( ١ )
اذا كان الحجاز منبع الادب العربى فمن حقه أن تبقى فيه بقايا من المتادبين يتأثرون بماضيهم الزاهر فيتأثرونه ، ليحتفظوا - ما امكن لهم الاحتفاظ بثمالة من آدابه ؛ بقدر ما أوتوا من مواهب ، وبقدر ما اتيح لهم من صفاء عيش او كدر وذكاء قريحة أو ركود .
وقد مضت على الحجاز قرون اثر قرون كان فيها موزع الهموم ؛ تضطرم نواحيه بأتون متأجج من الاضطرابات والاضطهادات ، لايكاد يفيق من اغماءة الا وأغرق فى اخرى مثلها أو أشد منها هولا ، حتى اذهلت هذه الشآبيب المنهلة ، بنيه عن امرهم وألهتهم عن اصلاح حالهم ، فى أغلب الازمان السالفة . ومن حسن حظ هذه البلاد ان يجعلها الله مثابة للناس يجوسون خلالها فى كل عام ويؤمونها من كل حرب ، فضمن هذا الاتصال الميمون ، للحجاز ، ان توجد فيه فى كل آن طائفة من علماء الدين ؛ واخرى من الادباء المتجلدين . هم اولئك ان يحرسو دينهم وينشروا هدايته بين جموع الوافدين ، وهم هؤلاء ان ينتظموا على كثبان الادب فيكونوا (( جوقة )) تنشد امام القادمين اناشيد الحياة والأدب ومنتبع حلقات التاريخ يعلم ان أشد عصور الحجاز غموضا ، وأشدها اضطرارا الى البحث والتنقيب والاكتشاف هو أقرب القرون الى هذا القرن الذي نعيش فيه فالقرن الثالث عشر والثاني عشر والحادي عشر والعاشر أغمض فى تاريخ
الحجاز وادبه من القرن التاسع والثامن والسابع والسادس ، وهكذا ، دواليك صاعدا ، واشد عصور الحجاز جلاءا ووضوحا ، واحفلها بالدراسة والعناية هو أبعدها عن عصرنا الذي نعيش فيه واقربها الي العصر النبوى الكريم فالقرن الاول والثانى فى الحجاز هما ابين تاريخا من الثالث والرابع ، وهذان هما اظهر من الخامس والسادس ؛ وهكذا دواليك نازلا . هذه ظاهرة ما فى ثبوتها مرية ، ومن أهم اسبابها انتشار نور العلم والاستقرار والرقى فى العصور القديمة ، ثم انعكاس ذلك العلم والنور والاستقرار الى الارتباك والفوضى . فالتاريخ والادب والعلم والرقي هي حلقات متماسكة مع بعضها ، فأيان تجد الادب الناضج ، والعلم الراقي . والحضارة المؤثلة ، فهناك تلقى التاريخ الناصع الباسم الوضاء . . والعكس بالعكس .
اذن فاذا رسمنا لتاريخ الحجاز ( خريطة ) وصفية بخطيطية فاننا سنرسم شطرها الاول الاقرب إلى عصر الرسالة ؛ مملوءا بالخطوط الواضحة والتعاريف البينة ، لاننا نجد هذا الشطر مستكملا اسباب الوضوح فى كثير من مناحي الحياة والفكر والادب والاجتماع ، فاذا ازمعنا رسم الشطر الثاني فاننا نضطر لابقاء اكثره بياضا لا تلوح فيه إلا بضعة خطوط دقيقة يكاد الزمان يمحوها ، ذلك لاننا نجد هذه الحقب الاخيرة غامضه الحياة والفكر والادب والاجتماع .
ثم اذا كان يوجد فى الحجاز ثلة من الادباء فى كل عصوره ، يتأرجحون بين مرتبتى السمو والضعة وينغمسون فى تيارات عصورهم ، فيما لامرية فيه ان اكثر هؤلاء الادباء قد مات اسمهم ، وتبدد ادبهم ؛ وهذا اما لسبب الاضطرابات المتتابعة التي ترغم (( محترفى الأدب )) على الخمول والانتكاس بدل الظهور والانتعاش واما لضعف شاعرية الشاعرين وكاتبية الكاتبين وأما وذاك معا . ومع تضافر هذه العوامل السوداء المحطمة يلمح ثاقب النظر وبعيد مدى البصر ، فى صفحة (( سماء )) التاريخ الحجازى ، كوا كب دقيقة ، غاية فى الدقة والضمور ؛ تبين وتختفى ؛ ولكنها اذ تبين ، تبين فى غموض وارتجاج وايهام ، يحيط بها شبح
الظلام من كل الجهات ، وتكاد تغرق فى حندسه المتلاطم ، ولكنها بما اوتيت من قوة اشعاع اخترقت الينا سحبه المتلبدة ، واستطاعت ان تعلمنا في خفوت وتواضع بان لها وجودا فى عالم التاريخ يجب ان يعلم ، وان لها صوتا فى عالم الأدب القديم يحب ان يسمع فى عالم الادب الحديث . ومن هذه الكواكب ( النبتونية) السيارة شاعرنا السيد جعفر بن محمد البيتى السقافى العلوى المدنى الحجازى الذي اقدمنا اليوم على جلاء صفحة ترجمته وأدبه ، لقرائنا الكرام ، بالقدر الذي سمحت لنا به المراجع الشحيحة ، والمواهب الكليلة ، والظروف المشغولة .
ومن (( نافدة )) جلائنا لسيرة هذا الشاعر ، نتوصل الى أن نلقي ضوءا بسيطا محدودا على صفحة غامضة هي الاخرى من حياة ذلك الجيل ، خدمة للتاريخ فى شخص الأدب ، وللأدب في هيكل التاريخ ، ذلك لأنا نؤمن بان الشاعر (( مرآة )) بيئته ، ،، ترتسم فى قرارة فكره الوانها المختلفة ، فتنعكس ظلال ما أرتسم فى (( لوح )) مفكرته و (( عدسة )) قلبه على (( شاشة )) اشعاره ، فتتلوها الاجيال ، وهي تحمل فى اكمامها حياة ذلك الجيل !!
من هو السيد جعفر البيتي ؟
عثرت على نسخة مخطوطة من ديوان هذا الشاعر بمكتبة شيخ الاسلام عارف حكمة بالمدينة النبوية ، فانكببت على اشعاره اطالعها واستلهمها ، وانكببت على انثاره أتاملها وأراجعها فالديوان ، ديوان مزدوج ، فيه كثير من شعر السيد جعفر وفيه كثير من نثره ، فكما أنه (( منطاد )) شعره ، فهو (( سفينة )) نثره . ولكن سرعان ما شعرت بهزة ارتياع عنيفة ، بعد استوفيت مطالعة هذا الديوان ومصدر هذه الهزة العنيفة ، جزعى من أن لا يكون لهذا الشاعر ترجمة فى كتب . التراجم . وغرقت في بحر متلاطم من التخيلات : أتراني سأكون مقصورا على اهمال دراسة هذا الشاعر بسبب عدم وجودى ترجمته ، بعد ما قد عثرت على مجموعة
صالحة من شعره ونثره ؟! ام ترانى ملزما بانتحال ترجمة له مستلة من شعره ، نثره ؟ ولكن هذه الترجمة - اذا وضعتها ، وهو ما عزمت عليه إذا لم احصل مرجعا وافيا كما صنعت فى ابن مقرب من قبل - فلا بد أنها ستجئ مشلولة مبثورة ، معدوما منها ذكر الارقام اللازمة فى فجر حياة شاعرنا وضحاها وعصرها ومغربها ، وهو نقص علمى مريع ، ودراسة مجدوعة !
وبالتالى اترى انه يتسنى لى اذا أمعنت في البحث ان اصادف لشاعرنا ترجمة فى هذه الكتب المخطوطة والمطبوعه ؟ ثم هل لهذا العصر الذى عاش فيه شاعرنا تراحم وافية شاملة ؟ ثم هل لهذا الشاعر ذكر فيها ان وجدت ؟!
هذه اسئلة تواردت على خاطر هذا العاجز كما يتوارد السبل المتدفق من الهضاب على القلاع والوديان ، وهرعت ذات يوم إلى مكتبة شيخ الاسلام ؛ وصممت على البحث إلى النهاية ؛ وكان على القلب غمة ، وفيه بصيص من التفاؤل الباسم واخذت احدد فهارس هذه المكتبة العامرة وبدأت اتأمل فيه فاذا كتاب مخطوط يدعى (( سلك الدرر فى اعيان القرن الثاني عشر )) فأشرت إلى احد خزنة المكتبة ؛ فأني به إلى ، وقلت فى نفسى بعد ان قرأت مقدمة الكتاب ،
ان مؤلف هذا الكتاب دمشقى فهل ياترى هذا الدمشقي يتصل بالحجاز و يعني بادبه عامة وبترجمة شاعرنا البيتى خاصة وبينهما مراحل ومهامه ؟ لكنى غالبت الافكار السوداء ، واسلمت العنان للآمال البيضاء ؛ و فتحت الكتاب واذا بترجمة السيد جعفر تقع امامي فجأة ثم رجعت إلى (( قاموس الاسلام )) للاستاذ خير الدين الزركلى وامضيت البحث فيه اياما فبعد لأى وجدت ترجمة السيد جعفر البيتي ، وجدتها وجيزة جدا منقولة تماما باختصار من كتاب (( سلك الدرر )) وراجعت كتاب قاموس الاعلام ثانية باحثا عن مؤلف كتاب سلك الدرر ، فاذا به يذكره ويقول ان اسمه : خليل بن على بن محمد مفتى الشام المؤرخ ، حالما ان اسمه وصفته وردا فى مقدمة كتابه المخطوط الذى عثرنا فيه على ترجمة شاعرنا والذى
افادنا الزركلى بانه طبع فى أربعة مجلدات هكذا السيد محمد خليل الدمشقى قاضى دمشق يقول صاحب سلك الدرر عن شاعرنا المترجم : -
(( جعفر بن محمد الشهير بالبيتى باعلوى السقافى (١) المدني الشافعي السيد الشريف الادب الشاعر الناظم الثائر الاوحد المتفنن ولد سنة عشر ومائة والف ، ونشأ نشأة صالحة واشتغل بطلب العلم على والده وغيره وبرع فى نظم الشعر حتى كاد ان يكون كالمتنبي وكانت له مهارة بالطب ، وسافر للديار الرومية (٢) واليمنية ودخل مدينة صنعاء ثلاث مرات وتولى كتابة الشريف و وزارته ، وله ديوان شعر مشهور، مشحون باللطائف . . ثم قال انه توفى فى شعبان سنة ١١٨٢ ه ودفن بالبقيع )) ا ه اذن السيد جعفر هذا كان من المعمرين ، ومن الادباء المحظوظين ، ومن الاعلام المشهورين فى عصره ، وها هو اسمه وترجمته يلمعان في قاموس الاعلام ، هذا خلاصة ما نأخذه من ترجمة صاحب سلك الدرر وقاموس الاعلام له . اما اخلاقه الخاصة وملامحه فذلك ما لم يتعرض له مترجماه ، وما كان من عادة معاصرية ان يحفلوا بمثل هذه الامور. { للبحث صلة }

