الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 8 الرجوع إلى "الفكر"

اقاصيص البشير بن سلامة

Share

قلمى لا يزيح الغبار إلا على العاملين المخلصين لله والانسان أما ضفادع الأدب ، الذين ينفخون أوداجهم بالريح ويملؤون بطونهم بالماء فلا حاجة لى بهم ولا شأن لى معهم ، لانهم يتحاملون على الخلق بطحن القيم وطحن الحياة ، ولكنهم في الآخر لا يطحنون الا انفسهم .                                                      ن . ب

القصة عند الاستاذ البشير بن سلامة تستخلص من واقع الحياة ، اذ يطرح الكاتب ماضى الواقع من ابتذال من شأنه أن يفسد فنيات القصة ليرتفع بالواقع في أقاصيصه الى مستوى فنى تفرضه التقنيات القصصية ، فهو لا يتناول بالتحليل الاحداث فى الواقع الواقع ، انما يتناول بالتحليل الاحداث فى الواقع كما يمكن أن يقع ، ولأجل التصاق انتاجه بحياة الناس فان اقاصيصه تمتاز بالعفوية والتلقائية ، وهي نقطة تجتمع فيها رواسب مطالعات كثيرة وتاثيرات عميقة موغلة فى الزمن ، بحيث تشعر وأنت تطالع القصة بان الكاتب لا يتكلف ما يقول ، ولذلك فهو لا يمارس ضغطا على نفسه كي يتصنع التمنطق القصصى ، بل يترك لذكرياته وملاحظاته وتخميناته العنان ، فلا يتدخل الا لتنظيم الاحداث وترصيفها وتنظيرها حتى يكسبها منطقية تلائم الزمان والمكان . وببساطة الأقاصيص آتية من كونها تتناول مواضيع يعيشها أهل القرى على الخصوص .

فموضوع قصة (( موت وفول وفلقة  )) (1)  يبدأ بحلم مزعج رآه البطل فى المنام ، إذ يرى نفسه وكأنه غارق فى بحر ، ولكنه يتشبث بذروة جملهم كى

لا يرسب في الأعماق . ويتحقق هذا الحلم بموت والد على وتنكر أصحابه فى الكتاب له هكذا بلا مبرر ، فيغرق على فى العزلة والوحشة .

وموضوع قصته (( جنان بنت الرى )) (1)  يمر في ذهن البطل وهو نائم فى الفراش على شكل شريط من الصور ، فيتذكر البطل أثناء ذلك ذهاب الى الجيش بعد الحرب العالمية الاولى ، وكيف رجع الى قريته بعد ثلاث سنوات عرف فيها الحياة وحنكته التجارب مؤمنا بنفسه وبقيمة العمل والجهد ... ولكن أهل القرية يجدهم كما تركهم في شعوذاتهم وتشبثهم بالايمان الزائف فى المعتقدات الباطلة ، ويشبه هذا موضوع قصة : (( على الغافل )) (2) الذي يتناول شابا اسمه على يعمل بباجة فى محطة السكك الحديدية وقد غادر قريته وترك اخوته واخواته فى كفالة جده لانه ضاق ذرعا بتصرفات عمه وتأثيره على جده الشيخ ، وبينما كان بعيدا فى هذه المدينة وقد ألف الجلوس الى الصبايحى أحمد ، اذ به يساق الى الجندية قهرا والحرب الاولى اذ ذاك على أشدها ، فيمثل أمام الضابط الفرنسى ، وكان صاحب لثغة ، فيتهمه هذا بالهروب من الجندية ، ويقرر ارساله الى فرنسا ، فيصمد على ويتمنع، ويثبت أنه لا يعلم من ذلك شيئا (3).

وموضوع قصة (( ومن لا يشكر )) هو تتمة لقصة على الغافل ، فى هذا القسم يساق على من طرف الشاوش قحطار الى ثكنة باردو ، بعد أن يأذن الضابط الفرنسى بادماجه فى عسكر الباى هناك يتدرب على السلاح ويندمج ضمن حراسه .

نلاحظ أن هذه المواضيع هي عبارة عن فصول مختلفة لقصة واحدة ، إذ البطل فيها واحد هو (( على )) ، ولكن الاحداث التى يتعرض لها البطل مختلفة فتمر هذه الاحداث على تنوعها بشكل شريط يختلط فيه الماضى بالحاضر ، والذكرى المؤلمة بالتشوف البعيد ... لأجل هذا سأحللها على أساس أنها اقاصيص مستقلة يوجد بينها اختلاف ظاهر من حيث المضمون بالخصوص

بقطع النظر عن فترة الزمان الواحدة التى تقع فيها الحوادث ، وبقطع النظر عن البطل الواحد الذي نجده فى سائر الأقاصيص . إذ وحدانية البطل لا تدل على وحدة الموضوع ، فكم من حوادث مختلفة تسطر فى قصة الحياة اليومية ، يقوم بها أبطال ذوو أسماء وعقليات ونزعات متحدة .

وأول ما نلاحظه أن البطل فى قصة (( موت وفول وفلقة )) متحمس للعمل فى البداية لتغيير أوضاع قريته ، بعد ثلاث سنوات غاب فيها عن هذه القرية كان يحسبها كفيلة بتغيير واقع ناسها وتطوير حياتهم وذهنياتهم ، ولكن البطل يجد القرية نائمة كما تركها ، وبجد شعوذاتها وعاداتها المقيتة قد صارت آسنة أكثر من ذى قبل .

وفى ذكر الكاتب للاطلال المشرفة على القرية - أثناء مرور القصة فى ذهن البطل - إشعار للقارئ بطريقة غير مباشرة بالشبه الموجود بين القرية التى يسكنها الأحياء ، وبين الأطلال التى يسكنها البوم ، فالزمن فى الخرائب قابع لا يتحرك ، ولا شئ فيها يشير الى النماء والحياة ، وكذلك الزمن فى هذه القرية ، هو أيضا قابع لا يتطور ، فثلاث سنوات من عمر الوجود لم تغير من القرية ولا من عادات ناسها شيئا ، فاذا هي أيضا يسكن فيها القرار ويقبع فيها الزمن ، وإذا هي أيضا طمأنينة بلا حياة .

وهذا ما جعل البطل يتألم ، فألمه آت من كونه يحس بقيمة الزمن وما يفلت مع إفلاته من فرص التطور .

فالزمن عند (( على )) تطور وامتداد وتغير لمظاهر الأشياء والكون ، ولكن أهل القرية لا يعرفون قيمة الزمن ومفعوله فى تغيير حياة الناس ، يدل على ذلك الساعة التى اشتراها (( الهرلى )) ، ولكنه لم يستطع قراءة الوقت فيها ، مما دفع أحد أقرباء على الى شراء ساعة هو أيضا ، وعوض أن يضعها فى يده علقها على رقبة حماره .

فالزمن ليس له قيمة عند هؤلاء القرويين - لأنهم غائبون عن واقع الحياة الحق ، وغارقون فى لج الوهم وغياهب الاباطيل . وفى قصة (( على الغافل )) تلوح نفسية البطل متألمة من اليتم والغربة ، ومن جور عمه الذى يقسو عليه ، ومن خوفه من الخدمة العسكرية .

يحاول الكاتب أن يظهر البطل فى هذه القصة على أنه ضحية المجتمع الفاسد حيث تتظافر عوامل الظلم وتنصب على رأس الفرد ، فلا يشعر بنفسه إلا وهو فى قرار سحيق من الهوان والاذلال .

فعلى الغافل أذله حتى صديقه أحمد البوزيدى (1) لأن ذلك يضمن له العلاقة الحسنة مع المراقب ، وتظهر نفسية على طيبة غريرة لأنه يعتقد الخير فى الناس من أول وهلة . ولذلك لم يتبين البطل عيوب أحمد البوزيدى إلا فى الوقت الذى ادخله فى الزنزانة . فيحس البطل عندئذ بالعراء ، فلا للصداقة معنى ، ولا للقرابة طعم . ولكن يشعر فى قرارة نفسه أن لا شئ كالصمود فى مثل هذه الظروف . ولهذا السبب وقف البطل موقفا متمردا أمام ضابط المراقبة عندما أتهمه بالهروب من الجيش وأمر بأن ينخرط فى الخدمة العسكرية .

فأبطال البشير بن سلامة هم من الصنف الواعى ، الممتاز بالسذاجة وطيبة النفس . يؤلمهم الاحساس بالزمن ، باعتبارهم يحاولون التأثير فى المجتمع ، ويحاولون خلق ما يشبه المعجزة فى الحياة . فالبطل فى قصة (( صفارة جحا )) (2) تضيق به الحال فى القرية ، فيسأم شوارعها الضيقة ، فيخرج من ثم إلى الخلاء ويلتمس حينئذ من السماء صفارة ذات لحن جميل ، فاستطاع بألحانها أن يرقص البهائم والناس .

فهؤلاء الأبطال يمثلون الافراد الواعين الذين حكمت عليهم الظروف بالعيش وسط مجتمع الجهل والأنانية . خذ لذلك مثلا بطل قصة (( جنان بنت الرى )) الذي يدفعه وعيه وتجره تجربته فى الجندية إلى احتقار شعوذات قريته لانه يراها بعيدة كل البعد عن جوهر الحياة الحق . فيقتنع فيما بينه وبين نفسه بأن الشعوذات التى يتمسك بها الناس هى خرافة باطلة عملت سنون الانحطاط على خلقها ، فاذا الانسان لا شئ مسخ وتعلق بالضباط لا غير .

وإذا بنا فى مجتمعاتنا نمسك بأشياء لا صلة لها بجوهر الحياة الحق فزوجة قريب (( على )) لازمت زوجها باستمرار منذ أن سلب منها حليها ،

فقد كانت تخشى أن يقع نظر النساء عليها وهي بلا حلى (1) فبمثل هذه الاشياء كثيرا ما يلتزم الناس التزاما ، ولذلك تكون حياة الناس (( كجمجمة الرحي تدور بلا طحن )) .

فالكاتب يحمل أبطاله من مشاكل الحياة والمجتمع ما يجعلنا نؤمن بأن هذه الاقاصيص وإن نشرت فى عهد الاستقلال فهى من حيث الشكل تمثل المجتمع القديم المؤمن بالمنطق والمثالية فى تركيب هياكله ، وهي من حيث المضمون تمثل نقدا اجتماعيا لما عليه مجتمع الثلاثينات والاربعينات وانعكاسات الهيمنة الاستعمارية على حالة الناس ، وأكثر الاقاصيص دلالة على ما نقول هي قصة (( على الغافل )) التى تفسر حياة الفرد التونسى ، الذى بتعاوره شيخ التراب والصبايحى والعسكرى . كما توضح هذه القصة المعاملة التى يتعرض لها الناس من طرف المسؤولين ، الذين يربطون علاقاتهم مع الناس على أساس الطمع ، فالضابط يوصى على البوزيدى بأن يجلب له من منزلهم دجاجة بفراخها ، ومقابل ذلك يعطيه شهرا من الراحة ، بينما لا يمنح جنديا آخر إلا أربعة ايام ، لأنه لا يرتدى ثيابا جديدة وليس له ما يهديه .

ويوضح الكاتب فى قصة (( على الغافل )) أن العسكر فى مثل هذه الظروف العصيبة كان طريقة من طرق الانتقام من الناس ففي بادىء الأمر دخل على الغافل )) حرس الباى لأنه يحسن الفرنسية ، وأعطاه الضابط رخصة ليرجع الى أهله بعد أن وعده بهدية ، ولكن لما نسى الدجاجة والفراخ أمر بارساله للقتال انتقاما .

فالكاتب يحاول أن يفسر من خلال قصته هذه وأقاصيصه عموما أن الانسان فى مجتمع الجهل والانانية رخيص القيمة ، يتلاشى اعتباره باضمحلال إمكانياته المادية . لأن هذا المجتمع فاسد أساسا باعتبار قيام دعائمه على الطمع والرشوة .

فقصة (( على الغافل )) بالخصوص تفتح بابا على حياة المجتمع التونسى التى تتلاعب بها سلسلة من الأفراد تدفعهم الأطماع حينا ، والمحافظة على مناصبهم حينا آخر الى التضحية بالشعب نفسه ، ودفعه الى المغامرات

الحربية هكذا بلا مبرر ويتمثل هؤلاء الأفراد فى شيخ التراب والصبايحى والباش شاوش والضابط ، وهؤلاء أيضا هم عبارة عن بيادق فى يد الاستعمار يوجههم حيث يشاء ، ويسلط مكرهم ودهاءهم على من يشاء .

فأبطال الأستاذ ابن سلامة يمتازون بالسذاجة والبساطة والعفوية ، ولكنهم يقعدون دائما هدفا للسهام الطائشة ، فلأجل الظلم والحيف اللذين حاقا بهم يعانون ازمة نفسية ، يزيد من حدتها الوضع الاجتماعى الفاسد الذى يعيشون فيه ويتخبط فيه الناس حولهم . وهم انسانيون محبون للخير ، اذ يأبون أن يمر الزمان بلا تطور فى حياة الناس وعقولهم ، وكان الشعور الذي يملأ أعماق هؤلاء الأبطال هو شعور العجز عن الوصول الى ما يتمنون (( فعلى )) فى قصة (( جنان بنت الرى )) أحس بأن لا حول له ولا قوة على تغيير مخلفات السنين التى ورثتها قريته .

وأبطال ابن سلامة يؤمنون بالجبر بحكم عيشهم فى المجتمع التقليدى ، فالبطل فى قصة : (( ومن لا يشكر )) يقوم بواجبه فى طاعة لانه يشعر بعمق أن الحياة في الجيش فاسدة وأن ما يقوم به يملى عليه إملاء ، وأحس فى هذا الجو الخانق أن الويل كل الويل للنابهين من الناس ، أما الذين لا يفهمون من الحقائق شيئا والذين يعيشون كالبعوض فى مزابل الحياة ، فهم الذين بترقون فى الرتب ويتبوؤون المناصب . فكان من ثم عسكر الباى فاسدا ضرورة ، وكان من ثم صوريا لا وظيفة له الا أداء التحية العسكرية (1) وحراسة الأسياد .

قلت لقد شعر البطل وهو فى الجيش بأن الاحداث تفرض عليه فرضا . فـــ : (( كيف يمكن له أن يقرر فرحه أو سروره وهو لم يتسبب في موت جده ولا فى الرخصة ، وليس له دخل فى سير هذا العالم الذى هو فيه ))  (2) .

واعتمادا على هذا فأبطال ابن سلامة يؤمنون بالجبر لا بالاختيار . فالانسان مجبر على أن يحيا ، والانسان مجبر على أن يعيش وضعية ما من الأوضاع القاسية ، والانسان مجبر على أن يكون ما هو كائن .

وهذا الجبر الذى يؤمن به الأبطال هو نتيجة العوامل الاجتماعية المتداخلة التى يزيد من تفاهتها الزيف ، ويلم جنباتها العبث فتضع هذه العوامل الأبطال فى الحيرة والتردد ، وتبعث فى أعماقهم النفور من الاوضاع الفاسدة التى هم فيها ، ويشعرون بتفاهمتهم إزاءها .

ولعل هذا ما جعل التحليل النفسى للابطال والتعمق فى أغوارهم يمكن أن يستنتجه القارئ من خلال تصرفاتهم ، إذ الشخصية تحلل نفسها بنفسها عن طريق ما تقوم به من أفعال ، وعن طريق ما يبدر عنها من أحداث ، تكون هى محورها ، وقطب الرحى يتحكم فيها .

أما الوصف فهو مركز على الأشخاص وتبيين صورهم وتوضيحها ، يقول الكاتب واصفا المؤدب في قصة (( موت وفول وفلقة )) وكان (( المدب الفالت )) طويل القامة عظيم الهامة عريض المنكبين وقورا .

ويقول فى موضع آخر من القصة نفسها واصفا أحد التلامذة المكلفين (( بالفلقة )) (( ولكنك لو نظرت اليه نظرة خاطفة لهالك هزاله المشين ، ولتعجبت من نحافة وجهه وصغر عينيه ورقة يديه ورجليه ، وإن أنت لمحته يمشى وجدته مختلج الخطو يتساقط تساقطا ، فتكاد تقسم انه سيعانق التراب فى كل خطوة يخطوها ، أما لو رأيته فى (( الكتاب )) وهو ينشط الى (( الفلقة ويولج فى حبلها الأرجل لكان عجبك أكبر ودهشتك أشد ، إنك تنسبه فى ذلك الوقت الى القوة الجبارة والحيوية المتناهية ، وتفهم أنه من دعامة (( الكتاب )) وهو القوة التى تخيف واليد التى تقبض ولا ترحم ))  (1) .

ولعل هذا التركيز على وصف النماذج البشرية يرجع الى اعتبار الكاتب - كما نستنتج ذلك من كتاباته - أن الانسان هو غاية كل شئ ، وهو الاول والآخر الذي تهدف اليه كل الجهود البشرية على اختلافها .

لكن الحوار فى أقاصيص الاستاذ ابن سلامة ليس له أهمية كبرى ، فبعض الاقاصيص خالية منه أو تكاد ، مثلما نجد ذلك فى قصة (( جنان بنت الرى ))

وخلو الاقاصيص من الحوار آت من كون السرد يطغي عليها . إذ يحسب المرء أثناء السياق وكأن هناك شخصا يتحدث من عل فيسرد أحداث القصة ويتكلم عما يأتيه البطل من أفعال كأنه إلاه عالم بكل شئ ، فيسرد علينا حتى ذكريات البطل وما أثر فى حياته سردا متتابعا تختلط فيه الذكرى بالتشوف الى المستقبل ، وتمتزج فيه الأزمان ، فيقف الماضى والحاضر والمستقبل على مستوى واحد .

والتحدث عن السرد يجرنا فى الحقيقة الى النظر فى مدى تأثر كاتبنا من الناحية السردية ومن ناحية تركيز الوصف على الاشخاص بالكاتب الجزائرى محمد ذيب : فهذا الاخير لا يستعمل الحوار الا نادرا فى بعض أقاصيصه ، وكتاباته يغلب عليها السرد ، وهو كذلك يركز الوصف على النماذج البشرية التى ترد فى أقاصيصه ، أضف الى ذلك أن شخصيات الكاتب الجزائرى من عامة الشعب ، فجلها من التجار والفلاحون والعمال ، وأبطال ابن سلامة هم كذلك من الطبقة البسيطة ، إذ تجد من بينهم القروى الساذج ، والشيخ الهرم والدرويش المشعوذ ، والمؤدب الدجال .

فى قصص محمد ذيب راو يتحدث من عل بضمير الغائب فيروى الحكاية ويسردها ، وهو ما نجده فى أقاصيص الأستاذ ابن سلامة ، التى كثيرا ما تدور الأحداث فيها حول شخصية رئيسية ، وشخصيات أخرى ثانوية تدخل فى مجرى الحوادث بصورة عارضة اما لأحكام القصة وتدعيم بنائها ، وإما لتغيير مجرى الحوادث الى وجهة ثانية تختلف عن التى رسمها البطل الرئيسى لنفسه .

ونلاحظ التشابه على الخصوص بين وضعية بطل ابن سلامة (( على الغافل )) وبين (( جمال )) بطل قصة (( غرور الشباب )) (1) لمحمد ذيب فكلاهما يتنكر له الأصحاب ويسوء حاله بانقلاب ظروف حياته فجأة ، ويتشابه البطلان من ناحية اخرى فى النقمة على تواكل الأباء والاجداد ، وما جره اهمالهم لشؤون حياتهم ، وشؤون مجتمعهم وتخبطهم فى الشعوذات والأباطيل من عبء ثقيل بقى أبناؤهم يرزحون تحته .

ويظهر تأثر الاستاذ بن سلامة أكثر بالقرآن وكتابات المسعدى ، ويبرز هذا فى لوحاته التى سيأتي تحليلها فيما بعد ، وفى قصة (( صفارة جحا )) (1) على الخصوص فأقاصيص الأستاذ ابن سلامة مركزة على النظر فى حياة المجتمع التونسى خاصة في فترة ما قبل الاستقلال ، فيسلط الأضواء على العلاقات التى تربط المجتمع الشرقى فى تونس بثلة من المستعمرين قدمت لاستغلال أموال البلاد وخيراتها ، ويوضح الحالة التى يحيا عليها المجتمع الشرقى فى نونس وما هى عليه من خرافات وأباطيل زادت الحالة سوءا .

فالأقاصيص إذن نقد مباشر للاوضاع الاجتماعية والسياسية فى البلاد إبان فترة الثلاثينات والأربعينات .

ولكن رغم ما يجده عالم الاجتماع فى هذه الأقاصيص من ثراء فى المادة فانها لم تخل من عيوب ، فمثلا فصل (( ومن لا يشكر )) الذى هو تتمة لقصة (( على الغافل )) فانه يكاد يكون نسخة مطابقة للفصل الاول ، إذ يشعر القارئ أن الكاتب قد أخذ الفصل الاول من قصة (( على الغافل )) وحوره قليلا ثم نشره على انه قصة ثانية تتمم القصة الاولى ، كذلك خواتم بعض الاقاصيص تظهر مفتعلة مثل نهاية قصة : (( موت وفول وفلقة )) التى يبدو أن الكاتب اختلقها إختلاقا ، لانها تتم هكذا برقصة المؤدب مع الاطفال دون أن نعلم المبرر الذى أرقص معلم الصبيان ، ثم الجملة الاخيرة كانت آية قرآنية مما يذكرنى بخواتم الاقاصيص عند بعض كتاب الثلاثينات مثل عبد الرحمان الكعاك ومحمد مناشو ومحمد خروف وغيرهم .

أما الاسلوب القصصى عند كاتبنا فهو سهل بسيط ، يسوق كل الحوادث ويصف لك المرئيات على مهل ، وهو أحيانا يدخل فى الحوار اللهجة العامية مثلما هو فى قصة (( جنان بنت الرى )) وهذا الحوار العامى يصدر عن ناس عاميين مما يذكرنا بأسلوب البشير خريف فى بعض أقاصيصه ، وخاصة فى روايته : (( الدڤلة فى عراجينها )) ، وأغلب الظن أن الكاتب التجأ الى الاسلوب السهل البسيط لأن أقاصيصه تغلب عليها المسحة الاصلاحية شأنه فى ذلك شأن روايات العروسى المطوى ، على أن أحسن الأقاصيص كلها فى رأيى هى

قصة (( صفارة جحا )) . فبالاضافة الى ما فيها من فنيات فهى كذلك تجمع بين المتعة والعمق .

- اللوحات :

- أما لوحاولنا تحليل اللوحات فاننا نجد الكاتب فيها يرتفع بانتاجه الى درجة رفيعة من ناحية الشكل والمضمون ، مما لا يصح معه تسميتها (( باللوحات )) لأن الهدف الأول من اللوحة الفنية اشعار المرء بجمال منظر من المناظر وروعة صورة من الصور ، بقطع النظر عن المضمون ، بينما ماكتبه ابن سلامة وسماه باللوحات يهتم فى نفس الوقت بالشكل والمضمون . مما يجعلنى أفضل تسميتها بـــــ : (( لوحات قصصية )) باعتبار أنها تجمع بين خصائص اللوحة الفنية ودسامة المضمون القصصى .

فى هذه (( اللوحات القصصية )) لا نرى صور القرويين ولا نعثر على شعوذاتهم ، ولا نصطدم بحقائق مصبوبة هكذا فى وعاء بسيط سهل المنال إنما القارىء لهذا النوع من الانتاج عليه أن يقرأ ويجهد نفسه فى القراءة حتى يتبين حقائقها ويعثر على مضامينها .

فلوحة (( الحياة والموت )) (1) هى عبارة عن نوع من الحلم ، ولكنه حلم يحمل حقائق غطاها الكاتب بخيال شعرى ، أهم مميزاته الضبابية التى تحول دون المقاصد .

وفي اللوحة القصصية حقيبة تنتظر مسافرا ، والحقيبة تدل على السفر ، والسفر رمز لما يهدد الحياة من موت وعزلة . .

فالكاتب هنا يعالج مشكلة من أعوص المشاكل الانسانية ألا وهى : مشكلة الفناء . فالموت كما يراه - سارق ، لأنه يسرق حياة الناس .

أما لوحة (( انعتاق )) (2) فمضمونها يصف العبودية المتمثلة فى الفتيات اللائى يعملن فى المنازل ، فهن يأتين الى العمل فى البيوتات بشكل فيتحولن

الى شكل آخر ! وذلك بنزوعهن الى التحرر الذى يوقعهن فى المآسى الاجتماعية ومضمونها يصور فوق ذلك العنصرية والاستعمار ، وتكسير الايدى الذى وصفه الكاتب ، يرمز به الى الايدى التى تعمل بلا دماغ مفكر ، هذه الايدى كان عليها أن تنعتق ما دامت كذلك . ومضمون لوحة (( مولد الانسان )) (1) يعالج موضوع الصداقة والغدر ويتركز المضمون على ايمان آدم بالحرف ، ودوره فى تغيير الانسان يقول الكاتب : (( وتقاطرت الحروف الوهاجة على آدم مطلع كل شهر ، وأشاعت فى نفسه لذة لم يدر أهى القرار يشده الى وجوده ، أم هي غيبوبة الزوال ينخرها سوس الفناء )) (2) .

أما لوحة (( حب )) فموضوعها يعالج نشأة الحب وتطوره بين شخصين ، والعواقب التى تنجر عنه .

وهذا الموضوع بسيط بالقياس لمضمون لوحة (( ضمير الغائب )) (3) التى تعالج توازن الفرد في المجتمع الحديث ، فهذا الانسان قد وجد توازنه ، ولكن الغزو الثقافى الاجنبى قد ضيع منه التوازن ، ففقد بذلك الروابط مع مجتمعه حتى صار منبتا .

فها هنا من خلال هذه المواضيع نتبين أن الكاتب يعالج قضايا ذات بال ، وهى من حيث الاهمية الصق بحياة الناس الحاضرة أكثر من المواضيع التى طرقها فى أقاصيصه .

وهذه المواضيع تقال على لسان أبطال يحملون أسماء غريبة مثل (( صدى )) و (( ظلال )) و (( عتمة )) - ( آنظر لوحة الحياة والموت ) .

لانهم ليسوا بأشخاص حقيقيين ، بل هم ظلال لناس . وفى (( مولد الانسان )) يكون الابطال المتحاورون من الملائكة والحيوانات بما فى ذلك آدم .

والواقع أن الابطال فى هذه (( اللوحات القصصية )) لا يتركهم الكاتب يسيرون على سجيتهم ، بل يحاول إرغامهم ليحملهم آراءه الاجتماعية ونظرته للحياة والموت . بخلاف أبطال الاقاصيص الدين يتركهم على سجيتهم يقومون بأفعالهم على مهل .

وهناك علاقة كبيرة بين اللوحات والاقاصيص ففي كلا النوعين نجد السرد وراويا يتكلم من عل كأنه إلاه . واللوحات في الحقيقة لا تخرج عن نطاق القصة لما سبق أن قدمناه ، ولكن يمكن أن نضعها فى مرتبة أرفع من القصة العادية .

أما الحوار والتحليل النفسى فى (( اللوحات القصصية )) فهما بشكل جديد يخالف ما هو فى الاقاصيص ، فأنت عند القراءة تشعر بغرابة ما يقوله الابطال وتحس بأنهم يعانون ازمات كثيرة من خلال ما يتلفظون به من قول يتميز حرارة .

ومن هنا يمكن أن نضع إصبعنا على عصب أساسى يرمى اليه الكاتب وهو اعتباره الكتابة درجات ، فهذه اللوحات هي في حقيقة أمرها - كما قلت أقاصيص لانها تحمل خصائص القصة من سرد وحوار وتحليل نفسى ، الا انها فى درجة أرفع من القصة ، وذلك من حيث عمق الموضوع ، ومن حيث الاسلوب الصارخ الذى هو الغاية الاساسية من اللوحات .

فأنت تحس بعمق من خلال اللوحة التى تقرأها بأن الكاتب يحاول أن يفجر اللغة تفجيرا ، ويخلق فيها قوالب جديدة لم يعرفها القوم . وتلمس بوضوح أن الكاتب فى لوحاته يعى لغته ويتفهمها ، فيعجنها عجنا ، ويفككها تفكيكا ، ثم يتجاوزها ليخلق منها لبنة جديدة ، تجسم (( فى مضمون العبارة المكتوبة كل تفكيره ، بما فيه من معان ، وخلجات ، وحرارة ، ونبضات ننفسه (1) فهو ينزع الى تكييف اللغة وتطويعها حسب مشيئته لان الاهتمام باللغة فى نظره - يدخل فى نطاق رغبة كل عربى فى التقدم الفكرى .

فالكاتب يهدف بلوحاته الى غاية لغوية أكثر مما يهدف الى تطوير المضمون والشكل ، هذه الغاية هي صهر اللغة العربية وتركيبها من جديد ، حتى نكون

أمام نـمط آخر فريد من نوعه فى الاسلوب والتركيب (1)  . فهو على هذا الأساس يأخذ برأى ابن الاثير القائل : لابد : (( أن تكون الفاظ الكتاب غير مـخلولقة بكثرة الاستعمال . . . أريد أن تكون الالفاظ المستعملة مسبوكة سبكا غريبا ، يظن السامع أنـها غير ما فى أيدى الناس ، وهى مـما فى أيدى الناس )) : ( 2 ) .

ولعل هذا ما جعل الكاتب يـجهد نفسه فى لوحاته باحثا عن لغة تلائم المواضيع الحديثة التى يعبر عنها ، وتخرج به عن الرواسب القديـمة ، أضف الى ذلك أن المتمعن من لوحاته يـجد لـها علاقة كبيرة بكتاباته عن اللغة العربية ( 3 ) التى يرى أنـها قادرة على القيام برسالتها فى القرن العشرين ، على شرط أن تلبس ثوب هذا العصر ، وتستوعب حضارته .

فيمكن أن نقول إن الكاتب فى (( لوحاته القصصية )) قد جدد نظرته للقصة التى رأيناها فى أول هذا المقال فطورها من حيث المضمون والاسلوب على الخصوص ، فاستطاع بواسطة هذا النوع من الكتابة أن يقضى على التفاوت بين مستوى تفكيره ولغة الكتابة عنده .

اشترك في نشرتنا البريدية