قلتها مرارا . . وسأقولها مرات اخرى وكرات . لا لأنها النداء المدوى للحياة فحسب كما قلت فى حديثى السابق بل لأنها ايضا منطق الحياة العامة فى جميع بلاد الدنيا ، وهو ايضا منطق الواقع فى حياتنا الخاصة . والشباب كالحياة الوان والوان ، فاى لون من الشباب سنتطلبه فى حديثنا الليلة .
ان الالم ليعصر بالقلب ويأخذ النفس بالحزن العميق من جميع اقطارها لاننا . نتطلع الى شباب من ذلك اللون الذى فقدناه بالأمس ، ونحن احوج مانكون الى عشرات بل مئات من امثاله . . انه من ذلك اللون الذى يجمع الى متانة الخلق ، صدق العزيمة وقوة الجلد ، والصبر على المكاره ، والسير فى خط مستقيم لا يعرف النوح . . ولو كان سبيلا الى الثروة المفاجئة لأن دستور نفسه وقانون حياته . الكرامه الكرامة لنفسه والكرامة لبلده وقد جاءته الكرامة فى نفسه ومن نفسه فعاش ماعاش - وواقع حياته من حيث جيئتها اكبر من سمعته ؛ اما كرامة بلده فقد عمل لها فى حقل ما يزال بكرا فى بلادنا فاقام ما اقام من مشروعات وحقق ما حقق من اعمال ، ثم انطوى والعمر فى فجر الشباب فانطوت معه مشروعات . ومشرعات نحن احوج ما نكون اليها لاقامة الصرح الاقتصادى الذى وضع لبنته من فقدناه بالامس القريب وما أظنني بعد هذا وقبله - بحاجه لان اقول ان فقيدنا الكريم - عبد الله باحمدين كان نسيج وحده حتى لكأنه المعنى بقول لشاعر
كالبدر من حيث نفت وجدته يهدى الى عينيك نورا ثاقبا
ومارف كانت الفجعة فيه - والله - فوق ما
تطيقه اعصاق منذ سبقه بعشر سنوات زين الشباب وفخرها الاستاذ محمد سعيد عبد المقصود ، ولكن ، ان أشيد بما قدم من ايجاد لبلاده وان الفت الشباب الى أن للحياة الناجحة ثمنا غاليا بذله الفقيد من دمه وماله ، وعرق جبينه ، فعاش حياته مكرما من رجال الأسرة المالكة . ورجال الدولة ، وأهله وعشيرته ووطنه فلما مات بكى عليه المعجبون لأن الشعور العام بفراغ مركزه - واخشى ان يكون ذلك لسنوات - هو صورة الشعور بحبه وتقديره
فاين الشاب الذي نرجوه لملء هذا الفراغ الهائل فى حياتنا الاقتصادية ؟ انا لاأقول . . انه غير وجود . . ولكنى اقول انه فى حاجة الى مثل اخلاص الفقيد وشجاعته ولعل من الخير ان ادفع وهما لعله يقوم فى بعض الرؤوس - بغير حق - ان الثروة هي التى تصنع الاقتصاد . وذلك ان الفقيد لم يكن من اثريائنا المرموقين او المعدودين ولا سيما فى فجر حياته . . فقد كان صاحب ثروة عادية يشاركه فيها اخوان واخوات ولكنه بعزمه وجلده استطاع ان يعمل فى الحقل الاقتصادى العام ما لم تفعله الثروات المعدودة ؛ ولم يكن بدعا فى هذا . فقد سبقه رجال كثر - فى غير بلادنا - فهل لنا ان نجد فى شبابنا . - ولاسيما اصحاب الثروات العادية - ما وجدناه فى باحمدين
اننا نريد شبابا من امثال باحمدين ممن يكره التعلق بمشاريع الاكتتابات ، والتبرعات " او المشاريع العمارات " والمزارع وارصدة البنوك ؛ خارج البلاد لأنه كان يؤمن بأن للمشاريع - فى بلادنا مجالا ما تحد امداؤه ؛ لولا ان النظرة اليها . والتفكير فيها يختلط باوهام وتوجيهات بثها اليائسون والمتقاعون والفارغون من مقومات الحياة اولئك الذين يقولون ويرددون : كم هي المشروعات التى نودى بها . ثم لم تعد - بعد - سوى الفاظ ؟
بهذه الأحاديث وامثالها يقعدون بكل صاحب عزم عن عزمه ويصرفون كل صاحب فكرة عن فكرته .
ولكن باحمدين كان يفرق - بفكره وعزمه - بين المشاريع ، التى تقوم على " التبرعات " وبين ما يقوم منها على العمل الفردى أو المساهمة . لوكان لنا غير بإحمدين أو اكثر منه او مثله لكان لنا رجال يدفعون
بغيرهم الى السبيل الذى سلكوه وسلكته الجماعات والشركات فى الامم القريبه والبعيدة ، فكان لها المكان المرموق الذي نتطلع اليه ونتمناه لحياتنا وبلادنا
ان هؤلاء - يا قارئى الكريم - ممن يجعلون من عدم نجاح بعض المشاريع فى الاعوام المنطوبة دليلا على عدم امكان قيامها الان يحكمون على انفسهم وبلادهم بالموت والانهيار ومن هنا جاء التقدير العام لفقيدنا الكريم نعم انها مشاريع ومشاريع ، ليس ينطوى عام الا وتنطوى كانطواء الأحلام فى ضمير النائم اذا استيقظ وهجعت احلامه ، ولكن مالنا وللاعوام السابقة فلها للمشاريع المنطوية فيها تاريخها ايضا .
نحن ابناء دنيا اليوم ، ودنيا اليوم ثروات ، تحاول الربح ومظاهرات دولية لكسب مناطق نفوذ اقتصادية وشركات
ان تلك الثروات التى تأبى ان تخرج اعناقها الا فى شراء الدور وحركات الاستيراد ، يجب ان توجه الى لون من الحياة الاقتصادية - زراعية او صناعية او تجارية - لتنتفع البلاد .
وقد كان باحمدين من اوائل الرواد . فعاجلته المنية ولولاحكمة الله فيما قدر لكان لنا منه زعيم اقتصادى من نوع الزعيم الاقتصادى طلعت باشا حرب ، طيب الله ثراه لكأن الزعيم الاول والقدوة الكاملة الصالح فمن غير الشباب يستطيع ان يفعل مثل ما فعل باحمدين ليكمل رسالته الاقتصادية ؟ : ايها الشباب : دعونا ، ونحن ندعو للفقيد بالرحمة . ان نلبي النداء المدوى ونستجيب للصوت الصارخ . صوت الوطن الكريم الذي يقول : اعطوني شبابا .

