الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 6الرجوع إلى "المنهل"

اعتراف

Share

( تنبيه ) ( الوقائع في هذه الافصوصة خيالية محضة )

. . . . وجلسا على الرمل كعادتهما ، وكانت هذه ليلتهما الثالثة ، واضطجعت هى على الرمل ، بعد ان وضع تحت رأسها عباءته الصوفية الثقيلة ، ولم يطمئن به مجلسه حتى ألتي بالكوفيه عن رأسه ، واتكا بمرفقه على الرمل ، وأخذ يداعب شعره بيده ، ويفكر ، وكانت تنظر اليه صامتة ثم تدير عينيها فى القمر الذي اكتمل فصار بدرا ، وتنظر الى تموجات اشعاعه فى البحر امامهما ، وتتأمل هذا العاشق الذي يغازل القمر ، والذي يموج ويضطرب بما فى قلبه من عواطف وشجون .

. . . وجلسا ، وطال جلوسهما وتحدثا احاديث عادية ، واجتهد هو في ان يدير الحديث ويبعده عما يجول فى نفسه فلم تكن احاديثهما على كثرتها تتصل الا لتتقطع ، تقطعها قوة لا يعرفانها وان كانا لم يفكرا فى ان يعرفا ما هى . . .

وأخيرا كأنمامل من جراء ما يعانيه فاعتدل فى مجلسه وقال لها : ألم اقل لك امس اني اخافك ؟

فحولت نظرها من القمر اليه مستغربة ، وقالت فى لهجة كلها تعجب واستفهام : تخافني انا ، ولماذا بالله ؟

فقال : انما اعنى اخاف . . اخاف ان احبك ، واضطربت لهجته فلم تكن تخرج الحروف من فمه الا متقطعة فسكتت ، وسكت هو ، ثم قال :

ان الخوف من الحب هو الحب بعينه ، بل هو الحب فى صميم اشكاله . وأبين معانيه ، فاذا قال لك انسان مثلا انه يخشى ان يحبك فاعلمي انك قد ضمنت عاشقا جديدا .

لقد عرفت هذا من قبل بالدراسة والتفكير ، اما امس ، اما البارحة . فقد عرفته حقيقة ، عرفته ولمسته بيدي ، بل بقلبي ، وعينى ، وكل جارحة في .

عرفته لاني قضيت الليلة كلها ساهرا أفكر فيك وفي نفسى . .لقد كنا الى امس صديقين ، صديفين فقط ، فلا اضطراب ولاخوف ، ولا قلق ولا تفكير ، ولكن ليلة البارحة ومادار فيها من حديث ، وحالتك فيها احدثت فى نفسي تأثيرا جديدا ، ليس هو من الصدقة ، ولكنه من الحب ، من الحب الصارم العنيف .

الا تعلمين انك امس كنت جميلة ، جميلة الى حد السحر والجنون ، جميلة بنظرتك الحزينة إلى البدر ، بعينيك اللتين تنظران لا الى شئ ، بقلبك المضطرب الذي يعلو ويهبط حائرا بما يجن ، بأملك اليائس ، بذكريات حبك القديم ، جميلة بكل هذا وبأكثر منه ، بنفسك الوادعة المستسلمة ، بجمالك الطبيعي الفتان .

نعم لقد كنت البارحة كالملاك ، كالملاك الذي يطير بجناحين من النور ، طاهرة كالنسيم ، نقية كالزهرة المطلولة ، شذية فائحة العطر ، زكية طيبة الأريج .

واني لأشعر ان حبك قد تغلغل في قلبي ، وسري في دمي ، وجرى في عروقي ، ولست ادري ماذا ستكون حياتي معك وانت انت ؟ ؟

فقالت اعرف انك تحبني ، ولكنى لا اعرف ماذا يخيفك من حبي ، الست امرأة من النساء وانت رجل من الرجال ؟ قال كلا ، اعني انك لست امرأة عادية وانا ايضا لست عاديا ، كلانا مختلف عن الآخر بل هو نقيضه على طول الخط . انت هادئة وادعة ساكنة ، وانا ثائر متفزز مضطرب ، انت تؤمنين بالتثليث فى الحب ، بل والتعشير فيه ، وانا اناني موحد ، انت امرأة ذات تاريخ وكفى .  .  .

فسكتت وبدا عليها التفكير ، وندم هو على ما فرط منه واحس بانه كان قاسيا فى كلامه ، واخذ يحاسب نفسه ويشتد عليها .

لماذا قال ما قال ، الم يكن الأولى لو سكت ، وكتم ما في نفسه وترك الأيام تفعل فعلها فى هذه العاطفة التى اخذت عليه السبل واعترضت طريق حياته فغيرتها بين يوم وليلة ؟

لقد كان يراها من زمن طويل ؛ وقد عرفها قبل اليوم . واتصلت اسبابه باسبابها حينا من الدهر ، في اوقات متفاوتة ، وكان في كل مرة يشعر بتأثيرها في نفسه غير انه كان يهرب منها ، بل كانت تهرب منه على الاصح ، فلم تكن تشجعه على ان يزيد صلته بها لو يؤكد معرفته لها بصورة غير عادية .

اما فى هذه المرة ، فى هذه الليالي الثلاث ، وفي الليلة الأخيرة خاصة ، حينما حضرت بنفسها للسؤال عنه ، وحينما بحثت عنه كثيرا حتى وجدته ، وفي هذه الجلسات الساحرة على رمل الشاطئ في ضوء القمر ، وحيدين الا من الحب والذكريات فعسير عليه ان يتخلص من تأثير هذه الفتنة ، وعسير عليه اكثر ان يكتم ما يجن صدره ويعتلج بين جنبيه .

ولكن الم يك كافيا ان يعترف لها بحبه دون هذا التطويل ، ودون هذه القسوة والمرارة التى تفيض بها نفسه ؛ وماذا يكون ياتري تأثير هذه الكلمة الأخيرة فى نفسها - امرأة ذات تاريخ -؟

انها كلمة كبيرة ، تحمل كل شئ ، لابد وانها اثرت فى نفسها كثيرا ؟ ورفع نظره اليها فوجدها ساكنة واجمة حزينة ، وصور له وهمه واحساسه الدقيق انها متألمة من كلامه فانحني عليها ولمس يدها وقال فى لهجة رقيقة خاضعة خاشعة .

لقد كنت قاسيا ، فسامحيني ارجوك العفو . فلم تسحب يدها ونظرت اليه ضاحكة وقالت . انك والله لغريب التصرفات ، وماذا فعلت حتى اغضبتني ، وماذا يمكن ان

تفعل حتى تغضبنى ؟

فسألها - الا يثقل عليك كلامي ، الا تضيقين بمجلسى ، وتسأمين احاديثي ؟ فعبس وجهها ، وبان الجد فى عينيها وصوتها وقالت - لو كان يثقل على كلامك لما استمعت اليك ، ولو كنت اضيق بمجلسك لما خرجت معك الى هنا ولما بحثت عنك بنفسي ، ولما هيأت هذا المجلس الجميل فى هذه البقعة الساحرة من الأرض فلماذا انت لا تفهم ؟

لقد وجدت فيك ما لم اجده في الآخرين ، رقة قلب ، وصدق حب ، ونبل نفس ، وعمق اخلاص ، ولو لم يكن منك الا هذه الأحاديث التى تتحدثها عنى فى لهجة صادقة والتي تحملها سهام نقدك العميق المخلص الي ، والذي يدل على ما تنطوى عليه نفسك من نبل لكفانى هذا ارتياحا لك ، وبحثا عنك ، وتعلقا بك .

ثم نظرت اليه وضحكت ضحكة قصيرة ثم قالت - كفاك هذا ام ازيدك ، ابك والله لبليد . وقد كان بليدا حقا هذا الذي يعترف بالحب ويستمع لصدى هذا الاعتراف ثم يخلط كل هذا الخلط ويتحدث كل هذه الأحاديث .

اشترك في نشرتنا البريدية