ان لكل الشعوب ادبا توطد خاصة اثر اختراع الكتابة رغم تقدمه عليها بزمن ليس بالقصير . وكثيرا ما تعبر الاثار الادبية المحفوظة والراسخة فى القدم عن اتقان قد عرف بعد التفنن والجودة ، الى حد لا نتمالك معه عن افتراض وجود ادب متواتر لسانى قبلى ، لم يبق منه شىء بسبب انقراض اولئك الذين بنوه واسسوه ، ثم عاشوه من غير ان يدركوا الكتابة . ذلك ما نستوحيه من الاوذيسا لهوميروس .
تتسامى فيها بعض الوجوه ، فتبرز صورها على انها نماذج تتضح من خلال ضجيج الاجتماعات وقعقعة السلاح ، ليحتفظ بها الشعب الفتى فى ذاكرته ، اذ هى التى تعينه على الشعور بكيانه ، باستمراره عبر الزمن ؛ وفى تلك النماذج تعبر الحضارات عن ذات نفسها . ان كل ما يكون مادة الاسطورة قديم بدائى على المستوى المادى ، ولكنه متطور على المستوى الاخلاقى بكل ما فى ذلك من مقتضيات حسن الضيافة وتراتيبها بصرف النظر عن الحرب والمعارك .
ان الاسلوب ودقة النظم الشعرى يكشفان فنا مصقولا ومقدرة عظمى على التصرف ، مع براعة وحساسية مرهفة بكل ما هو انسانى ، فتبدو الحضارة الرقيقة الناعمة التى هى حضارة المؤلف او المؤلفين .
ولقد كان تأثير ملحمتى هوميروس بعيدا وعميقا حتى قال افلاطون فى لشاعر الاغريقى بأنه (( مربى اليونان )) ، ولا شك فى انه سيربى قسما كبيرا من الغرب بعد ذلك . وقال هيڤو (( ولد العالم فغنى له هوميروس ، انه طائر ذاك السحر )) . والاقرب الينا من ذينك معا شارل بيڤى الذى يكتب : (( قد لا نجد شيئا يعادل صحيفة اليوم قدما ، ومع ذلك فانى اشعر بان هوميروس اكثر ما يكون جدة فى هذا الصباح . ان المسألة ترجع الى طبع الاشياء وكنهها . )) (1)
وهكذا فان لتأليف هوميروس اهمية كبرى فى العالم الاغريقى ، ثم نفس الاهمية فى العالم الرومانى ، واخيرا فى العالم الغربى . وهو يؤثر فى سواد الشعب كتأثيره على الادباء تماما . ولقد تبدو الملحمتان الخلاصة المقدسة لكل القيم الدينية الاخلاقية والفكرية المكونة لاساس الحضارة الاغريقية . ومطالعة هذه المؤلفات فى نظر رجل الغرب ما هى الا حج حقيقى نحو منبع حساسيته وضميره الاخلاقى والتاريخى .
لقد تذكرنى (( الاذويسا )) ببطليها (( اوليس )) و (( بينيلوب )) طه حسين فى بعض كتبه ، كما نبهنى هو اليها بما اثار فى نفسى من شوق اليها والى ما فيها من اجواء شعرية الهية تخرج عن نطاق الانسان ومحيطه الضيق ، لتسبح فى اجواء بطولية مطلقة . هى امتزاج بين قوة الابطال وعظمة الآلهة ، يقوى له الخيال وتخصب به الروح ، فتندمج فى عوالم بعيدة فى الزمان والمكان ، وتسبح فى ابعاد اختلفت مقاييسها عن مقاييسنا ، ابعاد لا تعرف الحدود المادية الضيقة ، لان معانيها تلتزم الاطلاق ، فترفرف فى اجواء قوامها الجمال والبطولة والآلهة .
ولاول مرة اقرأ فاجد الآلهة تنزل الى ارض الانسان كلما نادها ودعته حاجته اليها ؛ ولاول مرة اعيش اجواء وارى صورا تكون فيها الآلهة فى خدمة الانسان ويكون الانسان ذلك الكائن المطواع ، الشاعر بالنعمة المكبر للقوة وللعظمة .
وان انت قرأت الاوذيسا بدت لك العلاقة وثيقة بين الانسان والالاه او بين من يموت ومن لا يموت ، او بين الضعف والقوة ، او بين المرتزق والرزاق . وسرعان ما تمكنك تلك العلاقة من تصور ما كان للقدامى من نظرة طقوسية ، فيها من البساطة ما يوحى بطباعهم وأذواقهم وعقلياتهم ومفاهيمهم . وهو امر اصدق من الايحاء ، هو تصوير لحياة مغرقة فى القدم ، بما فيها من مثل عليا ، ومقاييس اخلاقية .
ان التصور الطقوسى لاولئك الذين عاشوا عصر الالياذة والأوذيسا لا يختلف كثيرا عن تصورنا لما يحيط بنا من قوى خفية غامضة نسميها تارة القضاء والقدر ، وطورا الشيطان ، واحيانا نرجع هذا وذاك الى مشيئة الله . ثم انه تصور يستجيب لحاجة الانسان الشديدة الى العون والعدل والحق .
واذ يجدر بمثقفى اليوم ان يطالعوا ملحمتى هوميروس وبالاخص الاوذيسا فلأنها تمتع عقولهم وارواحهم بما تمدهم به من خيال واسع طريف ، وتصور قديم ، ولكنه جديد غير مألوف فى نظرنا للآلة وللقوى الماورائية ، كل ذلك ضمن اطار حركى حى متجدد طقوسى شعرى .
ثم هى بعد ذلك تعتبر المنبع الاصلى لكل ادب وفن . وكم يلذ للكثيرين منا ان يرتدوا صاعدين فى وجه التيار الادبى الانسانى حتى يدركوا المنبع ، فيقفوا على اسراره وما فيه من سحر باهر كان ولا يزال له الاثر الكبير فى النفوس والآداب قديمها وحديثها .
وسوف لا تهزك الاوذيسا لمجرد ما فيها من روعة المعنى ودقة التصوير فحسب، وانما هى تنال اعجابك بحسن تبويب فصولها، ودقة تنظيم مختلف مراحلها كقصة عرفت كيف تحتفظ برونقها وجدتها عبر طويل الازمان وبعيد العصور .
لقد تعرض الباحثون فى كثير من الجد والحماس الى مؤلف او مؤلفى الاوذيسا ، فاختلفوا كل الاختلاف ، ولكن هل فى اختلافهم ما ينقص من قيمة هذه الملحمة او تلك ؟ .. وسواء الفت جميعها فى وقت واحد او فى اوقات متفاوتة وازمنة متباعدة ، وسواء نقحت او غيرت او دخلها التحريف والزيادة والنقص ، فان الاوذيسا هى الاوذيسا بروحها التى ركبت فيها منذ عشرات القرون . والحق ان العلماء ببحوثهم وتمحيصهم لم يضيفوا الى ذلك العمل الفنى الا مزيدا من الرسوخ ، وحظوظا اوفر من البقاء والدوام .
ولم يقف بحث المفكرين عند حد ، فلقد حاول قدماؤهم ومحدثوهم كشف القناع عن تلك الامكنة التى غمرها الخيال ، وغلفتها الاسطورة فى غشاء من المجهول والمطلق . وفى اعتقادى ان ما نسبوه اليها من تلك الامكنة الموجودة فى جهات معينة من سواحل البحر الابيض المتوسط لا يفيد الاوذيسا بقدر ما يمس فيها ذلك الجو الخيالى الاسطورى السحرى ليخرجه من عالمه الالهى الطقوسى الى عالم الاحياء الضيق .
ان اهم ما تمتاز به الاوذيسا هو انغماسها فى عالمين متناقضين كل التناقض ، اولهما عالم الآلهة والارواح وثانيهما عالم المادة فى اعنف واقوى مظاهرها . ومن
ذلك الجمع امكن ان تخلق وحدة متجانسة متكاملة قوامها العالم القديم بحضارته وتفكيره ومجتمعه . ولو شئنا ان نحقق هذه الوحدة المؤلفة من عالمى الآلهة والناس لما وجدنا غير عالم واحد هو عالم الاحياء ، بكل ما يميزه من استجابة شديدة لدواعى اللذة ، والخوف من عوامل الرعب والفزع . وما دور الآلهة فى كل ذلك الا مجرد تدخل يصلح لتفسير مظاهر الانتصار والغلبة او الفشل والهزيمة او الحياة والموت . هى آلهة ولكنها تعيش مع الانسان فتسبب ما تسبب له من خير وشر .
فلا التغييرات المستمرة ، ولا التحويرات ، ولا حتى الزيادة والتنقيحات ، استطاعت ان تطمس معالم ذلك الجمال الاول لتسلسل تلك الحلقات التى تجعل فى مصاف القمم المطلقة للادب الانسانى . وهى مع ذلك وبعد كل تلك القرون لا تزال تستتأثر باعجابنا : وكيف لا نعجب من تلك المقدرة وذلك الضبط فى الاخراج واليسر فى الحوار ؟ .. ثم من تلك القوة فى التأثير ؟ .. واخيرا من كل هذه الدقة والقوة جميعا .
اما بالنسبة لاغريق العهد القديم فان الشعر الهميرى يمثل بحق الكتاب الوطنى ، وهو فى ذلك يشبه الانجيل ، اذ يقبل عليه كل الفتيان الاحداث اليونانيين ليتلقوا منه ادبهم ، ويجدوا فيه إلى جانب ذلك نماذج من الشجاعة والاقدام والذكاء . والابعد من ذلك ان منهم من كان يرى فيه المنبع الاصلى لكل حكمة وعلم ؛ بل لايزال علماء التاريخ والآثار واللغة - الى يومنا هذا - بكتشفون وفرة وغزارة فى مادة بحوثهم .
لقد أحب الاوذيسا واعجب بها واستفاد منها ما يزيد عن المائة جيل ؛ فيا ليت شعرى كم جيل سيحبها ويعجب بها ويستفيد منها فى المستقبل (2) .

