الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 1الرجوع إلى "الفكر"

اغراض الشعر التونسي الحديث

Share

تقديم

الشعر هو عملية خلق فنية تنطلق من الذات الفردية نتيجة معاناة أو حالة شعرية " يعيشها الشاعر الفنان وهي مرحلة توتر نفسانى يشبه الام المخاض التى يتبعها انفراج يتمثل فى افراز القصيدة التى هى بمثابة وليد ومعنى هذا الكلام أن الشعر قبل كل شئ هو تجربة نفسية شخصية تكون الذات الفردية محورها الاساسي ومدارها الرئيسى ، ولعل هذا هو ما دفع وبعض النقاد الى القول بنظرية " الفن للفن " التى يصورها الشاعر أبو القاسم الشاب فى بيتيه التاليين :

أنت يا شعر فلذة من فؤادى             تتغنى ، وقطعة من وجودى

فيك ما فى جوانحي من حنين             أبدى الى صميم الوجود

ولكن الانسان مدني بالطبع على حد تعبير ابن خلدون ، وهذه " المدنية " تستدعى منه أن يتفاعل مع العناصر المحبطة به فيتأثر بها ويؤثر فيها ، وهكذا لا يمكن ان نتصور أن توجد تجربة فنية مستقلة عن تجارب المحموعة وان بدت فى ظاهرها كذلك . فالذات الفردية عبارة عن نافذة تشرف على ما حولها أو  هى بمثابه النهر الذى تعددت روافده ومشاربه فلا يستطيع المرء أن يفرق ما بين مياهه والمياه الاخرى التى تنصب فيه .

فالقضية إذن شائكة ، ولكننا مع ذلك سنعمل على تصنيف الشعر التونسي لحديث الى صنفين ، وسنحاول أن نولى الواحد منهما نفس الاهتمام الذي نوليه للاخر ، وهما " الوجدانية " أو " الغنائية " من جهة ، Lyrisme وما يعبر عنه عادة " بالالتزام " من جهة اخرى Engagement Litteraire أو Milonisme Litterire وهو ما يطلق عادة على القصائد الاجتماعية والسياسية.

1 - الأغراض الوجدانية :

إذا ما تصفحنا ديوان الشعر التونسى الحديث وجدنا أن أغلبه بدور حول موضوعات ذاته غنائية وفى مقدمتها الذي ما زال شعراؤنا يتيهون فى شعابة ويبكون حظهم التعس ويشكون من هجر الحبيب وصده ويفرحون لقربة ويأسفون لبعده ، فهذا الشاعر عبد المجيد بن جدو بغوص في عين حبيبته ويرحل عبرهما فى رحلة مضنية طويلة يحدوه الشوق والحنين

عيناك كون من الالهام والسحر           ففيهما خضرة الأمواج والبحر

عيناك كون من الأحلام يغمرنى           أودعت عينيك معنى الليل والفجر

إني محبك مضنى بالهوى كلف            مازلت من كلفي فى غيمة السكر (1)

وهذا الشاعر محيى الدين خريف يخرج من تجربته الغرامية وكله اعتقاد بان حبيبته فوق الخيال والتصور ، وانه يجرى خلف لمع سراب أو سحار خلب :

حملت هواها بكأسى

وعشت الليالي أحدث عنها الضحى

حين يهطل شمسا على شجر البرتقال

وحدثت عنها الخيال

فلم يتصور لها صورة ، كيف لا ؟

وهي فوق الخيال(2)

وأما الشاعر رياض المرزوقى ، فانه يعترف لنا فى قصيدته " أحبها " بانه متيم مدنف كلف بحبيبته المدللة

الشمس أدنى من بلوغ ما تريد !

أحبها

لو قدم الغير لها تبرا نضيد !

أكتب من دمى قصيد

يراه لا عيونها بل قلبها

عنوانه أحبها !(3)

وهذا الشاعر محمد الشابي يبحر في لجة الذكريات التى تعبق بها المنديلة الزرقاء يوم العودة الى المدارس ، فيتذكر من أحبها وهام فى عشقها :

عاد أكتوبر صافيا كالسماء          عاد فى ثوبك الذى كالسماء

وطيور الأحلام يا أملى قد          خفقت . بعد الصمت والاغفاء

ومظلات الذكريات بذهنى         لم تخفف عني لظى الصحراء !(4)

ويستبد الشوق بالشاعر الصادق شرف أبى وجدان وتستولى عليه الصبابة فيدلج في ذكرياته مع الحبيبة النائية التى تبدو له أحيانا قريبة عن بعد وبعيد عن قرب أحيانا أخرى :

كلما فكرت فى الهجران يوما قد يحين

نخرج الآهة من صدرى على رتل الانين

ضمنى حتى تفيق الذهن من حلمي الحزين .

فهو قد خيل لى انك طيف من حنين

شك فى أنك قربى    شك حتى فى اليقين(5)

وتهز الشاعر عبد الحميد خريف ذكرى ليلة شتائية قضاها مع حبيبة مجهولة فيرسم لنا قصيدة " بماء الحب على ورق الورد " :

تمدين حفنة حلم حريري

وأوراق ورد تحيط بتاج

الغد الآتى من جزر ماؤها عطر

وتربتها لؤلؤيه .

مع موسم الياس والياسمين ! ( 6 )

وأما الشاعر الشاب محمد أحمد القابسي فانه يدعوا فى قصيدته الكشف . الى التأمل فى عشققه العميق الذي طغى على كيانه طغيان الطوفان ، فى لغة شاعرية جذابة :

عاشق يا ذات الظفائر المحمومة بالصيف والشتاء

ينفر من جسدى العشق أصدافا ومحار

عاشق يا ذات الضفائر المحمومة بالصيف والشتاء

ومن يطهرنى يا غجرية بمخاريط النسغ والنار ؟ ( 7 )

ولكن الغزل وإن كان طاغيا على الكثير من القصائد ، فان الشعر التونسي الحديث لم يقتصر عليه بل نوع موضوعاته الوجدانية وعدد مضامينه . ولعل من ابرز هذه المحاور الذاتيه ما نلمسه من تأمل وإغراق فى المعنى وتفلسف

احيانا - يحوم حول الوجود الانسانى والمنزلة البشرية وعالم النفس اللامتناهى واللامحدود .

فهذا الشاعر الصادق شرف ، أبو وجدان يصدع بغربته ويتشبث بها لان الغربية عنده ليست عبئا محضا وإنما هى بداية شعور الانسان بوجوده ووعيه بمصيره ومكانته من الكون طوال رحلته الوجودية التى يغلب عليها العطش والجفاف :

فاذهبي وفق غروبي      وآتركينى فى أغترابى

غربتى سر وجودى       ووجودى فى ذهابى

عطشى يربو           وأتعابى على قلبي تضاريس صباح ورواب للغروب

وارتوائى فى ضفافى بجفافى نبع خصب لانسياب(8)

والى جانب هذه الغربة الوجودية نجد الشاب عبد القادر بن شرودة يعبر فى قصيدته " بيان قبل الترشح لادارة الهموم " عن حالته النفسية المتأزمة . وما هي إلا حقيقة الانسان الأبدية فى رحلته الوجودية المضنية

لم أفكر طويلا في ذلك

منذ عقد فقط وجدت نفسى مهوما

أتأرجح فى الفراغ

               بلا مشنقة

وكنت أتخيل - والأمر موكول الى النسبية

أن أرضى هي التى لا تتأرجح فى الفراغ ! ( 9 )

ولم يشأ الشعر التونسي الحديث أن يتجاهل ظاهرة انسانية خالدة تتمثل فى حب الارض والوطن والتعطش اليهما والوفاء لهما

كيف لا ، والأرض حبيبة رقيقة تعطف على الشاعر وتطوقه برعايتها ، إنها لصلة روحية وجدانية تلك التى تربط بين قلب الشاعر والارض التى يتغنى بها ويمجدها ويمتد حنينه اليها خلف الحدود والحواجز.

فهذا الشاعر جعفر ماجد في قصيدته " دمعتان " يستعطف موطنه " القيروان " فى لغة شعرية فياضة :

أتيت على رغم هذا الزمان فلا تبدئى اللوم يا قيروان

ولا ترفضينى ولا تغضب فلي ههنا . . ألف شأن وشان ! ( 10 )

وأما الشاعر عبد الرحمان الكبلوطى فانه يصور وفاءه " لسوسة " فى قصيدته " أبيات وفاء " :

أجبت نداءك لما دعانى فجئتك أسرع من قيروانى "

وقلبي يحييك يا " سوسة " ويزداد فى خفقه خفقاني ( 11 )

2 - الاغراض الاجتماعية والسياسية :

ورغم تعلق الشاعر التونسى الحديث بذاتيته وفرديته ، فانه آمن بأنه جزء لا يتجزأ من مجموعة بشرية اتحدت آمالها وآلامها فراح يبحث خلالها عن حقيقة نفسه ومكانة الانسان عامة فى محيط تتجاذبه تيارات وملابسات عديدة . فهذا الشاعر محمد عمار شعابنية يتلمس طريقه بين الجموع البشرية المحتشدة على سطح المعمورة ، ويخرج من بحثه بأنه واحد من مكافحين كثيرين ، عمهم كسب القوت وتحقيق الرخاء :

أنا من جموع تهرول خلف القطارات بحثا عن الخبز

            والزيت

                   والقبلة الدافية

بساق قد أنتعلت

وأخرى على العهد لما تزل حافية(12)

وينظر أحمد الحباشة الى نفسه فى مرآة الحياة فيرى انه ما زال على قارعة الطريق يلهث خلف الخبز وهو يجرى وسط قافلة الجياع الصارخين

ما زلت فى قارعة الطريق

ألقى أكفا تسأل الرغيف

تبحث عن رفيق

لما أزل .

الهث خلف الخبز وهو يجرى ( 13 )

ويصور الشاعر الصادق شرف أبو وجدان حالة العائلة الفقيرة التى يتمنى أحد أطفالها حذاء يذهب به الى المدرسة من الغد :

الطفل أدركه اللغوب       ولم يعد بعد الأب

فيميل يسأل أمه             : أماه : فات المغرب

لم يأت بالثوب الجديد         أبى    ترى هل يكذب ؟ !

حتى حذائى قد تهرأ                فى غد بم أذهب ؟ !

- يا آبنى ترقب . .         غير أن النوم لا يترقب(14)

وفي قصيدة بعنوان ونحن نحتج ، نجد نفس الشاعر يخرج من تأملاته فى واقع الامة العربية أمام العدوان الاسرائيلى الغاشم ، بما يلى :

داست جباهنا نعال الهمجيه

أهذه جباهنا ؟ أم ليس هيه ؟

لو بقيت لنا جباه عربية

لأعلنت بأنها منا بريه ! ( 15 )

ويتطلع السويلمي بوجمعة الى مستقبل " فلسطين * الصامدة ، فيراه واعدا خصبا ، مبشرا بالنصر والتفوق

. فقولى لهم : نحن خلف المتاريس نكتب للقادمين وصيه

سينفجر اللغم قبل الأوان

ونعبر منك اليك

ونحفر بحرا جديدا مكان الجبين ! ( 16 )

ويطغى التأثر على روح الشاعرة جميلة الماجرى فتصرخ فى قصيدتها " لرفع الالتباس " بأن " فلسطين " ملك للعرب وليست لسواهم

فلسطين ما كنت أسطورة

وما كنت شعرا بدون انفعال

يردده الناس فى الانديه

فلسطين ليست " لقيطا "

ولا " زانيه "

فنخشى التلفظ بآسمها جهرا

ويخجلنا أن نصيح

فلسطين كانت لنا

فلسطين تبقى لنا .

فلسطين من حقنا ! ( 17 )

هذه بعض الملاحظات والخواطر عنت لى وانا اتصفح بعض الاعداد من مجلة الفكر ، ردت أن أبسطها على القارىء علها تكون مثارا لبعض المسائل والقضايا التى تمس الشعر التونسى الحديث

اشترك في نشرتنا البريدية