الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 4 الرجوع إلى "المنهل"

اعلام الجزيرة العربية

Share

ان لأعلام الجزيرة العربية ، فوق مكانها المشهود . فى تاريخ العرب وآدابهم ونهضتهم الاجتماعية الكبرى الحديثة ، مكانها الاسلامي المقدس ، ومكانها العلمى الاصيل في مجال الثقافة العالمية . فالكاتبون العصريون عن أعلام الجزيرة العربية من قبائل واماكن وأيام وشعراء ونبلاء وأسواق وفرسان وما الى ذلك ، كثيرون جدا من العرب وسواهم

وكل ما يتوخونه من دراستها في سائر أبواب السيرة ، وفى جل مسائل الفقه والتفسير والحديث ، وفى معظم تاريخ العرب السياسي وآدابهم . هو كشف واقع المعرفة بها . نطقا وموقعا واحداثا . وان سقوط الجماهير العربية دون ذلك - هدم من أحاسيسهم القومية ، ومن مشاعرهم الاجتماعية المقدسة كأمة واحدة ، ما هدم : سواء الذين انطلقوا من الجزيرة العربية منذ أبعد الازمان كالبابليين والاشوريين والكنعانيين والهكسوس وسواهم . أو الذين غادروها رهبة من انهيار سد مأرب العظيم كالمناذرة أهل العراق ، والغساسنة أهل الشام . او الذين انطلقوا منها فى مواكب الاسلام وفتوحاته الواسعة . .

ولا أجد مبالغة فى قول الذين يرون ان ضياع صحيح اللغة العربية من مهبط الوحى - جزيرة العرب - هو ضياع للعرب جميعا فى مختلف أقطارهم . وان العجمة واللكنة والالتواء والضعف الذى حل بألسنتهم ، ثم مشاعرهم ، ثم بعروبتهم ، ثم بأعمالهم يد أحدث اضرارا لا يزالون يعانون من هوالها الفتاكة ما يعانون . .

وان افدح هاتيك الاهوال ، وافتكها وجهلهم بما تشتمل عليه آيات القرآن

المجيد من معجزات هائلة كبرى ، وامساكهم عن تأسيس المجامع والجامعات من أجل ذلك وعدم تقديم المساعدات والهبات الجزيلة للعلماء العاملين والادباء البارعين ، الذين اوقفوا حياتهم لحياتها ، وامكانياتهم لأمكانياتهم ، وخلودهم لخلودها . .

وقد تفاقم هذا الامر بين ابنه الجزيرة العربية بالذات ، سواء من كانوا من ابناء المملكة العربية السعودية او من سواها . حتى كنا نراهم الى عهد قريب ، كيف كانوا يمرون بأعلام مواطنهم الخالدة ذات الاخبار الرائعة والاحداث الجليلة ، ولا يدرون من امرها شيئا ، بل لا يحسنون النطق بها على وجهها الصحيح . حتى كاد يصدق عليهم قول النابغة الذبياني : -

فاستعجمت دار نعم ما تكلمنا

والدار لو كلمتنا ذات أخبار

وقد كان الامر يهون ، لو لم يستعجموا هم

هذا عكاظ الذي هو من اشهر اعلام الجزيرة العربية اختلف ادباؤها فى تحديد موقعه ، فما بالك بما هو دونه . وهناك القائلون : " أين دارارة جلجل ؟ واين ذو المجاز ؟ واين يعفر ؟ والمقرات . . وسوى ذلك من آلاف الاعلام التى يستظهرها طالبو الادب ، ولا يعلمون عن مواقعها شيئا ،

انها في جزيرة العرب ، فاذا جد الجد قيل انها فى نجد او الحجاز .

ولماذا يشتط بنا القلم ، وهذه الأبواء التي يذكرها علماء السيرة ويقولون : ان آمنة - والدة رسول الله صلى الله عليه وسلم - توفيت بها ، وانها اقرب الى المدينة منها الى مكة . قد تعمد اديب حج فى عهد القوافل ان يتعرف اليها ، وهو قرب المدينة المنورة ، فما استطاع ، فعاد حزينا لانه اكبر ان يجهل العرب النبلاء اعلام بلادهم الى هذا الحد .

قد يكون فى هذا القول مبالغة ، ولكن لا أنسى أن خصومة اشتعلت بين وصيف أمي لمطوف ، وبعض الحجاج الاندونوسيين المثقفين القاصدين مكة من المدينة المنورة ، حين طلب اليهم الاحرام من " آبار على " فرفضوا ذلك حين سمعوا الاسم وقالوا : نحن لا نحرم الا من ذى الحليفة ، كما عين ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم . فصرخ الوصيف وقال : هذا ميقات أهل المدينة المنورة ، وكل الحجاج الذين يمرون بها يحرمون منها . ولكنهم اصروا على رفضهم وتفاقمت الخصومة بينهم وبينه ، حتى كادت تصل الى الايدى . لولا ان تداركهم الله بأحد العلماء المواطنين . . والم بمحور الخصومة ، فأقبل على الحجاج ، وقال لهم بكل بشاشة وهدوء : " أنتم على حق ، ان هذا المكان هو " ذو الحليفة ! وقد تبدل الاسم على السنة الناس ، ولكنه لم يتبدل فى صميم الشرع واللغة " . . وانتهى الامر .

واني اقول : " لو كان اسم الميقات الاصيل معروفا مستعملا ، لما حدث ما حدث ! ولعل معترضا من وراء الاعطان يقول : ما دامت اسماء المواطن العربية محفوظة على وجهها الصحيح ، فى معاجم البلدان ، وفي قواميس اللغة ، فلا ضياع ، ولا خوف . .

واني اقول : لا فساد افسد من هذا القول

فان كل الفاظ اللغات البائدة ، لا تزال محفوظة فى قواميسها المهجورة فى أصونة المكاتب العامة . والحفظ يا هذا ! لا يكون بهذا . . انما يكون بجريان الفاظ اللغة على السنة الجماهير والدعاة والخطباء والمحاضرين ، وفي تداول أقلام الكاتبين والشعراء والقصاص . وفي الصحف والمجلات واندية الأدب . وفي دواوين الدولة

والبيانات الرسمية والمراسلات العامة والخاصة ألا ترى الامم الراقية تنفق النفقات الباهظة حتى لدى الامم الأخرى ، من أجل حياة لغاتها وانتشارها ، واذا تمكنت ان تفرض ذلك بالعنف فلا تقصر ، كما كان الحال فى الجزائر العربية قبل تحريرها .

ومهما يكن فجيل الجزيرة العربية الحديث لن يستطيع أن يتعرف الى أعلام بلاده التى يعايشها ، وان تستقيم اسماؤها الاصيلة على لسانه وتحفظ - وان كانت محفوظة فى فقه الفقهاء وفي ادب الأدباء ، وفي قواميس اللغة - اذا لم يفرض عليه ذلك فرضا ، فى منهاج التربية والتعليم والتوظيف وفى مرافق الحياة كافة .

واقامة المجمع اللغوى الى جانب الجامعة فى العاصمة هو عمل حاسم من جانب الدولة لتقويم الألسنة والعقول ، وللقضاء على الالفاظ الدخيلة والمحرفة الشائعة فى " نشء بلادنا " وابناء الجزيرة القدماء كانوا يقيمون صوى - وهى معالم من الاحجار - للتعرف الى اهاكن جزيرتهم . فعلى ابنائها المحدثين ، ان يقيموها مرة ثانية ، ويحفروا عليها الاسماء العربية الصحيحة ، ونحن في عصر ، لا تكاد تمر سيارة فى أى مكان الا ويوجد فيها ، من يقرأ ، وبحكم الاسم المحفور ، ينطبق به صحيحا ، ويتعرف الى المكان عيانا . وبمثل هذه الاعمال ، تعود صحة اللغة على الألسنة ، بكل سهولة ويسر .

أما إذا ظل الحال على ما هى عليه الآن .

تقدم فى العلم ، وتخلف فى اللغة فان الاسماء العربية الصحيحة ، تختفى مدلولاتها من أكثر النواحي ، وتنقطع الصلة بين أجيال الآباء والابناء . وكبير في الأثم أن يضيع الابناء اضخم تراث حضارى انسانى مجيد سام ، تشمخ به الأنوف وتزهو به الدنيا . تراث لم يترك والد لولد في العالمين نظيره

وحين اهمل الابناء ، واجباتهم العملية تجاه ذلكم التراث الضخم الخالد اهملوا شر اهمال ، واضطرب أمرهم ، وانخذلت عزائمهم ، وثقلت السنتهم العربية الفصيحة واختلفوا على أنفسهم ، وخمد وقد ذكائهم المضروب به المثل ، وامسوا فى حال يسال عن مثلها العافية ، حال انستهم انهم كانوا ساسة الدنيا وقادتها ، وهداتها المرشدين ، وعلماءها العباقرة ، وانستهم انهم كانوا حملة الحضارة والحرية والعدل والمساواة . وانستهم انهم اهل البلاغة واللسن والحكمة الخلق الكريم والآداب العالمية والمعارف المتفوقة ، وان لغتهم كانت سيدة لغات العالم على الإطلاق ، وان الله اختارها ، لتكون كنزوحيه المعجز - القران المجيد - وانستهم انهم كانوا اهل البر والتقوى ، والاستقامة والخير . وان خاتم رسل الله محمد بن عبد الله - صلوات الله عليه وسلامه . . هو من أنفسهم . وانستهم أن آثارهم الخالدة الفذة ملء سمع الدنيا وبصرها ، وانها لا تزال خالدة تمجد اسمهم وتدوم به .

وظل هذا التخلف المخيف شأنهم الى القرن الثاني عشر الهجرى . أى الى ظهور العلامة المفكر الشيخ محمد بن عبد الوهاب فهاله ما شاهد ، وأطلق صرخاته المجلجلة فى صميم القبائل العربية . وطفق يوقظهم من سباتهم العميق ، بالهوادة حينا وبالعنف

والشوكة احيانا .

وما زال الجهاد متواصلا الى اليوم من أجل العزة والكرامة . ومن أجل العودة الى العقيدة الصحيحة ، واللغة الصحيحة ، وتوحيد الكلمة ، ولم الشمل . وما زال التقدم الواعي السليم آخذا شعبه الصاعد الى أعلى القمم .

ولأن اقامة المجمع اللغوى العلمي في جزيرة العرب بمثابة العودة الى أحياء سوق عكاظ - والغاية هي الغاية - فانى أرفع طلب اقامته الى وزارة المعارف الجليلة فى الحكومة السعودية الجليلة اضافة إلى طلب الكتاب المفكرين الذين لهم شرف السبق وقد كانت الاستجابة الكريمة . ولا شئ أيسر على أمتنا من اقامة مثل هذا المجمع وفي المواطنين الكرام افذاذ من العلماء والادباء ، فيهم الكفاءة وزيادة .

ومن العجب ان العرب وهم في جاهليتهم أقاموا سوق عكاظ ولم يروا انفسهم اصغر من الروم او الفرس ، ونحن اليوم نعيش فى مهبط الوحى - جزيرة العرب - وفي قلوبنا واعمالنا القرآن المجيد الذي هو كنز العلوم والمعارف الصاعد الى يوم القيامة . ومع ذلك نرى أنفسنا اصغر من أن نقيم مجمعا لغويا علميا وحدنا . أجل آسف أن نحط من كرامتنا ومقدرتنا الى هذا الحد ، فنرى أنفسنا صغارا حيال اخوتنا فى العروبة والاسلام ، بله سواهم . ومثل هذا الحكم ظلم ، وهو يحط من معنوياتنا ، ويوهن من عزائمنا . وقديما قيل : كل امة تضع نفسها في المكان الذي ترى نفسها اهلا له .

وهل يصدق عاقل ان جميع هؤلاء الأدباء والعلماء الذين يعدون بالعشرات في بلادنا ، ويملأون الصحف والمجلات بكلماتهم الممتعة وأفكارهم النيرة ومعارفهم السامية لا يوجد بينهم أفراد يصلحون لادارة مثل هذا المجمع ؟ هذا كثير هذا كثير

اشترك في نشرتنا البريدية