عالم حجازى من اهل المدينة ، كان والده من اعيانها وافاضلها ، حتى ان الشريف عبد الله بن عون امير مكة اوفده سنة ١٢٧٩ الى امير نجد فيصل بن تركى لينصح له باعادة الخراج المرتب عليه للدولة العثمانية ، وكان فيصل قد منعه فى ذلك الحين فنجح الشيخ حسن الحلوانى فى مهمته وكان موضع التجلة والاكرام من امير نجد . وقد نشأ الشيخ امين فى رعاية هذا الوالد الفاضل فامضى صدر حياته فى طلب العلم ، واقتناء المصنفات الجيدة ولا سما المخطوطة ، وقام بالتدريس فى الحرم النبوى الشريف
وللشيخ أمين الحلواني فى هذا المختصر ( ١ ) عبارة تدل على انه كان حوالي سنة ١٢٧٣ فى مصر ، ولعله كان يطلب العلم فى الازهر فقد قال عن الشيخ عبد الرحمن بن محمد بن عبد الوهاب : " اما الشيخ عبد الرحمن المذكور فقد ادركته فى الجامع الازهر يدرس مذهب الحنابلة " وكان شيخ رواق الحنابلة سنة ١٢٧٣ ، وتوفى ١٢٧٤ ، وكان عالما فقيها ذا سمت حسن يظهر عليه التقوى والصلاح " وهى عبارة صريحة فى وجوده بمصر عامئذ ، ويحتمل انه تلقى شيئا من علومه فى الازهر
وفى سنة ١٢٩٠ اختصر كتاب ( مطالع السعود بطيب اخبار الوالى داود ) للشيخ عثمان بن سند ، ولعل مما حمله على العناية بهذا الكتاب أن والده ادرك داود باشا مدة إقامته فى المدينة شيخا للحرم الشريف وكان له اتصال به ، ولا يبعد أن يكون الاصل الذى اختصره فى جملة الكتب التى كان والده يقتنيها .
وفى سنة ١٢٩٢ هـ قيل عن الشيخ امين الحلوانى انه ألف رسالة ينكر فيها صحة المخلفات النبوية التى كانت الدولة العثمانية تتقرب الى العامة بدعوى الحيازة لها والاحتفال بها فى مواكب دورية أو غير دورية . وعلى أثر ذلك قام الحلواني برحلة الى مصر ولبعض بلاد الشرق العربي .
وفى مصر اتصل بالعلامة الشيخ محمد محمود التركزى الشنقيطى وأخذ عنه واستفاد منه ، وخالط طبقة ذلك الوقت من علماء مصر واعيانها .
وفى ربيع الاول من سن ١٣٠١ ألف رسالته الصغيرة ( جنى النحلة فى كيفية غرس النخلة ) واكبر الظن انه ألفها فى مصر ليرشد المشتغلين فيها بالزراعة الى تجارب اهل المدينة التى اقتبسوها من اهل القصيم فى نجد - مثل بريدة وعنيزة والرس - وهم ابرع مستثمرى هذه الشجرة القديمة الحبيبة الى العرب والقائمين على تربيتها ورعايتها .
وفى تلك السنة ( أى ١٣٠١ ) ذهب الى ليدن وأمستردام بمجموعة من المخطوطات العربية كان اقتناها فى السنين السالفة فابتاعتها منه مكتبة ليدن الغنية بنفائس مخطوطاتها العربية . ولمخطوطات الحلواني هذه فهرس خاص وضعه المستشرقون ووصفوا فيه مفرداتها
ورأينا الحلواني بعد ذلك فى الهند يسعى فى طبع الكتب المهمة " واهمها ديوان ( لزوم مالا يلزم ) لرهن المجسين حكيم الشعراء ابى العلاء احمد بن عبد الله بن سلمان التنوخي المعرى ، وقد طبعه على الحجر فى المطبعة الحسينية فى بومباى الهند سنة ١٣٠٣ بخط حسين البهائي الشيرازى عن اصل صحيح مضبوط بخط عبد الواحد بن عبد الرفيع فرغ منه فى اواسط صفر سنة ٦٣٩ " وكتبه لخزانة الامير ابى زكريا ابن الشيخ المجاهد أبى محمد ابن الشيخ المجاهد ابى حفص . وطبعة الحلواني هذه للزوم ما لا يلزم هى التى نقلت عنها طبعة عزيز زند وعن هذه نقلت طبعة المكتبة التجارية . وكنت سمعت من الدكتور عبد الرحمن شهبندر ان والده رحمه الله ساهم - على سبيل التجارة فى نفقات طبعة الحلواني لهذا الديوان الشعرى العظيم .
وكان الشيخ أمين لحلوانى فى مدة اقامته فى الهند وفيا لذلك الوطن الاسلامى العظيم كوفائه لآداب العرب وتراثها : وقد حمله ذلك على طبع كتاب ( سبحة المرجان فى آثار هندستان ) للعلامة غلام على آزاد الحسينى الواسطى البلكرامى المولود سنة ١١١٦ وهو من الاسرة العظيمة العربية الاصل التى منها السيد مرتضى الحسينى شارح القاموس واحياء العلوم . وقد أتم غلام على آزاد تأليف السبحة فى سنة ١١٧٧ فتكون وفاته بعد ذلك ، وكان طبع الحلواني لهذا الكتاب على الحجر فى بومباى الهند سنة ١٣٠٣
وفى الهند ايضا طبع الحلواني فى مختصره هذا ، لكتاب المؤرخ ابن سند عن حوادث العراق من سنة ١١٨٨ الى سنة ١٢٤٢ ، وتلك الطبعة فقدت نسخها من الأيدى واصبحت فى ندرتها كالكتب المخطوطة ، وكان طبعها فى شوال سنه ١٣٠٤ بالمطبعة الحسينية ايضا بخط عبد الغني ابن الشيخ محمد الخطيب " وألحق بمختصر تاريخ ابن سند رسالته ( جنى النحلة فى كيفية غرس النخلة ) التى نظن انه ألفها وهو فى مصر . أما اختصاره تاريخ ابن سند فلا شك انه كان وهو فى المدينة قبل قيامه منها لرحلاته فى الشرق واوربا
وفى سنة ١٣٠٧ طبع الحلواني فى بومباى الهند ايضا رده على جرجى زيدان وسماه ( نبش الهذيان ، من تاريخ جرجى زيدان ) فهو أقدم من كل الذين انتبهوا بعد ذلك لنواحى الضعف في كتب جرجى زيدان التاريخية ، وفى طليعتهم علامة الهند واستاذ علمائها الشيخ شبلى النعاني ، ومن علماء مصر احمد تيمور باشا والشيخ احمد الاسكندرى ، ومن غيرهم الأب لويس شيخو . وقد اجاب جرجى زيدان على رسالة الشيخ امين برسالة سماها ( رد رنان ، على نبش الهذيان ) وطبعها سنة ١٨٩١ م ١٣٠٩ هـ
وظهر للحلوانى فى سنة ١٣١٢ كتاب ( السيول المغرقة ، على الصواعق المحرقة ) وهو أرد على السيد احمد اسعد المدنى من المنتمين الى طريقة الشيخ ابى الهدى الصيادى ، لكن الشيخ أمينا الحلواني لم يصرح فى هذا الرد باسمه وانتحل اسما مستعارا هو ( عبد الباسط المنوفى ) . ومن المحتمل ان يكون المردود عليه فى كتاب ( السيول المغرقة ) أحد الذين شنوا على الشيخ أمين في سنة ١٢٩٢ بدعوى انه انكر صحة المخلفات النبوية التى كانت الدولة العثمانية تزعم حيازتها وكان ذلك سبب رحلته عن وطنه الى مصر والهند وغيرهما .
وبعد فأن الشيخ أمين بن حسن الحلوانى المدنى من مفاخر اهل الفضل الذين نجبتهم المدينة المنورة فى اواخر القرن الثالث عشر وأوائل القرن الرابع عشر الهجري . وقد اردت ان ألم من حياته بأكثر من هذا ، فسألت اديب المدينة المنورة الاستاذ عبد القدوس الانصارى عن الموجودين الى الآن من اقارب الشيخ امين والعارفين بترجمته فعلمت منه ان هذه الاسرة لم يبق منها احد له صلة بهذه الامور أو اشتغال بالمعارف الاسلامية ، فاكتفيت من التعريف به بما استطعت ان اعرفه ولا يكلف الله نفسا الا وسعها ، واهل الحجاز ولا سيما المدينة المنورة أولى منى بالبحث عن حياة افاضلهم وفى طليعتهم الشيخ امين بن حسن الحلوانى الذي لا شك فى انه توفى فى الهند ، وقد علمت من الشيخ عبد القدوس الانصارى أن احد افاضل الهند كتب ترجمة له بمناسبة وفاته فى بلادهم ، وكنت على وعد منه بارسال صورة من هذه الترجمة لأستفيد مما فيها من زيادة على ما أعلم ، ولا سيما سنة وفاته وسنة ولادته ان كان ذلك معلوما ، ولو وصلت الي هذه الترجمة لكان فيها ما لعله يزيد القراء علما بهذا العالم الحجازى الذى كان فى زمنه ووطنه كلمعة البرق ، يعيش بين قومه فى عصر يسبق عصرهم ، ويعيشون معه فى عصر متأخر عن عصره . رحمه الله ، وطيب ذكراه . مصر - دار الفتح - بجزيرة الروضة

