تمهيد
حينما عقدت النية على كتابة " سلسلة فصول " حول ترجمة هذا الشاعر الحجازى المنطيق وتحليل شاعريته الفذه - هدانى الفكر الى ان هذا الصنيع يستلزمنى إخراج سفر خاص ، ليستوعب جوانب البحث في هذا الموضوع الزاخر . ولذا يلزمنى أن اتعمق فى بطون اسفار التاريخ والعلم والادب لأستنطقها عن " مجموعة " احوال القرنين : العاشر والحادى عشر الهجريين ، ومن طريق هذا - الاستنطاق أتوصل لاستعراض البيئة التى عاش فيها شاعرنا ومن هذا الاستعراض العام أتدرج الى العوامل الخاصة التى كونت منه " شاعرا خالدا " ومن هذه العوامل أتسلل الى نبت معين شاعريته ، فأكتشف وجوه تفوقه وتحليقه , واتبين ألوان ضعفه ومحاكاته لسواه وتقليده ، وأخرج من ذلك كله بدراسة وافية عميقة رزينة لحياة الفتح ابن النحاس وشعره .
فكرت فى كل هذا وقدرت كل هذا ، فوجدت عقبات كؤدا شتى واقفة امامي بالمرصاد نحاول ان تعوقنى عن اجتياز هذا الطريق الوعرا المملوء بالأشواك والصخور الحادة العنيفة علاوة على ما فيه من قفار جرد لا يبين فيها أي أثر السائرين . وكادت العزيمة تهن امام هذه الصعاب الكاشرة عن انيابها ، ولكن نسمة هبت من الجانب
الفكري خففت عن القلب ضغط هذه الصعاب فاستعنت بالله تعالى وعزمت على المضى فى الطريق متمثلا بقول شاعر العرب الخالد أبى الطيب المتنبى : -
ضربت بها التيه ضرب القما واما لهذا وامالذا
ومؤملا ان اقول عند ختام الرحلة الموفقة ما قاله من قبل : -
فلما انخنا ركزنا الرما ح فوق مكارمنا والعلا
وانا زعيم بعد انهائى من تحرير هذا البحث الطويل العريض العميق ان اخرجه للناس فى " سفر خاص " ليكون " أول دراسه مستفيضة لشاعر حجازي مبدع اكل عليه الدهر وشرب " وليكون " أول كتاب من نوعه فى المكتبة الحجازية الحديثة ".
وأنا عالم بان سيقول قوم فى هذه الدراسة ماشاء لهم تفكيرهم واراؤهم الخاصة وهذا الشعور لا يمكن ان يدفعنى عن خوض غمار هذه الدراسة بل اجدفيه حافزا كبيرا ومشحعا عظيما يدفعنى الى الاقدام ، بدل ان يدفعنى الى الانهزام !
وسيقول قوم من هو ابن النحاس هذا الذى يعتنى فلان بتحليل شاعريته بهذا الاحتفال البالغ وبهذه الدراسة الواسعة ؟ اليس هو احد شعراء القرن الحادى عشر ؟ اليس هو من ابناء أواخر هاتيك القرون الوسطى التى ضرب الجمود عليها أطنابه وخيم عليها التقليد فلم يدع لها مسربا للضوء الجديد وحياة الابتكار والتفكيرا الصحيح فى شؤن الحياة والاجتماع والأدب ؟ سيقول قوم كل هذا ، ولكن ارجو انهم سينصر قون عن فكرهم هذا متى مادرسوا هذه الفصول دراسة معتدل منصف همه اقرار الحق ، ومبدؤه تقرير الحقيقة ، دون الاصغاء الى الخيالات المستمدة من التفكير القاصر المحدود .
على ان من الجمود نفسه ان يخال الأنسان ان أواخر القرون الوسطى لم تنتج اعلاما فى الفكر والعلم والادب ، فما التفكير السامي الاشعلة منيرة وقبس وضاء يودعه الله من يشاء من عباده كيفما شاء وانى شاء !
وشاعرنا الفتح بن النحاس هو من هذه الطبقة المستنيرة التى جلست الى مائدة التفكير السامي مبتعدة فى كثير من نتائج تفكيرها عن حضيض التقليد الأعمى فهو يسمو فى تغنيه بالطبيعة واشادتها لشعر الحب السامي وفى وصفه لالوان الجمال السابى الى أوج الشاعرين : عمر الخيام وحافظ الشيرازى وهو يتسامي في جزالة اللفظ وحسن السبك الى اوج شعراء اليتيمة كابى الفتح البستى وابى فراس المتنبى واضرابهم فمن كان هذا شأنه وهو من أهل القرن الحادى عشر قرن " بليلة " الأفكار و " زلزلة " الآثار : فأحر به ان تحرر فى الاشادة بسموه ونبوغه المجلدات والأسفار !
ثم ان شاعرنا الفتح بن النحاس له مزايا عدة فى شعره وأدبه ، وهو من اجلها قمين بالدرس والتمحيص . فهو شاعر عصرى حديث ، سبق أوانه ، وتخطى عصره وزمانه ، ورفرف بشاعريته الخصبة على عصر " البارودى " وشوقى حافظ . وان له فى عالم الحكم وعالم الوصف وعالم الشعر النفسى ، لاشعارا من حقها ان توضع على مفرق الأدب المعاصر ، ومن حقها اذ يتحلى بهاجيد كل أدب طريف . وأنت ستسمع من اشعاره الغر ، واوصافه الآبكار ما لا تميز بينه وبين اسمى شعر عصري فى الروح والجدة والاخصاب اذن فقد استبان لك ان هذا الشاعر جدير بالدرس والتمحيص والاكتشاف المبين .
وأناسأ كتب هذه الفصول عن " مفخرة شعراء الحجاز " فى القرن الحادى عشر عن الشاعر الذى دانوا له بالسبق والتفوق ، واجمعوا على براعته وسموه عنهم فلقبوه " محك الأدب " سأكتب هذه الفصول عن هذا الشاعر الذى لم يندثر شعره من افواه الأجيال المتعاقبة فى هذه البلاد برغم اندثارا اكثر اشعار من عاصروه ومن تأخروا عنه . وارجو ان يتم الله تحرير هذه الفصول فى وقت سعيد برقى الأدب وازدهاره واخصابه وتقديره تشرئب فيه الانظار الى حب القراءة والاطلاع ويسمو فيه المتعلمون والقارؤن ويكثرون كثرة فائقة فى هذه البلاد ، فإذا كان ذلك البقية على الصفحة ٢٠
( بقية المنشور على الصفة التاسعة ) كذلك فأعدا وليك القراء الخياليين الكثر المحتهدين على ابو آحدائق الأدب ليتنعوا بعبير رياضه ، ومناظر أزهاره ، أعدهم وأعد قراءنا الحاليين بانى سأطبع مجموعة بحوثى هذه فى كتاب مستقل ، ولاشك ان الأقبال المتخيل " من بعيد " على مطالعته يخفف منذا الأن بعض ما انا شاعر به من الضغط التقبل والعناء الطويل اللذين ألا قهما واحملهما فى سبيل الغوص فى لج هذه الدراسة الطويلة . العريضة العميقة التى تستدعى جهودا كثيرة ، وتفكيرا مضنيا . وبحثا متواصلا وسهرا دائما والله الموفق , ( يتبع )

