان يحول البيت الهادى المتقادم الذى تجرى على ارضيته حوادث المسرحية الى مهرجان كبير لعرض الشخوص ، والافكار التى يتضمنها الحاج العظمة .
ان هذه المسرحية تشكل علامة مميزة فى اتجاه الاقتباس المسرحي , و تعتبر ، - من حيث الشكل - الا نموذج الذى سارت عليه سلسلة المقتبسات المسرحية لفترة طويلة من الزمن ، والذى ما زالت تسير عليه ، فيما يقدمه المسرح المغربي للفكر المسرحي العالمي .
كما تؤكد من جهة ثانية ، ان موليير ارتبط اشد الارتباط بحركة الاختباس فى المغرب ، وسطر على المسرح المغربي فى واجهتيه ، الابداعية ، والمختلفه .
وكما لاحمد الطب العلج ، اتجاه مميز في الاقتباس ، بدأت معالم اتجاهه تتوضح فى الوضع والتأليف .
فاذا ما تركنا مرحلة ، حادة ، والبلغة المسحورة ، التى تعتبر بالنسبة للعلج مرحلة المغامرة ، فان المرحلة الجديدة التى وضع فيها ، حليب الضياف , والسعد والارض والذئاب ، والشمعة والأكباش ، تتميز بشكلها المسرحي , ورسمها الحيد للشخصيات ، وباللغة الذكية ، وتتميز اكثر من ذلك بانفصال الكلى عن الاعمال التى استعملها العلج ، جواز دخوله عالم المسرح .
. فهي فى المرحلة الاولى ( الطفولية ) يلتصق بموليير ، ويعطينا مجموعه من الاعمال التى تكاد تكون اقتباسا متجاوزا
وفي المرحلة الثانية ( الواعية ) يستمد من الخرافات ، والحكايات والقصص الشعبية أغلب أعماله ( مختارا لنفسه ان يتخصص فى تسجيل المرويات والاصداء المتلازمة مع الاحداث (10) .
على ضوء هذه الملاحظات يمكن اعتبار مسرحية ( حليب الضياف ) الا نموذج الكامل عند العلج ، لا تجاهه فى الكتابة المسرحية .
1- والمسرحية في الناحية الموضوعية ، تنقل الينا العلج في الوجه الآخر إذ تعرض قضية تبدو فى الوهلة الاولى مغلوطة لا علاقة لها بالواقع المعاش .
"2 - ومن الناحية الشكلية ، تستخدم المسرحية عددا من الاساليب التقنية المحببة ، المسرح داخل المسرح ، مخاطبة الجمهور بصفة مباشرة
3 - تعويض البطل - التراجيدى - باللغة ، وتوظيف هذه اللغة بشكل جيد الشئ الذي مكنها لتلعب دورها كاملا على الخشبة رفقة الممثلين .
ان مسرحية حليب الضياف ، تجسد من خلال موضوعها عملية انتظار قاسية وهي ان التقت مع مسرحية ( فى انتظار كودو ) لصاموئيل بيكيت ، فى موضوع الانتظار ، فانها تختلف عنها فى طبيعة هذا الانتظار
فى حليب الضياف يرتبط الانتظار بشئ محدد بماهية ، وهذا الشئ هو الحليب .
والمسرحية من خلال رحلة الانتظار الخائبة تجيب على السؤال المطروح .
هل يمكن ان يكون الانتظار حلا ؟
فى بداية المسرحية ، نفاجأ بمجموعة متشابهة من الناس تمارس التسكع على طريقتها الخاصة ، لها فلسفتها ، وعلاقاتها ، ومعايشاتها ، لكن هذا التشابه يمنع من وجود تفرد شخصى يمارس ضمن الكسل الذى يشكل اطارا عام لسلوك هذه المجموعة .
- " المسرحية لعبة قاسية تمارس باعتبار ميلودرامي ، تستخدم الكوميديا بشكل يبعدها عن المتعة .
- " والمجموعة فى حليب الضياف هى البطلة ، وهذا الفهم الطليعى لمهمة المسرح يعنى ان المجموعة هي المتهدفة فى عملية التغيير ، وليس الفرد الواحد
- " والمسرحية قبل ذلك ، تعليمية ، ولكنها لا تعامل المتفرجين كتلاميذ (11) وفى مسرحية حليب الضياف ، اجتهد أحمد الطيب العلج فى اختلاق شخصية صوفية صرفة . شديدة الشبه بشخصية المجاذيب الذين لا تهمهم الحياة ولا الموت ولكن يهمهم بالدرجة الاولى ممارسة " الاتكال " كاحتراف حياتى .
ولقد تحولت هذه الشخصية الفنية عند العلج ، الى مجرد كسول تواكلى يهرب من العمل والتعب ، لينتظر حليب الضياف ، مع المنتظرين ، ٠٠ واذا كان العديد من النقاد ، يعتبرون ان هذه المسرحبة هى خلاصة تأثر العلج المباشر بمسرحيه " فى انتظار كودو " لبيكيت ، فان العلج ينفي ذلك ، ويبرره بعقلانية قابلة للمراجعة والنقاش
والحقيقة ان مسرحية حليب الضياف ، بما عليها من مآخذ ، فانها تشكل بالنسبة لاحمد الطيب العلج ، مرحلة جديدة فى حياته ، وتشكل اليه ايضا ، نقطة البدء فى الاتجاه الذى نعتقد انه يميز المرحلة القادمة من اعمال هذا الكاتب النشيط .
- يتبع -

