استرعت " جازان " ومقاطعتها فى المدة الاخيرة اهتمام الكثيرين عندما وجهت الحكومة شطرا من عنايتها نحو هذه المقاطعة بابتعاث وفود من الخبراء الفنيين للتعقيب والكشف عن المعادن المطمورة ولدرس مدى خصوبة الاراضى الزراعية وعمل تصاميم للسدود والخزانات اللازمة ، وتوسيع المدارس الابتدائية الى 63 مدرسة ، وتنفيذ مشروعات الماء والكهرباء والثلج وشركة الملح وشركة صيد الاسماك وغير ذلك من الاصلاحات العامة مما استرعى اهتمام الكثيرين وأوجد مقالا للقائلين وأصبح حديث القوم فمنهم من يقول : انها بلدة زراعية وإن سكانها لا يتجاوزون ألفا . ومنهم من يشيد بذكرها ويرفعها الى المستوى اللائق بها ، وغير ذلك من معلومات لا تستند فى ذاتها على أساس علمي أو معلومات صحيحة
وها أنا اكتب هذه الرسالة وبين يدي مجلة وطنية يسألها أحد القراء أيهما أصح فى النطق : ) جازان - أم جيزان ( وقد أجابت المجلة بأنها ) جازان ( وتستند فى ذلك على حديث شريف رواه الامام المحدث يحيى بن آدم : ) قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لن يلتك الله من عملك شيئا ولو كنت بغمدان وجازان ( والظاهر كما هو المتداول بين التهاميين أن لفظة الحديث ولو كنت بضمد " على وزن فعل " وجازان
هذا وانى أرى وأنا كمواطن ان اطرح بين يدي القراء صورة واضحة " لجازان " فاقول : جازان هذا هو الاسم التاريخي ، ذكره ياقوت الحموى وغيره من المتقدمين ويقول الرحالة أمين الريحاني فى الجزء الاول من رحلته العربية : ان جازان تشتق من كلمتين : " جاء " و " زان " أى جاء اليهاوزان حاله " وقال : " ان جازان بلدة قديمة فى تهامة
بناها أحد المحسنين الى الانسانية ليقرب أبناء الجبال من الرزق . احد المحسنين المدفونة أسماؤهم فى آثارهم " وقال : " جازان مركز استيراد وتوزيع . جازان مورد تجرى اليه الاموال من هذه الجهة ومن تلك . فتتوزع منه الى الجهات كلها إلخ ما قال "
تقع مدينة جازان على الضفة الشرقية من البحر الاحمر يحيط بها البحر من ثلاث جهات كالهلال وتحتضنها سلسلة من الجبال تمثل نصف دائرة والقادم اليها عن طريق البحر أول ما يشاهد جبالها الحمر من مسافة بعيدة فتتراآى له المدينة وكأنها جزيرة عائمة . وكانت اقتصادياتها قبلا ترتكز على تجارة اللؤلؤ وتصدير المنتوجات وبعد أن غزت البايان وأميركا العالم بلؤلؤها الصناعى ظلت سفنها الشراعية تجوب البلاد العربية لنقل البضائع المختلفة ، وكان غالب محصولاتها من الزراعة ومعدن الملح الجبلى الذى هو من أعظم المعادن فى الجزيرة العربية ، ويبلغ مجموع سكان جازان فى الوقت الحاضر خمسين ألفا وعندما تتدفق المياه فى شوارع المدينة سوف يرى لها شأن عظيم وسيرتفع مستوى السكان الى نسبة عظيمة
أما مناظرها الفاتنة ومسابحها الجميلة فقد نسقت باجلى المظاهر الخلابة وقد صورها أحد أبنائها الاستاذ الشاعر محمد بن احمد عيسى حيث يقول :
جازان انى من هواك لشاك فتنصتى لهزارك وفتاك
الى أن قال
ولقد نظرت اليك نظرة شاعر سامي الخيال مدله بهواك
يرعى شواطئك الجميلة هاتفا ومغردا بجمالها وصباك
يجلو المساء على بحارك فتنة رقصت لها الامواج تحت ضياك
وهجا من الشفق المذهب قد جرى تبرا يشع على سماء فضاك
وتلالأت نور الاشعة فضة ذابت على حمر الصخور هناك
ومنها
فزهت رمال الشط وهى ندية برشاش رغو الموج فوق رباك
وكأنما الأمواج حين تدافعت قبل طبعن على اغرلماك
فجلت مفاتن لا الخيال بقادر تصويرها او ان يحيط بذاك
وتعرف مقاطعة جازان بالمخلاف السليماني نسبة الى سليمان بن طرفة الحكنى الذي عاش فى اواخر القرن الثالث الهجري والذى كانت عاصمته السياسية جازان ويقال إنها الواقعة فى شمال جازان والتى مازالت آثارها باقية حتى الآن . . ويحد هذا الخلاف كما ورد فى التواريخ القديمة من حلى ابن يعقوب شمالا الى الشرجة جنوبا اى ) الموسم ( ويضم بين دفتيه زهاء مليون شخص . وبها من الاودية التى تصب من جبالها الشرقية لسقى اراضيها الزراعية احدى وعشرون واديا واليك بيانها ايها القارئ الكريم:
عدد 1 وادى جازان 1 " بليح 1" ضمد 1" صبيا 1 " نخلان 1 " وساع وشهدان 1 " قرى
عدد 1 وادى بيش 1 " بيض 1 " سمره 1 " غوان 1 " عتود 1 " حمضه 1 " مقاب
عدد 1 وادى الخمس 1 " خلب 1 " ذهبان 1 " تعشر 1 " ليه 1 " المغيالة . 1 " بني عبد الله .
وأهم منتوجاتها الذرة وهي على سبعة أصناف : زعر- وشهباء- وزيدية- وبحيدا - وغرب ابيض - وغرب احمر - وصفراء والدخن على نوعين : " بلادي " وهو المعتاد . و " عبلى " وهو اقل من الاول كما ان جبالها وهي فيفاء وبنو مالك والعارضة والعباد والحراث ، تنتج الحب الحبشى والحنطة والشعير والقهوة العربية ومن الفواكه الموز الذي لا ينقطع طوال العام فيطلق عليه اسم فاكهة الشتاء والصيف ومن الفواكه ايضا " عمبا فلفل " المسمى بباى والبطيخ والحبحب ومن الخضروات الباذ نجان الاسود والباذنجان الاحمر والبامية والملوخية والقرع وما الى ذلك .
وان انس فلن انسى البذور التى ارسلتها مديرية الزراعة وتتألف من اثنين وعشرين نوعا نبت معظمها فى تهامة بيد ان المزارعين لا يعرفون هذه البذور وصفة بذرها فلم تتوصل الى نجاح يذكر . . فالبنجر والقرنبيط والكرنب واللفت والمكانس هذه كلها لا تعرف هنا مطلقا وقد رأيت بعض المزارعين قلع شجرة من جذورها يعرضها للبيع فلم يجد من يساومه فيها فأعادها لوكيل الزراعة فى جازان مثمرة يداعبها النسم وقد وصلت بعد ذلك تعليمات البذور موضحا بها اوقات الزراعة
وان هذا الوادى الخصيب لتعقد عليه آمال عظيمة لليهوض بشؤون الزراعة والرى الملقي مسؤليتها على كاهل وزيرها الشاب صاحب السمو الملكي الامير "سلطان" ابن عبد العزيز"، وسيحقق الغاية المنشودة فى المستقبل القريب ان شاء الله
واهم المدن فى تهامة ، صبيا ، وابو عريش ، ضد ، بيش ، الدرب ، الشقيق ، القحمة ، فيفا بنو مالك ، العارضة ، الخوبه ، المسارحة ، صامطة ، هروب ، بلغازى ، الريث ، الحقوق الموسم " وهذه كلها مراكز فيها اسواق اسبوعية تجتمع بها الباعة غير الأسواق الاعتيادية وفيها امراء وقضاة ومرشدون . . والقرى التابعة لهذه المراكز كثيرة جدا
ويبلغ ما تصدره تهامة سنويا الى الحجاز وغيره من الابل والبقر والضأن والمعز ما يقارب عشرة آلاف راس ، ومن الذرة والدخن والسمم والسمن والزيت والجلود والخوص والليف ما يستمر تصديرها طيلة العام الى داخل المملكة وخارجها
وعند بناء السدود وادخال الوسائل الحديثة على الزراعة وتوجيهها توجيها سليما ستكفي مقاطعة جازان البلاد السعودية فى أغلب ماتحتاج إليه من مواد غذائية وفواكه وخضراوات حسب ما يقوله الخبراء الفنيون
وهنا استسمح القارئ الكريم بان يسمح لى ان ارجع عقرب الساعة الى وراء قليلا فأقول : ان هذه المقاطعة قد انجبت العلماء والأدباء والشعراء فمنهم من برز
فى البلاد العربية كعمارة اليمنى من وادي وساع بين صبيا وبيش ، ومنهم من لا يزال اسمه مدفونا فى التواريخ المخطوطة كابن حتيمل الذي يقول فى قصيدة له :
من لصب هاجه نشر الصبا لم يزده البين الا نصبا ؟
واسير كل ما لاح له بارق القبلة من " صبيا " صبا ؟
ولطرف ارق انسانه دون ما يشتاقه قد حجبا ؟
ومنها
قل لمن اوقد نيران الغضا زد على نارك ياذا حطبا
واستلب ماشئت عمدا فعسى عن قريب ستحط السلبا
ان يكن سرك ماساء فعش كي ترى من بعد هذا عجبا
او أمنت الدهر يوما واحدا فلقد حاولت ظنا كذبا
وأحد العلماء يستغيث فى سنة مجدبة فيقول من قصيدة طولة :
ان مسنا الضر أو ضاقت بنا الحيل فلن يخيب لنا فى ربنا امل
وان اناخت بنا البلوى فأن لنا ربا يحولها عنا فتنتقل
الله فى كل خطب حسبنا وكفى اليه نرفع شكوانا ونبتهل
لا يرتجى الخير الا من يديه ولا بغيره يتوقى الحادث الجلل
من ذا سواه نرجيه لحاجتنا؟ ومن عليه سوى الرحمن نتكل؟
وهذا غيض من فيض. وكنت اود ان شرح الملابسات والقرون التى عاشوا فيها والقصائد كاملة ولكن رأيت ارجاءها لمناسبة اخرى ان شاء الله

