الأعرج : قم . يا سعد . قم يا سعد . الطريق ما زالت طويلة . اطرح عصاك . عصاك البيضاء ، يا سعد ، وتوكأ على . قم . ضع ضع يدك اليمنى على كتفى وأمسك بها ... أجل .. هكذا . ضع خطاك الآن فى اثر خطاى وسر ... هلم يا سعد .
الأعمى : يا بشر أبشر . أبشر . يا بشر . قف . أنصت . أما سمعت تدفق المياه من الدلاء فى الحياض الواسعة العريضة ؟ ... دراهم من فضة تنثر على عروس . أما سمعت تلاحقها فى السواقى ؟ أما أحسست بغوصها فى أصول الشجر ؟ ... جياد تتبارى فى حلبة سباق . الواحة منا قريبة .
الأعرج : لا واحة ولا شجر . الارض كالحة عجوز لا تنبت شيئا . كهوف وأخاديد واودية وصخور . كم ساخت بنا الارض فانزلقنا وكم تشققت تحت أقدامنا فسقطنا. رثت حالك ورثت حالى . لم يستقم لنا طريق من يوم خرجنا .
الأعمى : يا بشر . يا بشر . إسمع إسمع ثغاء الشاء وخوار البقر . إسمع رنين الأجراس . يمينك . يا بشر . يمينك . أحس بوقع أرجلها على الارض . يدفعها الرعاء الى المناهل آلافا مؤلفة كانها موج البحر . ما بك تعرج الى الشمال . يمينك . يا بشر .
الأعرج : انسدت الطريق عن اليمين فانعرجنا . المنفذ عن اليسار . التهمتك أحلامك فما زلت تتيه . لا أسمع ولا أرى شيئا . السماء هجرتها شمسها فهى رصاص مذاب . لم تهب الريح منذ ايام فلبسنا الصمت . لم يشق الفضاء طائر ولم يدب على الارض داب غيرنا . الارض خلاء . يا سعد الارض خلاء . ثب الى رشدك . دمك على العرقوب سائل . ما الذى دهانى بك ؟ من الذى ابتلانى بك ؟ .
اصطحبتك حتى لا تبقى وحدك ينهشونك فى الازقة . ما كانت الواحات قصدى . وليت المدينة ظهرى وسرت . لاهم لى الا السير .
الأعمى : صدقنى . يا بشر . رنين الاجراس فى أذنى ورائحة الحناء تغمرنى . تعرض معي لنفحها . يا بشر . هل تصدقنى الآن ؟ يمينك . يا بشر . (( ما كذب الفؤاد ما رأى )) .
الأعرج : تنبه وضمنى اليك . يا سعد . واشدد إنا على شفا جرف هار . كل خطوة من خطانا لها وزن وأثر .
تذكر أول يوم عرفتك فيه . كنت تتجول فى المدينة وفى يدك جرس ثقيل من نحاس مما يتخذ للبقر والجواميس . كنت تحركه على ايقاعات متعددة متباطئة وسريعة رتيبة ومخبولة . كنت تحركه فتنسج في الفضاء الوانا من النغم . رأيتك يومها تمد عنقك لتصيخ الى خافت الرنين وتهتز اهتزازا اذا تشنج الصوت واستعر . فترفع ذراعيك الى السماء وتدفع برجليك فتتقاذفك الجدران وقصدتهم . وكانوا جالسين على الاريكة صفا واحدا كأنهم صخور منحوتة . وخاطبتهم وحدثتهم عن أمور كثيرة ... حذار . يا سعد . الارض لدنه والتراب ينزلق تحت الاقدام . أمسك بى حتى نجتاز العقبة ... حدثتهم عن عودة البقر من المراعى ولا مراعى . تعود بطيئة الى المنازل وقد شبعت . تحرك أجراسها فتعلن عن قدومها . راعيها يمشى متثاقلا وراءها وقد رمى دلوه على الكتف . لا حاجة لها به . هي تعرف مسالك ودور اصحابها . فاذا وصلت دفعت برؤوسها أبواب المنازل وقصدت مرابضها وحدها . . . حدثتهم عن التصافى والوئام والطمأنينة طمأنينة البقر . فلعنوك وارسلوا عليك الصبية يلاحقونك فى الازقة ويقذفونك بالحجارة وخلصتك منهم وقد كساك دمك من الجبين الى القدم . لقد بدأت محبتى لك يومها .
الأعمى : يا بشر . لم يصدقني منهم أحد . . حتى انت يا بشر . لست مجنونا ولا مخبولا ولا تائها على وجه الارض . الواحة منا قريبة . سننتهى اليها ونحط الرحال . أى رحل ؟ وقد غادرنا المدينة بدون زاد ولا متاع . عصاى البيضاء تركتها ورائى وقد طال سيرى وتعددت المنعرجات . ولكن عندما نصل الى الواحة نحط عضلاتنا المنهكة على الارض ونتمدد وننام . ما أحوجنا الى نوم طويل فى ظل وارف !
أنصت يا بشر . يا بشر . انصت. كأنى بدوى نحل ترعى . بيوتها على مسيرة يوم واحد . سنقطع الشهد ونلوكه بين اضراسنا . المروج قريبة .
الأعرج : لا أرى نحلا . يا سعد . قبة السماء خالية . . . حقا . اسمع الآن
دويا خفيفا ولا أصدق أذنى . أرى الآن نقطة سوداء فى أقصى الافق . نقطة ضئيلة ثابتة قد تكون ذرة من غبار فى حدقة عينى ...
فى السماء
طائرة عمودية يركبها ضابطان . أحدهما يسوق والآخر ممسك بيده آلة إرسال وعلى أذنيه سماعتان .
الضابط الأول : ألو . . . ألو . . . النسر الاغبر ينادى النمر الوثاب . النسر الاغبر ينادي النمر الوثاب . . . وصلنا الى المنطقة الحرام . نحلق على حدودها الدنيا . سوف نخاطبكم اذا لاحظنا ما يلفت النظر .
الضابط الأول : أقفل جهاز الارسال . سنسمع جرسهم اذا تفقدونا وارادوا مخاطبتنا . ما ألذ الصمت وما أهدأ السكون ! انقطعت الصلة عدا سمت رقيق احتمال رنين جرس يدل على انهم افتقدونا فأرادوا ربط الصلة بنا . . . ما احلى الحرية . نحن احرار نحلق فى الفضاء . نحن احرار . نقدر اذا دعا داعيهم أن لا نجيبه .
الضابط المساعد : ما بك ؟ هوس الفضاء يأخذك من جديد ؟ نشوة الهواء الصافى الطليق تهزك ؟ هل تذكر يوم كنا فى طائرة نافورية استطلاعية على ارتفاع ثلاثين ألف متر ؟ كف هدير المحركات واستقرت الطائرة فكأنها لا تطير وانتحت الارض زاوية من الافق البعيد فلم يبد منها الا قوس أزرق اللون باهت . والتفت الى وقلت : لو اقتحمنا الفضاء ؟ لو دفعنا طائرتنا محررة من الحاذبية فى حركة ليس لها نهاية فنصبح فى الفضاء جرما من بين الاجرام ؟ وداعا يا موطننا يا أرضنا يا أمنا يا سجننا . . . أبناؤك آختاروا الفضاء عليك ... وادركت انك أصبت بجنون الفضاء فأشرت اليك بالقفول .
الضابط الأول : امقت الحياة الزاحفة . ليتنى كنت طائرا ابدا لا أنزل على الارض ولا أطأ تربتها .
الضابط المساعد : كفى تيها وأحلاما عذابا . قل لى . ما هذه الارض التى نحلق فى سمائها ؟ .
الضابط الأول : افتح خريطتك وانظر . هي منطقة محرمة مراقبة . فيها
نقاط تحمل أرقاما هي مدخرات للسلاح ومصانع مدفونة ومخابر خفية تجرى فيها تحارب سرية . أرض مبعثرة عبوس كأن محارث العمالقة قلبتها ومزقت تربتها . ولكن تحت طبقات أرضها مدن آهلة يعمل فيها خلق كثير كأنها أجباح (1) نحل أو بيوت نمل . لا شئ منها يرى فوق سطح الارض . حركاتها وصلاتها مستترة خفية لا تجرى الا ليلا . جئنا فى مهمة استطلاع ومراقبة .
الضابط المساعد : قل لى : ما هذه الاودية التى تشق أرضها الحمراء الجدباء ؟ .
الضابط الأول : هي انهار جف ماؤها فبقيت أثرا بعد عين . انظر عن يمينك هذا الجبل الذي تعددت رؤوسه ودقت فبدت كأنها أسنان مشطى .
كانت المياه تنحدر منه أنهارا غزيرة وثابة تسقى البطاح والسهول . ولكن أصابت هذه الارض أهوال فجفت سماؤها وهجرها أهلها منذ آلاف السنين .
الضابط المساعد : وهذه المسالك ؟ وهذه الطرق المعبدة ؟ .
الضابط الأول : كان بها عشب وشجر . وكانت بها فيلة فى الغابات وتماسيح فى الانهار وافراس ماء . وكان بها الكركدن وكان الرعاة يسوقون أمامهم البقر متنقلين بها بين المراعى . كانوا يبنون خصاصا مستديرة مقوسة ويقضون السهرات تحيط بهم أبقارهم ذوات القرون الطويلة . فيها الاسود كالابنوس والابيض كالثلج والابقع والاصفر القسطلانى . وكانوا يدفعون عرباتهم تجرها الخيل على الطرق المبلطة . لقد عصف بهم عاصف الدهر فأصبحوا أحاديث .
الضابط المساعد : وهذا الجبل الابيض البراق عن الشمال ؟
الضابط الأول : هو مقطع ملح . كانت تؤمه قوافل التجار فتحمله الى اقاصى الارض . كانوا يبيعونه بمثل وزنه ذهبا خالصا وتبرا .
على سطح الارض
الأعرج : يا سعد . أمسك بى واشدد وعجل الخطو وكف عن الهذيان
الأعمى : لم نعجل الخطو ما دمت لا تصدقنى ولا تعرف المقصد ؟ اقترب الدوى . الواحة منا قريبة . اذا كان ما تراه نسرا فانه قادم من مكان آهل .
الأعرج : أخرس . يعلم جميعنا ان النسور تفر من العمران ولا تسكن الا الاراضى الخالية الموحشة . . . وهذا طائر ثقيل غريب ما رأيته قط . يطير ولا جناح . أوجس منه شرا . سر يا سعد . سر .
الأعمى : الى اين نسير ما دمت لا تهتدى أيها المهندس الاعرج ؟ لقد وثقت بك وأنت المخطط المصمم فتبعتك . لماذا قررنا مبارحة المدينة اذا لم يكن لنا مقصد ونهاية مطاف ؟ .
الأعرج : لنشم الهواء الصافى ونملأ به صدورنا . يا سعد . لنطأ الارض البكر باقدامنا ونلمس الصخر الصلد بايدينا . لنقبض على الرمال النقية ونسيلها بين اصابعنا عندما نجلس لنرتاح . لنحس بانفسنا نحيا ونتنفس دون كدر ولا ضيق .
الأعمى : ادركت الآن لماذا لم يفهموك فنبذوك فصرت تقبع بجانبي كل مساء فى اقصى الزقاق . وكنت تقول : عبثا نحاول احياء الميت والميت لا يحيى عبثا نحافظ على الغصون الذاوية فماذوى منها يقص لتتفتح البراعم . الحبة تموت ليحيا النبات ويخضر . لننزع الى مستقبل ايامنا كسهم انعزل عن قوسه طليقا فى الفضاء لا يتوانى ولا يتردد ولا يعود القهقرى .
الأعرج : نعم يا سعد . كانوا يبحثون عن مهندس لاشغال المدينة فتقدمت فانتدبونى . وتجولت فى دروبها وزرت اسواقها وتوغلت فى منعرجاتها وازقتها وتهت فيها مرات وعاشرت أهلها ورأيتهم حيارى يتنقلون فيها ولا يخرجون من بوتقتها مهما اجتهدوا كخيل فى زريبة او نمور فى قفص . جميع الازقة منعرجة تنصب بعضها فى بعض ولا منفذ . وشاهدتهم يتعثرون في أكوام من الاوحال والزبل كدستها القرون الخوالى . فشمرت عن ساعدى وجلست أمام مكتبى ورسمت لهم مخططا لمدينة جديدة تقوم على أنقاض تلك المدينة . وضعته واضحا بسيطا ليكون أقرب لأذهانهم .
مربعات متعادلة وسكك عريضة مستقيمة وقلت لهم : (( لتكن مدينتنا مفتوحة من جميع جهاتها الى الفضاء الرحب والبرارى الواسعة . لنترك الشمس تنفذ فى كل مكان فتطارد الظل اينما كمن وتقضى على الافاعي والحشرات . لنترك الرياح الاربع تخترق سككها وتدعو دوما أهلها الى الرحيل والتحرر والتجدد)) ما وافقوني وشق عليهم أمرى فنبذونى . ما رموني بالهوس ولا بالجنون ولكن تحاشوني كما لو كنت وافدا من كوكب مجهول ولفظونى كما تلفظ نوى التمر عندما يصطدم بها الضرس فتؤلمه .
الأعمى : يا بشر . يا بشر . يا أخى . وجودك بين الناس يقض المضاجع ويترك الاجفان ساهرة . كنت تسير بينهم عالي الرأس مستقيما لاخفاء عرجك كل خطوة من خطاك تغلب على نفسك وظفر . سيرك بينهم كان يخجلهم ويخزيهم . . . الى اين يا بشر ؟ .
الأعرج : سر . يا سعد . مازلنا على شفا الوادى نسير
فى السماء
الضابط المساعد : قالت لى زوجتى هذا الصباح وهي تودعنى ((كبرت أولادك وكبرنا . لم نشبع بحضورك بيننا - أضناك العمل وشغلك عنا . والحياة قصيرة متى نشترى بيتا ريفيا نأوى اليه ونرتاح . سئمنا ضوضاء المدينة وخنقنا دخانها وانسدت امامنا الآفاق . نزرع الورود وتعتنى أنت بسقيها وزبرها وتشكيلها لانك تحب الورود . ويكون لنا فى البستان شجر الرمان وأنا أحب الرمان اذا كان داكن الحمرة مشققا ترى حباته من الشقوق كأنها فصوص الياقوت . وتكون لنا بئر عميقة وحوض وبعير يجر حبلا طويلا فى طرفه دلو من جلد له كم . هل ستفك قيودنا ؟ هل يفرج كربنا ؟ هل يكون لنا يوما فى الريف أو هل هو حلم من الأحلام )) ؟ .
الضابط الأول : والنعيجة والكلاب والبقرات السمان والجحش الذى يقفز الصبية على ظهره فيطرحهم على الارض والبستانى الذي يصيح وشبابة تنوح وراع ومخلاته فيها كسرة شعير وحبات زيتون ؟ . . اذا لم يكن لك هذا كله كانت سعادتك منقوصة . . . أفق . . . استيقظ . . اعرض عن هذا أما رأيت الفضاء المترامى الذى لا يحده أفق ؟ أما أما رأيت تحتنا هذه الارض القاحلة التى نضب ماؤها وهذه الجبال السوداء التى بعثرتها الزلازل وأحرقتها نيران البراكين وهذه الاودية التى حفرتها سيول من المعادن المذابة ؟ . . .
الضابط المساعد : انظر . هل رأيتهما ؟ هنالك على سفح الجبل . هما متحاملان متعانقان . كأنهما سكارى وما هما بالسكارى . أحدهما أعرج . انظر كيف يضغط برجل ويشيل الاخرى . وصاحبه . أنظر الى صاحبه . يجر قدمه على الارض ويلوح بذراعه . هو أعمى لانه يرفع رأسه عاليا ويحاول التعلق بالفضاء . أعرج يقود أعمي .
الضابط الأول : المنطقة محرمة . أنظر فى الخريطة مكانهما ووجهتهما . وأخبرنى حالا .
الضابط المساعد : ((يفتح الخريطة )) . هما على سفح ربوة الفيروز مشرفين على وادى التماسيح . يتجهان نحو النقطة رقم 24 وهما على بعد مائتى متر تقريبا منها . النقطة حمراء فى الخريطة هى مصونة اقصى الصيانة .
الضابط الأول : أمسك جهاز الارسال وأخبر القيادة . الضابط المساعد : ألو . . . ألو . . . النسر الاغبر ينادى النمر الوثاب النسر الأغير ينادى النمر الوثاب . هل تسمعون ؟ . . . أجل . . . نشاهد رجلين على سفح ربوة الفيروز يتجهان نحو النقطة 24 . احدهما أعرج والآخر أعمى ما زالا على بعد مائتى متر منها . . ما الصنيع ؟ . . كيف ؟ . . نقترب منهما قليلا لنتتبع حركاتهما ؟ . . ونبقى باتصال معكم ونخبركم عن مدى تقدمهما نحو النقطة مرة كل دقيقة . . كيف ؟ . . أوضحوا . . لا أفهم ما تقولون . . كيف ؟ نخرج الرشاشتين من انثقبين الاماميين ونستعد لاعدامهما عند أمركم . أجل . الى اللقاء بعد دقيقة واحدة .
الضابط الأول : انزل هذا الزر . أجل . خرجت الرشاشتان . حزام الخراطيش معلق فى مكانه ؟ ثبت زر القذف عن اليسار . هل رأيته ؟ . . لنقترب قليلا . الضابط المساعد : أنظر . أنظر . كأنهما يغيران الاتجاه . ماذا دهاهما ؟ مسيرتهما الآن نحو الشرق . أى وجهة ؟ النقطة 37 . نقطة خضراء . النقاط الخضراء عليها علامة الخطر . انهما معرضان معرضان لخطر جسيم نجهله . لم يمض من الدقيقة ، الا أربعون ثانية ننتظر الميقات المحدد لنخبر القيادة بامرهما الضابط الأول : ماذا دهاهما ؟ ماذا دهاهما ؟ وهل أفهم اليوم شيئا ؟
على سطح الارض
الأعمى : يا بشر . يا بشر . لماذا بدلنا الاتجاه . أحس بذلك فى جسمى تدعو الى الاستقامة يا بشر . وطريقك غير مستقيمة .
الأعرج : يا سعد . شق طريقنا سيل من الحصى والحصباء انحدر من تدعو الى الاستقامة يا بشر ، وطريقك غير مستقيمة .
الأعمى : صدقنى . يا بشر . الواحة منا قريبة . لو تركتنى أقودك ؟ أنا الاعمى الرائد لو صدقونى . قلبى خبيرى ونذيرى . قلبي قد اكتشف المسالك المؤدية . استمع الى واجعل من فؤادى دليلك . وتثبت اين نضع خطانا وأقلنا العثرات والزلق .
الأعرج : لو تركت لك القيادة لصدتنا الصخور أو ابتلعتنا الأخاديد . ليس لنا الخيار . الطريق واحدة مفروضة تشق الوعور وتتجنب الزلق . انس حديث الواحات .
الأعمى : الواحة منا قريبة . يا بشر . قريبة . ولا ريب . هنالك حقول من الورود والبنفسج وهنالك يزرعون الزعفران لان المياه غريزة . وهناك الحناء تفوح .
الأعرج : لا ورود ولا بنفسج ولا حناء ولا زعفران . الصخور قابعة رابضة مترصدة حمراء كالنحاس وسوداء كالابنوس . صور من صخر منحوتة بعثرت فى كل مكان . كأن جيلا من العمالقة قد الجبال وترك هنا تماثيله واصنامه . ثب الى رشدك . يا سعد . لقد قطعنا صلتنا بالفانية .
الأعمى : صدقني . يا بشر أسمع صهيل الخيل . أسمع الطبول والمزامير كأنى بالفرسان يستعدون للركض في الميدان . اليوم يوم عيد . الجياد تتبختر وهي تدور فى الحلبة . تهز رجليها على نقر الطبول . أسمع وقع الحوافر على الارض . . . النغمات تستعر . . . ايقاع الطبول يختبل . . الجياد تركض . الفرسان وقفوا على السروج بنادقهم فى ايديهم . طلقات البارود تتوالى . اليوم يوم عيد . هنيئا لنا هنيئا ! .
الأعرج : اسكت يا مصبية . هذا الطائر الثقيل قادم . يمزق القضاء تمزيقا . له صليل وصيهل . قد رفع صدره وأرخى ذيله ودفع رجليه أمامه ما رأيت طائرا يطير هكذا . له هدير وجرس . وله هيجات وفرقعات . امسك بى يا أخي . نولى على أعقابنا ونختفى .
الأعمى : هذا الطائر الميمون . سيكون دليلنا ورائدنا . نفسى تتوق اليه روحي فداه . الأعرج : اسكت يا سعد . حتى أتبين الطريق .
الأعمى : ماذا يا بشر ؟ زلت قدمى . أنا أسقط . ليس لسقوطى نهاية ماذا جرى ؟ كانى فى جوف جب عميق . ضاقت انفاسى . أين أنت يا بشر ؟ الأعرج : بجانبك يا سعد . لم يكسر لنا عظم ولم تدق عنقنا وهذه معجزة سقطنا في قعر الوادى . نبقى هاهنا ساعة ثم نقوم لنواصل سيرنا . يا سعد .
فى السماء
الضابط المساعد : بعدما بدلا الاتجاه غابا عنا كأن الارض ابتلعتهما . . نحلق ونحلق دون أن نعثر عليهما . . ماذا ؟ . . ما تقولون ؟ . . . المنطقة كلها ألغام ؟ ربما نسفا نسفا ؟ . . . ولكن لم نسمع فرقعة ولم نر دخانا الامر عجيب . كيف ؟ . . نواصل المراقبة والتحليق ؟ . . ثم ماذا ؟ . . ما فهمت . أوضحوا . . . نرميهما بالرصاص اذا رأيناهما ؟ ولكن ألا ينبغى ان نتثبت من أمرهما ؟ لا شك أن أحدهما أعمى وماذا يصنع الاعمى ؟ وهل يمثل الاعمى خطرا ؟ . . . ماذا تقولون ؟ . . . الاوامر هى الاوامر . طبعا ولكن هل هذا أمركم ؟ لا . . . افضل هذا . . . نستعد لاعدامهما ولكن نتأكد من اتجاههما ونستشير كم قبل إطلاق الرصاص . ماذا تقولون ؟ آه ! لم يخرجا للتنزه . نعم . هذا صحيح . لم يخرجا للتنزه . الامر يحتاج الى تثبت انتهى الارسال .
الضابط الأول : متى ينقشع هذا الغيم ؟ متى تطلع الشمس ؟ ضاقت نفسى الارض لها تجاعيد كوجه العجوز . كل جرم يذوب فى هذا اللعاب الداكن ... ماذا ؟ هى الشمس بزغت . هى الشمس الوهاجة . هى الشمس تمزق الغيوم تمزيقا . ما أبهى منظرها وما ألذ مسها للجلد . تزيل الصدأ من البدن وتدفى الفؤاد .
الضابط المساعد : الارض لبست ثوبا قشيبا زاهيا . لعبت أشعة الشمس بمعادنها وفصوصها فانبجست منها الوان متلالئة لماعة . كل شئ فيها يبين جليا كما لو وضع على صفحة مرآة . اين هما ؟ الاعرج والاعمي . اين هما ؟ غابا عن ناظرينا . نحلق ونحلق دون جدوى . تفقد كمية البنزين .
الضابط الأول : انظر اليهما . أنظر . يطلان من الوادى . يدبان دبيبا على سفح ربوة الزمرد صاعدين الى اعلاها . . هما متحاملان متعانقان يتهاديان فى مشيتهما ويتبختران فى رونق الشمس ولفح الضحى .

