قصة
كانت الريح تعصف بقوة . . . ورذاذ المطر يتساقط بعنف . . وحقول الحلفاء تتموج تموجات مسرعة كأنها أمواج البحر . . .
. . . وانحنى يقص الحلفاء بمنجلة ، والريح تعبث بردائه البالى بينما وقف حماره بقلق غير بعيد عنه .
وعندما انتهى من حصد الحلفاء وربطها فى شكل حزمة . . وقف ونظر الى السماء قليلا فوجد أن الجو غائم وان المطر سينزل . . . وانحنى مرة أخرى ورفع الحزمة الكبيرة ووضعها على ظهر حماره وسار . . .
أمامه الآن مسافة بعيدة وطريق وعرة المسالك . . وعليه أن يدور حول الجبل ليصل الى الطريق المؤدية إلى القرية .
وحالت الريح دون ذلك . . . فقد أخذ يسير بمشقة . . ويشق الريح بارادة قوية . . . أما الحمار ، فقد عاقته الحزمة الكبيرة عن السير فى هذه الطبيعة العاتية . وصل الى الممر الضيق الذي يشرف على الوادى . . وكان يخافه فى مثل هذا الطقس الغاضب ؛ وضاعت عيناه فى سحيق الوادى . . . وتواصل نفخ الريح . . . وهو ساه عن الحمار الذى تدفعه الريح الى حافة الوادى ؛ فقد كان يفكر فى أشياء عديدة . . أشياء أكلت (( خيوط فكره )) . . فهى تشغله دائما وتجعله يقلق ويسأم من حياته . . . فى كل يوم . . . فى كل لحظة يفكر فى أطفاله الثمانية الذين يترقبون عودته كل يوم . . ومعه الخبز . . الذى يأكله ليأكل أيامه . . ويفكر فى زوجته التى صنعت له هؤلاء الثمانية ليربطوه ربطا محكما الى مصير بليد .
واستفاق فجأة على صوت سقوط عنيف ، ورأى الحمار يتدحرج الى الوادى وحزمة الحلفاء تتدحرج أيضا غير بعيدة عن الحمار .
وبدرت منه حركة . . . كأنه يريد أن يدرك حماره لينتشله من الهوة . . .
لكنه وقف على حافة الوادى ينظر الى الحيوان وهو يتدحرج بسرعة نحو مصيره حتى استقر بدون حراك على صخرة فى قاع الوادى . . . وتسمرت عيناه فى الحمار الذى لحقت به حزمة الحلفاء . .
وزادت الريح فى قوة عصفها . . وتمايل هو مع ردائه الطائر . . وعيناه مازالتا هناك . . حيث يرقد صديقه الذى يعينه على إطعام الصغار ، ثم ألقى عليه نظرة أخيرة وسار . . سار يجر قدميه جرا ويتصور أولاده وهم يطالبونه بالخبز . وأشرف أخيرا على مرتفع يؤدى الى القرية التى لاحت له بناءاتها الصغيرة المتناثرة والمتجمعة . . . رآها فى صمت مطبق وسكون تام كانها تشاركه حزنه على حماره .
واستمر يسير وفى نفسه حقد باطنى لا يريد إظهاره . . . حقد على كل الزمن ، وعلى هذه الريح التى تحدته وتحدت أطفاله الصغار ، لتجعلهم يرقدون بلا طعام . . . وكانت نفسه ثائرة مع ثورة الطبيعة ، بريحها واشجارها وترابها وسحابها الغاضب ؛ ورغم كل ذلك فقد تخيل وقع حوافر حماره ككل يوم , فالتفت خلفه . . . لكنه لم ير إلا دوران التراب والغبار الذى يطمس معالم الطريق . . . وبقى الوقع يواكب تخيلاته حتى وصل الى القرية .
وصل متخاذل الخطوات ، رأسه مثقل بصورة حماره وهو يسقط ، وصورة أولاده وهم يطالبونه بالخبز وقد تعلقوا به .
- ايدخل عليهم وفى يديه الفراغ ؟ . . هل فراغ يديه من الخبز يقضى على التساؤل الذى سيبدو فى عيونهم الصغيرة ؟ . . هل سيقتنعون بموت حماره . . إنهم لا يقتنعون إلا بالخبز الذى يملأ بطونهم . وخباز القرية . . هل سيقتنع بموت الحمار أيضا ؟ . وهل سيقتنع معه تاجر الحى بذلك عندما يذهب اليهما لاشتراء الخبز والزيت وهو مخروم الجيب فارغ اليد . . لا أحد يقتنع . . . لا يعرفون إلا المقابل . . ليعطوه الخبز والزيت والخضر . . كلهم . . بدون استثناء .
وقرر أن يعود بدون خبز . . ويعود بدون حماره وبدون خضر . . . سيقول لابنائه أن الله قد أخذ الحمار ! . ودخل داره وكأنه مثل بالرصاص . . . وآستقبله الاطفال والزوجة وفى عيونهم تلك الدهشة وذلك التساؤل اللذان أقلقاه طويلا . .
- بابا أين الحمار . . بابا . . أين الخبز . . بابا أين الخبز . . . بابا . . أين الخبز . .
ورنت كلمة خبز فى أذنه طويلا . . . كأن الدنيا كلها مقامة الآن على سؤال : أين الخبز ؟ ونظر الى زوجته وأطفاله وعيناه يملؤهما الاسى . . ودمعة شحيحة لم ترغب فى النزول . وقال لابنائه . .
- الحمار . . الحمار . . ذهب . . أخذه الله ! ! وصاح أكبرهم بدهشة . . - لماذا اخذه الله . . يا أبى ؟ ؟ وتمتم بصوت لا يعرف كيف خرج . ولا من أين ! ! - لماذا ؟ . . لماذا ؟ . . لانه حمارى أنا . . وحماركم . . وقال الطفل . . ألم يعطك خبزا يا بابا عندما أخذ حمارنا ؟ ؟ وأجاب الأب الحزين . . - الله لا يعطى الخبز يا بنى . . وقال الطفل ببراءة . . - اذن . عد الى الله وقل له هات خبزا . . أو ارجع لنا حمارنا !
وابتسم الأب ابتسامة باهتة وعيناه هائمتان فى ارجاء ذلك الوادى الذى مات فيه حماره . واستفاق على صوت ابنته الوحيدة . .
- عد الى الله . . بابا . . عد الى الله وخذ منه حمارنا ! وعاد الأب الى الابتسامة الباهتة وتمتم بعمق : - أعود الى الله ؟ ! . . أعود اليه وأطلب منه الحمار ؟ ! أنا لا استطيع أن أعود الى الله يا أبنائى . . . أما أنتم . . فتستطيعون . . . تستطيعون ! .
وقالت ابنته :
- هل نذهب معا يا بابا إلى الله ؟ ! .
وبكى الطفل الصغير فحملته أمه على ذراعيها واخذت تهدهده . . . لكنه واصل البكاء ، فنظرت الى زوجها الواقف بانكسار وقالت :
- إنه جائع . . . الاطفال . . . جياع . . وأنا . . آه . . لا شئ . . فنظر اليها زوجها . . وقال :
- اعرف ذلك . . اعرفه جيدا . . ليس الاطفال وحدهم الجياع . . بل نحن أيضا . .
وصاح آخر . . ماما . . أريد أن آكل . . أريد خبزا . .
وضاق ذرعا بصياح الطفل . . وصاح هو بدوره . . - اذهبوا الى الله ليؤكلكم . . . اذهبوا اليه ؟ . فنظرت ابنته اليه بفزع وقالت : - ألم تقل يا بابا ان الله لا يعطى خبزا ؟ ! . ونظر اليها الأب وقال بعمق : - نعم لا يعطى خبزا . . لم يعطنا شيئا . . كان دائما يأخذ منا . . ولن يعطينا يا بنيتى . . هيا . . اذهبوا وناموا . . سأجد لكم خبزا غدا . . ناموا هذه الليلة جياعا .
وذهبوا كلهم الى الفراش . . وناموا بمشققة . . إلا الأب فقد بقى ساهرا . . وعيناه تتجولان بلا هوادة فى ظلام الغرفة . . . وكان منظر الحمار وهو يتدحرج لا يفارق خياله . . . وقرر . . قرر أن يذهب غدا الى الله ! ! يذهب ليأخذ الحمار . .
ولم ينم . . وحاول أن يغمض عينيه ، لكن النوم يهرب ويحل محله الارق . . والتخيلات ؛ ونهض بصمت وبدون ضجة . . . وخرج من داره فى الليل البهيم .
لفح البرد وجهه فالتف فى ردائه الصوفى المرقع .
وقرر مرة أخرى أن يسير فى الظلام حتى الصباح . . . وسار وهو يلف الطرق المظلمة ويدور فى الازقة كالاعمى . . بدون هدف . . أو بشعور هدف .
وسمع من بعيد نهيق حماره . . وتوقف عن السير ، وأخذ يصغى الى النهيق ليعرف مصدره . . . إن هذا النهيق يذكره بصديقه العزيز . . وهذا الصوت . . أليف بالنسبة له رغم أنهم يقولون (( إن أنكر الاصوات لصوت الحمير )) . . إن نهيق الحمار بالنسبة له هو الصوت المفضل وهو الموسيقى الوحيدة التى يستسيغها والتى تعبر عن الحياة . . عن الخبز . . عن العمل . . عن الزيت . . عن الخضر . . عن كل شئ . وتذكر الخبز فهاجت امعاؤه . . إنه جوعان . . ومع ذلك واصل السير فى الظلام وفى مهب الريح .. . واختفى النهيق . . وحل محله الصمت . . وعبث الريح من حين لآخر . ووجد نفسه بعد مسيرة طويلة ، بعيدا عن داره وعن أولاده . . وسمع مرة أخرى نهيق حمار . . نهيقا قريبا جدا . . وبحث عن مصدر الصوت . . فرأى دارا مغلقة ، ومن وراء جدرانها يخرج الصوت الحبيب . . واقترب . . والتفت . . ووجد السكون . . والمنازل غارقة فى الظلام . . والصمت يغرق كل شئ ، وأخذ يفتح عينيه جيدا ليرى الجدران وليقيس طولها بعينيه . . وتمتم :
- لن أجد صعوبة . . .
وأخذ يتسلق الجدار بحذر شديد . . واستطاع بعد جهد جهيد أن يصل الى السطح ، وكاد فى اثناء التسلق أن يسقط سقطة تكون هى الاخيرة فى حياته .
واشرف على فناء الدار . . . ورأى . . . رأى حمارا مربوطا . . وكاد يرقص فوق السطح . . وتمتم بفرح :
- إنه حمار . . حمار . . وكما تسلق الجدار . . نزله بحذر شديد .
وسار كاللص حتى دخل سقيفة الدار ، وأخذ يبحث عن الباب الخارجى . . ولم يجده ، كانت يده تصطدم مرة بالجدار وأخرى بفأس . . أو دلو . . . وبقى يتحسس الجدران وتعثر مرات عدة . . فى حبال وصناديق . . وأخيرا وجد الباب .
وانتقل الى مرحلة جديدة من التحسس للبحث عن المجلاز . . . ووجده . . ورفعه . . وفتح الباب ببطء شديد وهو يحاول أن يكتم كركرته برفعه قليلا الى أعلى .
وعاد الى صحن الدار بنفس الحذر وبنفس التحسس . . . عاد الى الحمار . . وفك عقاله وقاده الى السقيفة ببطء حتى يكون وقع حوافره مكتوما .
واخيرا خرج من الدار بعدما أغلق الباب . . وعند ذاك تنفس نفسا عميقا . . وقاد الحمار فى الظلام . . ولما اطمأن الى انه ابتعد عن الدار . . وقف وأخذ يربت على رقبة الحمار . . وانحنى وقبله بين عينيه .
ولم يشأ أن يعود الى داره . . فالفجر سينبلج بعد قليل . . وسار فى طريق الجبل يحدوه شوق زائد الى حصد الحلفاء والرجوع الى ابنائه بالحمار والخبز .
وصل فى الصباح الى المكان الذى سقط منه حماره السابق ، ووقف قليلا فى المكان الذى أصبح مقدسا بالنسبة له . . ورأى حماره يرقد رقدته الابدية ومعه ترقد حزمة الحلفاء التى اعانت الريح على جعله فى قاع الوادى .
وتابع السير مع حماره الجديد أو صديقه الجديد الذى وجد فيه خصال المأسوف عليه ، فأحبه لانه تحدى به الكل وكل شئ .
وقضى يومه يحصد الحلفاء . . ويذهب الى القرية المجاورة فيبيع . . ويعود للحصد . . ويعود للبيع .
واشترى الخبز والزيت والخضر . . والحلوى للاطفال . . وعاد الى قريته . . وقلبه يخفق لرؤية ابنائه . لم يؤنبه ضميره أو آلمته سرقة الحمار . . ولم يشعر بالخزى من هذا العمل الذى قام به لاول مرة . . ومن أجل أولاده ، بل رأى فى ذلك شيئا طبيعيا وواجبا قام به ليعيل صغاره . . وقال فى نفسه وهو يعود وأمامه حماره :
- الفلاح الذى سرقت منه الحمار يستطيع أن يطعم صغاره . . من أرضه . . ويستطيع أن يشترى حمارا آخر . .
وكان وصوله الى داره عند الغروب . . واستقبله الاطفال بصياح الفرحة . . وتعلقوا به وبالحمار . . وارتسمت على وجه زوجته ابتسامة عريضة . . واختطف الصبية الحلوى والخبز . . وراحوا يأكلون ويقبلون الحمار . .
وصاحت به ابنته . . . بابا . . من أين الحمار ؟ ؟ ! ! . فابتسم وقال لها وهو يمسح شعرها بيده : - افتككته من الله .

