الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 6الرجوع إلى "المنهل"

اعلام الادب فى جزيرة العرب، ( ٢ ), السيد جعفر البيتى ، ١١١٠ - ١١٨٢

Share

( ٢ )

ميزته الشعرية

ومن الحق أن نقول أنها البراعة والسمو في التفكير وفي الاسلوب ، اذا قسنا شعره باشعار جمهرة معاصريه الذين لا يترفع بهم " شيطان " الشعر عن حدود " شعر الفقهاء " أما اذا وضعناها بجانب براعة المتنبي والمعرى واضرابهما من فحول الشعر العربى في عصوره الذهبية فاننا نجد شاعريته تتطامن ، ويندى جبينها عرقا ، على أنها فى بعض الاحيان تتسامى الى منا كب هؤلاء الجبابرة من عمالقة الادب فتلمسها فى تجلة واكبار . وتتمثل هذه الاحيان فى شعرية "السياسي والاجتماعى " الذين يستعرض فيهما حوادث عصره السياسيه والاجتماعية على شريط من البيان ساحر ، يطالعه القارئ فيحس بنبضات قلبه تشتد وتزداد ، حتى لكأنه قد عاش مع الشاعر فى ذلك العصر وشاهد ما شاهد فتألم .. وتتمثل كذلك في شعره ( المجوني ) الذي يطلق عليه ( اسم التحميضات ) وهي لفظة أقرب الى المنطق الفقهى منها الى المنطق الشعرى فهذه التحميضات يسمو فيها الشاعر أحيانا الى درجة الابداع ، ويخفق فيها أحيانا ، ولكن تسامية أوفر واكثر ولقد انتثرت درر تحميضاته على شواطئ أودية شعره فاكسبتها رونقا وازدهارا اذ تجلت فيه هنا وهناك ، ازهارا متفتحة الاكمام ، مشرقة الاوراق ، مزدانة بلطائف السخرية ، والتهكم اللاذع ، وتتمثل كذلك براعته فى شعره ( العامي )

الذي تمكن بقوته البيانية ان يدمج فيه كثيرا من عبارات عامة جيله فلم نزده الا قوة ولمعانا ، كما تتمثل فى شعره ( التركى ) فان للسيد جعفر شعرا تركيا هو نتيجة تفاعل البيئة وتأثر المحكومين بالحاكمين .

هذه أهم وجوه براعة شاعرنا عرضناها أمامك يا سيدى القارىء عرضا مجملا وسنعرض عليك ما يؤيد دعوانا مما استصفيناه من شعره ، مقسما على النحو لذى ارتأيناه

موضوعات شعره

نظم شاعرنا فى فنون الشعر القديمة كلها ، فى المديح الهجاء ، والحكم والرثاء وفي المجون والغزل ، وفي الاخوانيات والعتاب ، ونظم فى المعارضة والنقد الاجتماعى ، وفى الطب والحساب ولا حاجي ، وفي الوصف السياسي والاجتماعى والفني ونرى أن أسمى مديحياته ( لاميته ) واجود مجونياته ( نونيته ) , ( ارجوزته ) وأجمل غزلياته ( ميميته ) وأروع اخوانياته ( بائيته) ، (لاميته ) ، وأرقى معارضاته ( عينيته ) وأهم نقدياته ( همزيته ) وأرقى . صفياته السياسيه ( يائيته ) وأجمل وصفياته الفنية والاجتماعية ( عينيته ) السالف ذكرها فهذه القصائد والمقطوعات هى التى انتحلناها من شعر السيد جعفر ، وهي التى سنعتنى بسردها فيما يأتي :

نثره وموضوعاته

للمترجم نثر كثير ولكنه كله من النوع المسجوع ، موضوع هذا النثر لا يتجاوز الاغراض العادية من  طلب ورفض ، وعتاب وتنديد واشتياق واستنجاز وعد الخ أما النثر الفني والاجتماعي السياسي . الاقتصادى فما كان المناسب عناية بها اذ ذك . ولقد وجدنا لشاعرنا كتبا مخطوطا جمعه وسماء (مواسم الادب وآثار العجم و العرب ) (١) يقع في نحو ٣٠٠ رقم ، جمع فيه آثار الملوك الأوائل فى حكمهم وأعمالهم وامثال العرب ، فهي ( سفينة) من سفن الأدب

السيارة فى ذلك القرن وما يليه ، وفي هذه السفن كان الادباء والعلماء يجمعون ما يحفظون وما يطالعون من الطرائف والتحف بدون مراعاة ترتيب خاص أو تبويب . منظم ، فهو بمعنى الكلمة إذ لا يجهد فيه المؤلف قريحنه ولا يظهر فيه مدى مقدرته وانما يتمثل فيه مدى اطلاعه الواسع . وقد لاحظت فى ديوان الشاعر كثرة استكتاب الناس له فى مبدائى النظم والنثر ، لنقضى حاجاتهم بما تدبجه براعته البليغة الساحرة ، وهذه الملاحظه دلتني على أمرين أولهما اشتهار الشاعر فى عصره والثانى ايمان الناس يومئذ بتأثير الكلام البليغ على حبات القلوب واستهوائه الافكار ، وهذا الامر الثاني أوصلني الى استخراج حقيقة اجتماعية هامة من بين ثناياه هي تشبع جو ذلك الجيل بالادب واحتفالهم بالادباء عن قدر حالهم وامالهم وآلامهم ؛ ثم انا اذا أضفنا الى هذا الاستكتاب الوفير ما أورده مترجمه الدمشقى من قوله عنه (الناثر الاوحد ) وقوله ( وبرع في نظم الشعر ) علمنا أن تقدير هذا الشاعر ليس مقتصرا على أهل بلاده وحدهم بل لقد بلغ صيته الادبي الى الاقطار المجاورة ايضا . ثم أن السيد جعفرا هذا قد يكون كتب غير كتابه ذياك وحرر غير رسائله التى فى ديوانه ، فى الادب وفى الطب وغيرهما . وفى الوقت الذى تكتشف جميع اثاره الادبية والعلمية تكتشف ترجمته الحقيقية وافرة غير منقوصة

بما ذا تأثرت شاعريته ؟ وماذا اثر ؟ !

عندنا من القرائن ما يصبح لنا أن نزعم أن شاعرنا تأثر فى شاعريته بالمتنبي؛ وقد يكون هذا التأثر نتيجة مطالعاته لشعره ، أو نتيجة دراسته لشعره ، فقد أدركنا الناس فى هذا البلد ، وما زالوا كذلك ، مغرمين بشعر المتنبى يتدارسونه ويتذاكرونه فى مسامراتهم ، وهم يرون في شعر المتنبي عبقرية وسموا تشوقهم اكثر مما يشوقهم شعر غيره . وهذا الذي أدركناه هو نتيجة لما ندركه ؛ ويدلك على تأثر شاعرنا بالشاعر الكندى ، تلاوتك لقصائده التى سنمر بك ، ومقارنتك بين ما يحمله من اغراض وأساليب ، وبين ما يحمله شعر المتنبى من هذا القبيل ، على أن من

الحق أن نقول ان تأثره بشعر المتنبى كان محدودا ، وكان خفيا ، فقد طغت موجة اسلوب البيئة على مطمح الفكرة ، وارغمتها أن تسايرها جنبا الى جنب فى كثير من الاحيان . وفي الاحيان التى يجد الفرصة سانحة تراه ينفلت من جاذبيه هذه البيئة فيرفرف باجنحته ومن ثم يتسامى الى المثل العالي من شعر استاذه العظيم . اذن فشاعرنا قد تائر بشعر المتنبى ، ولذلك سمت شاعريته عن اقرانه ، ثم ازله مواهب خاصة هيأته لأن يتقبل أثر شاعريته المتنبي فيمضى فى محاكاته تارة فى الهدف ، وتارة فى الاسلوب !

أما تأثيره فى شعراء بلده وقطره والاقطار المجاورة لبلاده فى عصره ، فذلك أمر نرى الوقوف دون تقريره تقريرا جازما ؛ لأن دراسة ذلك الجيل تنقصنا ، واحواله وحياته لسنا بها جد خبراء ، وهذا لا يمنعنا أن نتخيل حصول شئ من التأثير المنشود خصوصا فى بلده ، يدلك على ذلك ان اسم السيد جعفر البيتي ما يزال رطبا شهيا مشهورا على السنة الناس فى هذا البلد ، وهذا برغم كونه من أهل القرن الثاني عشر ، وبرغم احتجاب عصره باستار سميكه من السنين والانقلابات .

أما الواقع الذى نقرره ، ولا نحجم عن اعلانه فهو أن لشاعرنا صينا خارج بلاده ، وصل صداه الى الشام والى اليمن وحضر موت ، فقد اجتمعت باحد اقطاب الحركة الادبية من الشبان الحضرميين في هذا العام فاذا هو مشغوف بالسيد جعفر البيتي مطلع على ديوانه فى جاوة ، رواية لمقطوعات من شعره ، معجب ، بمجونياته وتحميضاته ، وهو يقول ان ديوان السيد ، الموجود بجاوة اضخم بكثير من هذا الذي اطلع عليه فى مكتبة شيخ الاسلام بالمدينة المنورة ؛ ثم هذا السيد محمد خليل الدمشقى مؤلف كتاب " سلك الدرر في اعيان القرن الثاني عشر " يشيد بذكره ويجعله أوحد عصره فى المتر ويعتبره ذا براعة فى الشعر ، وهذا الاستاذ خير الدين الزركلي أورد ترجمته فى كتابه " قاموس الاعلام " وهو الكتاب الذى اشترط فيه أن لا يدرج فى متنه الامن كان علما ذا اشتهار فى الادب أو العلم أو أى منقبة من المناقب .. فكل هذه الدلائل البارزة تجعلنا محقين فى اعتبار السيد جعفر البيتي من مشاهير ادباء القرن الثاني عشر .

حياة جيله من شعره

يستطيع الباحث الحصيف أن يتفهم طرفا من حياة ذلك الجيل ، من خلال تأمله لشعر هذا الشاعر السبيل ، ونعني بالجيل هنا من اختلط بهم الشاعر واتصلت حياتهم بحياته بسبب المواطنة والمعاصرة . فهم مهما اثرت فيهم القلاقل ، كانوا ذوى يسار لا بأس به ، وكانوا متنعمين ، وكانت فيهم شهامة واباء ، وكانوا أهل صراحة ، كان للصناعة المقام الثانى لديهم ؛ أما التجارة فكانت مألوفة لديهم ، وقر فى لزراعة مثل ذلك . وكانوا مغرمين بالأدب والادباء ، وكانت الاداب منتشرة بينهم ، كانوا شاعرين بالا تبسط الاسلامى ، وكانوا ذى صفاء وظرف واخلاص . تالف ، تسود بينهم المحبة فتذهب عنهم سخائم التكلف ، وهذا برغم ما يحدث من المنافسات الطبيعية ، نقول هذا بدليل القصائد الغر التى كان الشاعر  يوجهها الى اساتيذه فى اغراض خاصة ، وبدليل جوابه اللطيف الصريح لمقاضيه فى دين له ، " يحيى به بن " و بدليل مدائحه فى اقرانه مدائح تفيض بالاخلاص والتقدير و البساطة ، كذلك نأخذ طرفا من حياة جيل هذا الشاعر المتصل به ، من شعره ، لأنه كان مراتهم التى ترتسم على صفحتها مظاهر حياتهم وخفاياها المتأصلة ,

اشترك في نشرتنا البريدية