كان يهون كل شئ أمام هاتف من نفسك ، يهتف بك ليل نهار ، فى حلم المنام وغفوة اليقظة وتنتفضين مذعورة على الصدى وانت ترتعشين . وصمت عن الكلام والطعام ، تقلبين بصرك فى الحاضرين بريبة ، خوفا من ان يسمعوا صدى الهتاف فيفتضح أمرك ، وتحاولين اسكات الصدى فلا يزداد الا أزيزا . وتكتمين صرخة سيدوى لها المكان لو انطلقت من عقالها ، ويزداد لهاثك ويتضخم فعل الخوف فيك ، وتسرع دقات قلبك ، وتفقدين اتزان الاحساس ، وتحاولين صم اأذنيك عن الهتاف ، ولكن اني لك ذلك ؟ ومبعثه أعماقك ولا طاقة لك عليه الا باخماد انفاسك
كان الهتاف جبارا ، يبث فيك الاحساس بفقدانك لعذريتك ، وان أمرك سيفتضح ليلة الزفاف والاختبار ، رغم يقين راسخ بطهارتك وبراءتك من الشذوذ الجنسى الذى يؤدى الى مثل هذه الحالات فى سني المراهقة ، ورغم شهادة طبيبين هرعت اليهما باكية ، فطمأناك بأنك العذرة نفسها .
كنت حريصة على هدوئك وتوزيع الابتسامات للحاضرين ولحبيبك بالذات ، رغم ما يطرأ عليك من تكهرب عصبى ، لو ظهر على سطح ملامحك واطرافك لأسرع لك بطبيب .
لما أشعلت الشموع ورفعت الى أعلى ، تقدما أمام المهللين بزواجهما السعيد فى اتجاه غرفتهما ، بينما كانت تختنق بأنفاسها والمدعوين وتحترق بلهب الشموع ، وكان انغلاق الباب له صدى فى نفسها ، ودبت فى جسدها ارتعاشة غريبة ، اضطربت لها حواسها وغشى بصرها ضباب ، وتخاذلت ركبتاها وكادت تسقط لو لم تتماسك وتشد حافة الفراش
استقر بصرها فى سقف الغرفة وهى مستلقية ، وانطفأ النور فجأة ولم تتوقع أن تمتد يد للضغط على زر النور غير يدها ، فانحبست انفاسها وهزتها قشعريرة خوف ، وتهيأت لمفاجأة غير سارة . لمحت خياله على نور البهو الخافت ، وعجزت عن الصراخ والحركة ، ولما اكتمل قربه ظهر بياض فمه ، ابتسامة تجميل لمشهد وأمر عظيمين ، ولما انثنى على نصفها الاعلى يبتغى اللثم ، انطلقت منها صرخة دوى لها المكان .
لما أفاقت بعد جهد إثر الاغماءة ، كانت تبكى بحرقة وقد غشى بصرها ظلام العمى ، وكانت نتائج الفحوص الاولية لطيب العيون ، بأن الاصابة غير عضوية ، وفقدان البصر كان نتيجة ازمة نفسية حادة .
- تحويلك علي كان موفقا ، فالعين سليمة لكن العلة تكمن هنا ...
وساد الصمت من جديد ثم أردف الطبيب النفسانى قائلا وهو لا يزال يضع راحته على جمجمتها :
بسلامة هذا الجهاز تعمل كل باقي الاجهزة بالجسم ، فاذا اعتل جزء منه أو ختل ميزان العمل فيه ، كان له الاثر السئ على الاجهزة المتصلة به ومصابك يندرج فى هذا الاطار ، واذا لم تساعدينى ، فلن أوفق بمفردى فى جعل هذا الجزء الحساس بالرأس يعمل بصورته العادية ويعيد بالتالى لك البصر .
وأطال الطبيب الصمت ، ينتظر منها ردا يبدد الطلسم الذي يخفي الاسباب الحقيقية للعمى ولما يئست من تجدد صدى العبارات قالت :
- لم أفهم معنى المساعدة ، كل ما وقع لى لا شك قصوه عليك وأعدته بدورى المرات .
- يا ابنتى ، إن فى النفس البشرية عقل باطن يختزن بصورة عجيبة المعلومات والتأثيرات والصدمات ، وفي ظروف تكاد تكون نادرة ومتشابهة من وقوع حدث فى الصغر ، وتكرار هذا الحدث فى الكبر ، يجعله يتحرك كما تتحرك الشاحنة وسائقها يغط فى النوم
تململت فى المستلقى وهى تصغى للصوت الدوار من حولها ، وكأنه عالم حيرتها فاردف قائلا :
- لا تتعجلى بالاجابة التى هى رد فعل مزكى من حالتك الراهنة والذى فيها ذهنك خال من معرفة بحالتك النفسية ...
- كل ما يهمنى يا دكتور هو ان ارى النور . وأجهشت بالبكاء ، وقال الطبيب وهو يحاول تهدئة توترها :
- سبق أن أعلمتك ان إصاتك غير عضوية إنما هى نتيجة أزمة نفسية حادة ، وسترين النور حالما تجتازين الاختبار . فقالت وقد بدا عليها الارتباك اكثر من ذى قبل :
- أى اختبار ؟ - اختبار قوة ذاكرتك ، فالشريط المسجل من يوم وعيت ، والمخبأ بذاكرتك هو الذى سيمكننى من علاجك ، فاذا فسد أو لم تقدرى على التذكر ، أو صممت على كتمان سر من الاسرار ، له صلة بعلتك فأنا عاجز عن أن أفعل أى شئ لك ..
فقالت وهي تشد جانبى مائدة الاستلقاء : - كيف لى أن أبخل عليك بما يخرجنى من عالم الظلام ؟
-كثيرون هم الذين قالوا ذلك أولا ، ولكن عندما أعطى اشارة البدء بالقص ، أشعر انهم يتلعثمون فى سرد بعض الاحداث ، فيحذفون منها ما شاءوا وعندما أواجههم بالبتر الحاصل فى مجرى الاحداث ، يرتبكون وتتكهرب أعصابهم وقد يغمى عليهم ، فلا تستهينى بأية جزئية فربما فيها يكمن علاجك ..
- وأنى لى أن أتذكر كل جزئية وحياتى سنوات وايام وساعات ولحظات . - درب لا بد من تخطيه ، ويهون كل شئ أمام قبس من نور .
صمت الطبيب برهة وهو يراجع بعض الاشارات المختصرة على البطاقة والتي تلقفها منها ومن أفراد عائلتها على فترات متقطعة ثم أردف قائلا بعد أن ايقن أن لديه من المعلومات الاولية ما يكفيه لتحسس المسرب المحتوى لبيت العنكبوت المخفى لسرها .
- إن من عادتى معالجة الصدمة النفسية بمعالجة النفس والجسم معا ، لأنه فى الغالب لا يتأثر العقل الا باحتراق مخزون الطاقة فى الخلايا العصبية
لذا فأنا فى آن واحد أقوى هذه الطاقة العصبية حتى يعود الاحساس بالظواهر عاديا طبيعيا ككل بشر سوي ، وكذلك المعالجة بالايحاء
- الظلام الأبدي رهيب يا دكتور ، إنه عالم موحش ، أتعجب من صبر الذين تحملوه طوال اعمارهم ..
- لقد تحملوه لان طاقتهم العصبية لم تنقص ، وتحملوه لانهم مؤمنون بأن هذا قدرهم ولا مفر لهم منه ، ولكن طاقتك العصبية ضعفت ، فما كان باستطاعتك الظهور بموقف ينجيك من الانهيار النفسى ..
وهى تنتحب قالت باضطراب بين :
- عمى وانهيار ، اذن فأنا مجنونة ... أنا مجنونة ... ما الذى فعلته ، ما الذي اقترفته ؟ أية لعنة حلت بى ، أى جن هذا الذى سكن هيكلى . !؟
وهي تلفظ معاناتها بعبارات مشحونة بالخرافة ، كانت قد فقدت السيطرة على وعيها بالوضع واضطربت وحاولت النهوض من استلقاءتها لا شعوريا ، وهنا خطا الطبيب نحوها وأمسك براحتها فعدلت عما أزمعت عليه وتقلص اضطرابها .
- انك لست مجنونة ، وهذه حالة مرضية لم تصليها ولن تصليها باذن الله ، وليس هذا نتيجة لاقترافك أى ذنب ، فالاشرار والمجرمون لا يصابون بأي أذى من ذنوبهم ولا هى لعنة ربانية ، والله أمهل المذنبين فما بالك بالابرياء !؟ ولا هو الجن ولج فراغ جمجمتك ، لانه فى علمنا لا أثر لهذه الظاهرة وانما هى اعتقادات العوام لم يزكها العلم بعد ولا أظنه فاعل ذلك يوما ، انى ابتغى تنوير عقلك بمعلومات تخص حالتك النفسية والشوائب التى تحوم حولها لتتقبلى العلاج بروح هادئة ونفس مروضة ، أنت مريضة حقا ، ولكنك غير عليمة بكنه ما بك ، فمخك متى وجد العلاج المناسب ، يعيد تنظيم كيانه بمفرده ، ومتى تم ذلك فسيعود لك بصرك فى أقل من لحظة ، أنت لا تزالين فى المرحلة الاولى ، أو المجال الاول اذا أحسنت التعبير فى المرض النفسى وهو الوهن العصبى أو - النورستانيا - نتيجة هبوط الطاقة فى الخلايا العصبية التى تسبب توترات وحدة فى التأثير ، وبدورها تسبب أحاسيس فى الجسم يربطها المريض بفكرة ما ، عاشها أو شاهدها لدى غيره أو حتى قراء عنها فى الصحف أو تراءت له فى الاحلام
أينع شبابها فاصطبغت وجنتاها بحمرة الانوثة الغضة النضرة ، واكتمل فيها الاحساس بأنها حواء أحبت أم كرهت ، وان عليها الانقياد لتكوينها اللطيف ، ولا شعوريا تلهث اكثر من المعتاد على اقتناء الثياب المبرزة لفتنتها فتغيرت مشيتها من العقوبة الى التكلف ، ورمشت ببريق الاغراء وتصنعت التنغيم فى عباراتها ، وتحركت يداها تسويان ما تناثر من شعرها المنسبل على كتفيها بحركات مهذبة راقصة ، ولم يطل احساسها بعالمها الانثوى الساحر الجميل ، حتى بدأ الحصار .
يتبعها ببصره حيثما كانت ، ويغتنم كل فرصة سانحة للتمعن فى سحنتها ، وتكوينها الجسمانى جالسة كانت أو مستلقية أو متنقلة بين غرف البيت ، وبدت عليه حمى الذبذبة والحيرة والتردد ، وهو يختلى بها ، ولكنه ما كان يجرؤ فى البداية على محادثتها أو حتى الابتسام لها ، وكان يفعل ذلك في حضرة شقيقتها كأب حنون ، وما كان يخطر ببالها يوما أن يتردى زوج شقيقتها فى عشق أنوثتها لقد كثرت ملاحقاته بنظراته النهمة الى كل جزء من جسدها وتجرأ عديد المرات بملامستها ، موهما اياها بانها لمسات عفوية بينما كانت تعلم من حالته النفسية عكس ذلك ، ومع هذا لم تظهر امتعاضها خوفا من انعكاسات غير مرتقبة منه ومن شقيقتها ، وما خطر ببالها أنها أعطته إشارة الاقدام لتعديل لمساته فى أماكن حساسة من جسدها ، يصاحبها ببعض العبارات المفعمة بالاعجاب والاطراء وفى هذه المرحلة بدئ الحصار الكبير
تهربت وأبدت امتعاضا ، ونفرت كما ينفر الغزال وكشرت كما تكشر الذئبة ، وتوعدت وهددت وحسبت أنها بذلك قد تحسم الامر ، وترجع الرجل عن غوايته ، ولكنه ما كان ليرتدع أو ليلين عما أزمع عليه ، وهو لا يفتأ يردد بكلمات محمومة مرتجلة غير منتقاة أو يرتعش كمن داهمه خطب كبير ولا يعرف حتى ماذا يفعل ، فكان الارتباك مسيطرا عليه والتردد يصاحبه فى كل حركة ولفظ . فكلما ضاعفت هى من امتناعها ازداد هو الحاحا وتشددا ، وخاصة عندما لم تحاول فضحه لدى شقيقتها مستعملا بذلك طرقا عديدة لفظية منها وحركية ، فاذ ما غص بعباراته الماجنة ، اكتسحته حمى الجنس ، واندفع نحو معبودته الصغيرة ، التى ما ان تشعر بالخطر حتى تهرع الى جانب أختها تتصنع الهدوء ، أما فى غيابها فتقف أمام الدار حتى عودتها
كانت ملاحقة لا تنتهى ، يقظة كانت أو نائمة ، ولمعاناتها مما ضاقت به نفسها ، دب فيها الذبول بيد الايناء ، وفقدت ابتساماتها العذبة ، وعباراتها
اللطيفة ، وأمسكت عن الطعام الذى ما عادت تحن اليه ، وحتى الماء فقدت مذاقه العذب ، وكثر انطواؤها بغرفتها ، وأصيبت بالارق الدائب ، حتى اذا ما غفت برهة ، فانها تصحو منذهلة جاحظة العينين وعلى شفتيها نصف شهقة ومشروع صرخة ، وتعددت الرؤى المفزعة وفقدت الاحساس بلذة الحياة . ولما ازدادت حالتها سوءا عجل بها الى طبيب نفسانى لم يغص فى أعماق نفسها ليستأصل منها جذور العلة ، واكتفى بمعافاتها جسديا .
- فجأة أمسك عن ملاحقتى وهدأت ثورته الجنسية الجامحة وسعى الى ارضائى مع عدم اثارة ما كان به وبى ، محققا كل طلباتى تقريبا ، ولعله رأى فى الصلاة خير منجاة له من نزوته تلك ، فيتعمد الغياب عن البيت عند وجودى به وحيدة ، وينزوى بمسجد الحي ، واذا صادف والتقت أعيننا فسرعان ما يزيغ ببصره عني ويتلهى بأي شئ آخر يذهب عنه الحرج . كنت ألاحظ فيه الندامة ، ولعله كان سعيدا وانا غائبة عنه ، ولكن بمجرد حضورى يسوده اضطراب يدفعه الى التكلف فى كل تصرف ولفظ ، وحز فى نفسى أن أراه يتعذب بندمه وبى ، ولم أجد بدا من ان اعيره انتباهى كابنة مدللة أجالسه وألاطفه وأبالغ تارة فاختطف منه قبلة امام شقيقتى ، حتى أثنجت ما يعتمل فيه من عذاب يتضخم بوجودى
- وقفت عاجزا أمام حالتك ، بعد ما أنهيت كل ما لديك من معلومات ، وخاصة بعدما تبين لى أن هناك حلقة مفقودة فى السرد ، لذا كنت مضطرا للضغط على عنصرين ، حتى ينيرا لى الحلقة المظلمة ، وقد أصرا أولا على الصمت ، ولما واجهتهما بأنانيتهما وبالحقيقة فى أن إصرارهما على عدم الاعتراف بما يخفيانه على من معلومات تخصك ، قد يتسبب فى ادامة حالة العمى
وقالت وهي تهتز وتسوي من استلقاءتها : - أجهل أن غيرى يعلم قصتى أكثر مني - ما قلته كان حقيقة ، لكن عقلك الباطن أنساك حادثا هاما استحابة لرفضك
- إن زوج شقيقتى وحده الذى قد يفيدك لا غير ...
- بل كنت واهمة ، ان شقيقتك كانت على علم بكل شئ ، وكانت آنذاك فى حالة نفسية غير طبيعية من جراء سقمها ، مما جعلها لا تحسن المواجهة فاتسمت بالسلبية المطلقة حتى وزوجها يلاحق شقيقتها لاغتصابها .
سنوات ثلاث قضيناها معا وكأنها الحلم الجميل ، قبل أن نصدم بالعقم الذى سكن تجويف أرحامى ، وأحس بأنفاسه مذبذبة ، لا تستقر على رتابة ، لكن طيبته وتقواه جعلاه مستسلما للقضاء والقدر ، وكان فى ذلك عزائى أنا ايضا ، بينما كانت شقيقتى البلسم الذى ضمد جراحنا والروح البديلة ، التى ساعدتنا على تحدى الخيبة واليأس ، وما كنت أخال أن يصير زوجى عاشقها بعد . انفجار حسنها ، وبروزه فى أجمل وأكمل أنثى رغم صغر سنها ولم تبلغ من العمر السادسة عشرة بعد ، حتى انى قبل الملاحقة شعرت بالغيرة تدب في ، ولكنى استبعدت وقوع ما أكره من ذهنى لتدين فى زوجى
ولعل شقيقتى بالغت فى التجميل ، غير محتسبة ، أن داخل رجل البيت الطيب ، يدجن وحش يتضخم يوما بعد يوم ، وتسقط فيه وصايا الخير الواحدة تلو الاخرى ، حتى اذا ما اشرفت على النفاد كان الوحش قد تهيا للفتك وتوالى شروده وتذبذبه وملاحقته لها بالنظر تارة ، وبالمداعبة المبالغ فيها والتجرؤ بالملامسة .
وبدأ جليا نفوره منى ، فأفتقده الاسبوع ويزيد ، وهو يتقلب فى صراع مع الشوق والكرى وتصدر منه همهمات وغمات هى افرازات الحمى الجنسية التى عهدتها فيه قبل زواجنا ، ويشتد عذابه فيعتلينى وينفلت من لهاته ولهاثه اسمها محشرجا ولو لم أكن مجندة كل حواسى لما تبينته ، كان ذلك دليلا بأن الوصايا لم تسقط كلها ، وان نزعة التطهر فيه لم تمس ، وهي فى صراع مع الوحش ، وكان عزائى أن لو وقع التلاحم لانطفأت الثورة .
لا تقل انى كنت مجرد متفرجة لمشهد غرام ، ينتهى تفاعلها به بمجرد انتهاء المشهد ، بل كنت أصطلى بنار ذلك ، ويشتد بى غيظ التى غلبت على أمرها ويهدر بركان في داخلى فاكبته ، ويزداد حنقى ويسود السواد ، وأتمنى لهما الفضيحة والعقاب ، نكالة فى الذى ما قدر على ترويض غرائزه الناهشة وشماتة فى تلك التى عدت ملاحقته لها تزكية لجمالها ، وحافظت على الصمت حتى زاد طمعه فيها . وكان عقمى ، واحساسى بأنه أقوى من السقوط ، هما الدافعان اللذان يسحقان في نفسى كل بادرة بالتفجير
وأجهشت الفتاة بالبكاء وهى تصغى الى اعترافات شقيقتها
- تزوجت امرأتى عن حب صادق ، ولم يعترنى هاجس للخيانة فى يوم من الايام ، وكانت بدورها وفية ، وازددت زهدا عندما هديت الى الصلاة ، فكانت
السفينة المباركة التى ستوصلنى إلى بر الامان ، وتملكنى تعصب عجيب فى الدين وتشدد فى تطبيق وتنفيذ أحكامه ، وأسعدنى ذلك وأحسست بنشوة الايمان ، فرقصت كل جوارحى له مما ساعدنى على تحدى بعض المحارم التى صارت جزءا من الحياة ، وكلما ازداد رفضى ازددت نقاء وصفاء ، فأرى الابواب المغلقة لدى غيرى تفتح لى ، فيزداد شكرى وحمدى لله ، وقد آليت على نفسى الانسلاخ الكلى من دنس الدنيا
لم تبلغ الثامنة من عمرها لما تزوجت شقيقتها ، فكانت لصغرها جميلة حلوة الابتسامة ، ومحببة الى زوجتى ، فاختارتها من بين اخوتها العديدات لتعيش معنا ، ونمت البنت الصغيرة بيننا وكأنها ابنتنا ، وفجأة ، أينعت وتغيرت نظرتى لها رغم ما بى من تقوى .
حاولت وكل ما أوتيت من قوة عدم الاكتراث بها ، فلا اكلمها الا لماما ، وأتكلف العبوس في وجهها وأصرخ في وجهها لأتفه الاسباب ، وكلما سنحت لى الفرصة لضربها فلا أتردد ، لعلى أحفر بينى وبينها هاوية فلا نلتقى أبدا ، ولكن ما ان اختلي بنفسى حتى أوخز بالندم لضربها وتتملكنى الحيرة وألاحق بالهواجس والوساوس وأركض وراء شهوات نفسى الخبيثة ، فأطوف فى رحاب مجونها وما ان أعي بذلك حتى انتفض مذعورا ، وتكتسحنى قشعريرة نسبتها لرواسب التقوى .
وعبثا حاولت طردها من مخيلتى ، فهى دائمة الابتسام لى بوجه كالقمر وأود الصراخ فى كل شئ بأننى أرفض بغيتى فيها ، ولم تحقق الصلاة لى المنعة ، وأنى لم ذلك وقد ابتليت بها ، لتصبح الشهوة الجحيم ، والمتعة العذاب ، فى جمالها السحر والنشوة ، وفى الوصال بها هول الندامة وترقب العقاب ، وحتى دعواتى بدت مترددة ، بينما كنت ألهج بها فى مسكنة الحاضع الذليل ، كان شوقى اليها يشتد ويتضخم ليمتلك كيانى فأتنفس بها وأحيا
وأهذى كالمحموم وقد زلزل فى كل شئ ، وفقد معلمه وجدواه ، وأتذكر طموحاتى فى الرقى الى مصاف الخواص ، أو خواص الخواص ، وأتطلع الى الخوارق الربانية ورؤية النبي ، فيزداد ضيقي وتبرمى حتى بوجودى ، وعند ذروة الحنق الأعمى يتراءى لى الخلاص فى المجون والفساد فى الارض ، وأرى النجاة فى الانتحار ، وتبدو لى ضالتى فى التيه والاعتكاف للعبادة الخالصة ، لقد زعزعت ثقتى فى قدراتى .
كنت محموما بها طيلة وعيي ، ويشتد ضغط قفصى الصدرى ، وتسرع دقات قلبى وأختنق بأنفاسى ، وهي بقرب أجن من نفسى لاندفاع الدموع من مضيق المحجرين ، وفى خضم عذابى بها والغفران والعقاب ، كانت أساريرى تنفتح ، وتنفرج شفتاى توزعان الايتسامات ، وتكلفت حركاتى فامتدت أعضائى تلامس اطرافها ، ويشتد لهاثى لذلك ، وفجأة أحسست بأنها تفطنت لمقصدى فتحاشتنى ما استطاعت ، وكان الهاتف قويا ، فانطلق فى اثرها ألاحقها فتصدنى برفق وألح عليها فتفر منى وتهرول بعيدا .
لقد آلمنى لى وكنت أحلم بضمها الى صدرى أو بلثمة على خدها الوردى ، لعل نفسى تهدأ ، استبعد الوصال ، فرغم شوقى الكبير اليها ارى فيه الدنس الاكبر ، والاثم الفظيع ، وأنا فى وعيي الكامل متجردا نسبيا من حمى انوثتها ، أفخر بمحافظتها على طهارتها وعند ضعف الوعى والتجرد أسقط فى متناقضات لا أول لها ولا آخر
وفى خلوتى أعود بلهفة كبيرة الى صلواتى أطلب الغفران ، بينما الهاجس يرسم لى المشهد الساحر الجميل وأتيه بين استغفار ربانى واستلذاذ جنسى ، وأضيق بتناقضات نفسى وأود الصراخ وأتكوم على أشلائى أبتغى البكاء وأستكين من جديد أجدد الاستغفار
منذ كنت صغيرة جعلت بينك وبينه حاجزا ، فلم يقدر على احتضانك يوما او يلثم خدك أو حتى يلمسك كأب ، وحتى وقد صعق بعقم زوجته لم تنفطنى انه كان فى أشد الحاجة اليك كابنة لا غير ، فتولد فيه فراغ موحش ، حتى اذا ما اكتملت أنوثتى ، لم ير فيك غير جسد غض حسن ، وتغيرت أشواقه من حب طاهر الى حب دنس ، لذا ترينه قد هدأ كليا عندما أثلجت صدره ببعض القبلات اثر التعقل والتوبة ، رغم أنك تجهلين انعكاسات ذلك عليه وتتقدين نضارة وجمالا ، بينما لم يكن يعلم بما يحتمل فى داخله من اضطراب نفسى . فلقد كان هو أيضا فى ذلك الحين يمر بأزمة نفسية حادة ، ولو لم يكن جانب الدين فيه قويا لكانت الطامة
لقد غادرت شقيقتك البيت لبعض الشؤون ، واقتحم عليك الغرفة وهم بالارتماء عليك ، ومن هول الصدمة النفسية فقدت وعيك قبل ان يلمسك وسولت له نفسه المريضة اغتنام الفرصة الذهبية ، الى احتضانك للمرة الاولى والاخيرة فيطفئ أشواقه المركزة فيك أنت بالذات ، وينفرج كبته ثم يعود الى
عبادته يطلب الغفران ، ولكنه تفطن بأن الانفراج قد حصل بانقطاع الصد وان الذى بقى منقوصا هو دنس وعجز وندم قد يدوم العمر كله ، ويورث اثما كبيرا ، بينما الفرصة سانحة للنجاة والخلاص ، وقبع على ركبتيه أمامك وقبل جبينك وغطى جسمك بلحاف وغادر الغرفة مغلقا الباب وراءه . وفي هذا المكان بكى كما تبكى المرأة الثكلى وهو لا يفتأ يردد كالذى نكب فى فلذة كبده ، لو كانت عيناه تنفعان لمنحك اياهما
لقد أنساك عقلك الباطن ما ذكرت من اقتحام عليك ومحاولة اغتصاب ، ولم يذكرك بها الا بعد تكرار الحالة الصحية والنفسية المتدهورة ، فقد تعبت فى الايام السابقة ، فضعفت الطاقة بالخلايا العصبية كالمرة الاولى وتكرر المشهد ، وعوضا ان تري زوجك صعقت بوجه زوج شقيقتك ، لقد سجل عقلك الباطن تلك الصورة التى لاحقتك بما تنكرين لا تلك التى تطهرت .
كنت تنهشين باعتقاد ، بأنك غير عذراء ، وكان هذا متأتيا من احساس غامض بأن الملاحقات ربما أسفرت عن افتضاض رغم اليقين بانك لم تتعرضى لاى اغتصاب ، وكان شعورك بالارتباك والخوف عند دخول غرفة النوم ليلة الزفاف هو نتيجة ارهاق ، وانت أحق بالاعتراف منى بانك فقدت كل تلك الاحاسيس بالعلاج الجسدى والنفسى معا .
اشتد اضطرابها بعد تركيز كامل لحواسها ، وأغمى عليها ، ولما أفاقت بعد برهة كانت أقباس من نور تتراقص أمام عينيها ، ورويدا تقترب منها ملامح دامعة .
