الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 3الرجوع إلى "الفكر"

اقتلاع الجذور العفنة

Share

الادب هو الصورة الصادقة عن المجتمع ، وهو الذى يحفظ خصائصه ويسجل حركته ليعطى الفكرة موجزة بعد ذلك يستطيع الانسان من خلالها ان يعرف . وأن يسجل ، وأن يستنتج .

ولعل فى الشعر العربى طيلة القرون الماضية جميع المقومات التى تعطينا صورة عن المجتمعات التى خرج من بينها الشاعر ليسجل مرحلة ، ويؤرخ من خلال حياته وحياة من معه حركة المجتمع ، فمن خلال أشعار الشعراء يستطيع الباحث أن يدرك الكثير ويعلم الأكثر عن الفترة الزمنية التى عاش فيها الشاعر عن الحياة الاجتماعية والنظم والعادات والقيم والديانة .. الى الكثير مما يمكن أخذ الصورة الكاملة من خلال الشعر العربى لمجموعة من الشعراء فى فترة زمنية واحدة ، اذ تكتمل زوايا التسجيل وتلتقط الانطباعات من اكثر من عين وعقل ، كل منها يشكل جزءا من الصورة الرئيسية التى تكتمل بعد ذلك بتجميع الاستشهادات والاستدلالات .

واذا كان أحد الباحثين المحدثين (1) قد استطاع من خلال رواية واحدة أن أن يخرج بتفاصيل متكاملة عن النظام الاجتماعى والجوانب الاقتصادية والسياسية الى جانب الاجتماعية ، نلمس المظهر العلمى والقيم الدينية والمظهر الفكرى ، لنخرج بصورة شبه متكاملة للمجتمع المصرى ليس فى عصر عيسى بن هشام فقط بل فى عصر الباشا كذلك ، فان المتتبع للنتاج الادبى يستطيع أن يخرج بالكثير .

ماذا اذن عن الادب الليبى ؟ ما الذى يمكن لنا ان نخرج به من خلال قراءتنا فى الادب الليبى ؟ ( الكرة ) (2) .. ( العيد فى الارض ) (3) .. ( الجدار ) (4) .. ( الرمال الناعمة ) (5) اربع قصص ليبية قصيرة تحاول أن تسجل حدثا .. تبين موقفا وتعطى رأيا ، من وجهة نظر الكاتب .

فى ( الكرة ) (6) يعالج (كامل حسن المقهور) وضعية الطفل عبد الله الذى يواجه بالرفض من كافة اطفال الشارع يتزعمهم ابن الحاج ، لان والدته مومس ، ينبعث هذا الاحتقار أساسا من امتلاك ابن الحاج لوسيلة استطاع أن يتزعم بها أطفال الشارع .

ان جميع الاطفال يعانون الفقر (( فى نفس الوقت الذى يجتمع فيه الصغار فى الوسعاية قريبا من الطريق المار بين الجـ ... قبل ان يمتد الشارع الكبير المرصوف الذى يصل الحى بالمدينة .. فى نفس الوقت الذى يرجع فيه الكبار .. أناس كبار ضعاف .. متعبون .. عيونهم هامدة .. ارجلهم ثقيلة .. وخطواتهم حائرة .. وفى أيديهم أشياء .. أرغفة خبز .. خضر من السوق .. وثيابهم ملطخة بآثار العمل .. )) ان جميع الاطفال ذوو مستوى اجتماعى واحد، جميعهم يعيش حياة لا يعرف الترف اليها سبيلا، الا ابن الحاج الذى يتميز عنهم بأنه يملك وسيلة من أهم وسائل الترفيه والتسلية عند الاطفال .. كرة.

وبالرغم من ان الطفل عبد الله تمتلئ نفسه ألما لاعتقاده أن جميع من فى الشارع يحتقرونه ولا يحبونه ، الا أن هناك ادراكا اكبر كان يتماثل لديه (( كلمة قبيحة )) .. كانت دائما تلصق بأمه .. حتى النسوة كن دائما يشرن

اليه ويقلن فى غير حياء هذه الكلمة .. ولم يصدق هذا الكلام .. فهو يحب أمه .. ويراها جميلة .. صغيرة .. على وجهها أصباغ لا تحلم بها نساء الحى .. وتعيش بعيدا عن جوهن الموبوء المملوء مشاحنات .. وعن التراب .. والجامع المتهدم .. والبيوت المنخفضة اللاصقة بالارض .. و كان يحبها جدا على الرغم من أنها لا تسكن معه ولا مع جدته حيث يعيش .. ولم يكن يتصور أبدا أن هذه الانسانة الروحية الجميلة يمكن أن تكون ما يدعونه فى الحى ، انه يكرههم لذلك .. انه يكره حتى شارعهم .. حتى أطفالهم ))

هذا الادراك كان يرتفع عن تلك الاحساسات اليومية التى تخالجه . . ومن هنا فطن إلى وسيلة الضغط التى يستخدمها ابن الحاج ليكسب أطفال الشارع إلى جانبه ، الاطفال الذين يبحثون عن التسلية ، يقفون مع من يوفرها لهم دون احساس بما يشكله ذلك من اساءة ولو كانت غير مقصودة - بالآخرين .

كانت كرة ابن الحاج وسيلة الضغط فتجمعت احلام عبد الله على ان تكون له كرة .. كرة جميلة وكبيرة ، اكبر من تلك التى يملكها ابن الحاج ، وعندما تأكد من قوة جانبه باستمالة بقية اطفال الشارع للعب معه هو بكرته الجديدة الكبيرة أصبح من حقه أن يقف فى وجه ابن الحاج وأن يرد له واحدة من الطعنات التى طالما وجهها اليه (نلعب معك ياعبد الله ..)

فابتسم عبد الله ابتسامة مرحة ولمعت عيناه وقال :

- العبوا كلكم الا ابن الفاسدة .. هذا لا يلعب معنا .. امى قالت لى ما تلعب معه .. وحينما هجم عليه ابن الحاج وقف الجميع دونه يدافعون عن عبد الله ) .

ان الكرة التى أذلت كثيرا حان لها أن تأخذ دورها فى الدفاع عن نفسها .

إذا كانت عملية الحوار تتم بين طرفى الصراع فى (الكرة) فانها تغيب تماما فى (العيد فى الارض) (7) ولا نلمس لها أن ظلال من خلال حوار يتدفق بين شخصيات تمثل طرفا واحدا ، لكن (عبد القويرى) يحول ذلك الحوار المفتقد

الى لغة سردية ووصف لما عليه كل من الطرفين ، فى مكان السكن ، فى نوعية الملابس ، فى نوعية الاكل ، الى جانب العمل .. أسلوب التعامل ، والفرحه فى مناسبة دينية هامة هى عيد الفطر ، كما تتغير النتيجة من اتخاذ نفس أسلوب الطرف الثانى فى الصراع الى موقف آخر أشمل وأعم لاجتثاث المشكلة من أساسها .

ذلك ان سالم توصل الى قناعة كاملة من خلال كافة الفوارق التى لاحظها ويلاحظها فى كل ما يحيط بحياته ، فى المسكن (( استمروا فى سيرهما حتى تركا البنايات الكبيرة خلفهما ، وبانت أمام عينيهما أطراف المدينة ، حيث تقبع الاكواخ وسط أكوام من المهملات وبقايا الحرب الماضية من أسلاك وبراميل قديمة )) والمآكل .. ((وانتشرت فى الجو رائحة الثوم والبصل واللحم ، ودخلت الى أنف عيسى ، فحاول أن يقارنها بما تخلل انفه اثناء سيره فى الشوارع الواسعة ، فادرك ان الفرق غير جرىء .. ومصص شفتيه وسكت )). واسلوب الحياة (( حتى المقاهى قد خلت من روادها فى هذا اليوم ، وراى لهذا اليوم عند كل الناس تمييزا ، كما تميز عنده أيضا ولكن ليس كبقية الناس الصغار ، ومن أين له أن يكون مثلهم .. وبأى شئ ؟ هو لا يعرف من أمر حياته سوى أنه يملك هذه القروش التى يتاجر بها ، فيشترى صندوق حلوى ثم يدور به ليبيعه ، فيكسب قرشين او ثلاثة يعرف أن يأكل بهما حتى اذا جاء الليل آوى الى ذلك المكان خارج المدينة ، حيث خرقه البالية ، وقد حشدها فى ركن حائط قديم متهدم ، فيلتف بها ، ويلقى بجسده فى ذلك المكان المظلم فلا يصحو الا عند الفجر على أصوات العربات تقطع ذلك الطريق البعيد فيسرع آخذا صندوقه وما تبقى فيه من بضاعة ويسير متهملا وعيناه ما زال يغلقهما النوم ، وجسده قد رضه هواء الليل البارد ، الذى نفذ الى جلده من خلال الخروق التى تغطى بها .. ويتغلب على خموله رويدا رويدا .. ويسير ، ثم يقفز خلال الازقة حتى يصل الشوارع الواسعة ، فيرفع صوته بالنداء على بضاعته بادئا يوما جديدا )) .

ومن خلال هذه التفاصيل التى يقدمها القصاص يمكن لنا ان نلمس تلك الازمة النفسية التى يعيشها عيسى بين واقع يعيشه ومثل طيب يعيش فى خياله من خلال وصايا دينية (( - هيا يا أخى ..

وتفادى تأزم الموقف بان سار معه وانبثقت من فمه كلمة .. - أنا مسكين .

ونظر اليه سالم ولم يقل شيئا . فعاد يردد .

- راقد ريح .

ولم يجبه سالم بشىء ، وكان يسبقه بخطوات ، فأسرع عيسى ليلحق به متسائلا :

- حق .. عيدنا فى السماء .. المساكين كيفنا ؟

- وأنت مسكين ؟

- وين عندى ؟

- عندك نفسك ؟

- نفسى اليوم جوعانة .. فى يوم العيد ، حتى شئ ما عندى .. ثلاث قروش .. هاه ))

الا ان الفكرة تتبلور فى النهاية لتصبح ادراكا كاملا يتعمق ويتعمق ليصبح مناداة بدعوة ومن خلال الاهدار على تحقيقها يتم تحقيق العمل الشامل .

إذا كان من يكتبون بالنار فى ( الكرة ) و ( العيد فى الارض ) قد وجدوا انفسهم هكذا ، فى وضع اجتماعى سئ لا ذنب لهم فى صنعه ولا فى صنع رواسبه فان ( يوسف الشريف ) في ( الجدار ) (8) يعطى للمشكلة وضعا آخر حين يضع وجها لوجه ، من صنع هذا الوضع ، ومن أحس به وحاول مقاومته ، ثم رفضه .

ان البداية فى صنع هذا الوضع على المستوى الضيق ، ومستوى الشارع كان خطأ من مفتاح (( حدث ذلك منذ شهور .. عندما بدأ عمله بوظيفته الجديدة .. وعندما سكت على شئ ما حدث فى المصلحة التى يعمل بها وكافأه المدير بترقيته الى الدرجة الثالثة .. منذ ذلك اليوم بدأ الجدار الاسود يعلو ويعلو حتى يتمثل انه سجين زنزانة لا سبيل للفرار منها )) .

وكان من الممكن أن يتغاضى الانسان عن تلك الغلطة لوجود رابط عميق

(8) كتب يوسف الشريف قصة (الجدار) سنة 1963 م .

فى الوجدان بين مفتاح ومجموعة   الدكان ، الا أن الترقية والمنصب الجديدين خلفا شيئا آخر فى نفس مفتاح (( عندما ذهب الى المصلحة التى يعمل بها مفتاح وطلب مقابلته .. الا ان المباشر طرده بحجة أن السيد مفتاح مشغول .. ))

ازدادت التراكمات فى علو ذلك الجدار بين الطرفين . شراء السيارة . الانتقال الى مسكن جديد فى حى راق . ثم الانقطاع عن مواصلة رفقاء العمر .    لذلك فعندما قام مفتاح بزيارة اصدقائه وشارعه القديم بعد فترة انقطاع وجد تلك التراكمات قد خلقت الجدار المصلب ، وواجهه بالرفض من كانوا خلصاءه بالامس كرد فعل على جميع أخطائه المتتالية التى لم يراع فى أى منها حق عشرة أو صداقة .

والرفض هنا يتم عن وعى ، كما انه يتم بموقف واحد من كافة مجموعة الدكان ، عندما حلت لحظة المواجهة ، واظهار ما فى أعماق كل منهم ، وهو رفض ينبىء عن استنكار واضح لسلوك انتهازى ، وينبئ عن لحظة مواجهة أكبر وأشمل ، ليس مع مفتاح وحده ولكن مع كل ما يمثله كنموذج سئ يجب أن يتوقف عند حد معين من ممارساته القذرة .

فى ( الرمال الناعمة ) (9) يلجأ ( احمد ابراهيم الفقيه ) الى المواجهة بين الطرفين كما فعل ( يوسف الشريف ) ، لكن الموقف يضيع تماما من يد القصاص ، بل يصبح انهزاما للانسان من الداخل .

اننا نلتقى مع مواجهة غير مرتبة أصلا مع محمود ، المناضل القديم الذى يبدأ القصاص فى اعطائنا معلومات عنه (( كان يتقدمنا دائما .. شهما ، صريحا، يتقد توهجا يتسامح مع كل من أخطأ فى حقه ، لكنه لم يكن يتسامح أبدا مع من تهاون فى حق وطنه ، حتى فى أرض الغربة عندما كنا نواصل دراستنا كان الوطن يملأ وجدانه فيجمعنا لنؤسس ناديا باسم بلادنا ، ويملأ قاعات الدراسة بالحديث عن وطنه ويطوف بنا بين الصحف علها تنشر المعلومات

التى قدمها لها عن بلاده .. بعد أن تخرجنا أصر بعضهم على أن يثرى باسرع الطرق . كان محمود وحده الذى ما كان حرصه فى يوم من الايام على أن يكون له بيت فاخر وسيارة فاخرة وأرصدة فى المصارف كان يختار زبائن بسطاء مسحوقين بالكد يتحصل على مصاريف مكتبه وقوته الضرورى ولم ادر ما هو رد الفعل الذى حدث فى نفس محمود حتى جعله يترك مهنته القديمة ويصبح رجلا من رجال الاعمال ، ومرت سنوات وهو فى مدينة .. وانا فى مدينه أخرى .. أسمع أخباره ، لكننى لم ألتق به ...

كان محمود يوما ذلك المناضل القدوة ، وكان المثال الذى يحتذى (( كان دائما يملأ فكرى ، حتى فى عملى كانت شخصية محمود هى التى تملأ ذهنى ، ونقود خطاى وطالما تهيأت الى يوم التقى فيه بمحمود أسرد أمامه همومى وأضىء بروحه وكلماته بعضا من ضباب الطريق )) .

وسقط المناضل ، سقط فى غفلة عمن اتخذوه قدوة ، وكما كان سقوطه مفاجئا لمن زامله وعاش مع افكاره زمنا ، حتى انه لم يعرفه فى بداية الامر عندما التقى به بعد غياب ، تغيرت اليه النظرة فجأة أيضا (( فتشت عنه فى عينيه فلم أجده . لم تكن هى عيناه . أين توهج محمود وومضته الكاشفة الحارقة عندما ينظر اليك من هذين القنديلين المطفأين ..

وعندما ابتسم .. لم تكن هى ابتسامة محمود القديمة ، كانت ابتسامته المشهورة التى تشرق فى وجهك ، فتحس بها طازجة ساخنة كأنفاسه ، قد اختفت ، حلت مكانها مساحة بيضاء تظهر وتختفى دون مبرر لظهورها واختفائها ، وأحسست بابتسامته باردة ، لزجة ، تسيل على وجهى ويدى وقدمى ، حتى أشعرتنى بالاشمئزاز )) .

هذا التغير فى الاحساس لم يصحبه اطلاقا موقف صارم ثابت ، بل تبعه احساس بالهزيمة ، وليس على مستوى العلاقة القديمة بين بطل القصة ومحمود ، فقط بل أيضا فى أعماق محمود (( عندما ودعنى ومضى يبتلعه الزحام ، وقفت تائها مرزوءا ، احسست بخيبة لم أحس بها طوال عمرى تحط فى نفسى وتملؤها ، حتى كدت أجهش بالبكاء وسط الشارع ..ولم أدر لماذا كنت أحس كأن محمودا كان رفيق سفرى الوحيد ثم مات عنى .. ابتلعته رمال ناعمة ، وبت أضرب فى المتاهة وحدى .. كنت خائفا مذعورا . تحول

الرصيف تحت قدمى الى شئ رطب لزج ناعم . كأنه الرمال الناعمة .. وكنت امتلىء خوفا من ان تمتصنى الرمال الناعمة .     انه العجز وفقدان الثقة حتى فى النفس عند (أحمد ابراهيم الفقيه) .

ما الذى يمكن لنا ان نخرج به من خلال هذه القصص الاربع التى يربطها محور واحد ، لقصاصين تختلف أعمارهم .. يختلف امتلاكهم لاسلوب العرض الفنى .. تتعدد مصادر ثقافتهم .. تختلف نظراتهم الى الحياة والمجتمع . ويختلف موقفهم منها .. ويختلف أيضا زمن كتابة كل منهم لقصته فتمتد المسافة الزمنية لما يقارب الخمسة عشر عاما بين (الكرة) و (الرمال الناعمة) داخل مجتمع لا تثبت حركته ، يضاعف اكتشاف النفط فى ليبيا من سرعة حركته من مجتمع العشيرة الى مجتمع المدينة ..

ما الذى يمكن لنا ان نخرج به من خلال هذه القصص ؟..

ان الظواهر العامة تجتمع فى عدة نقاط رئيسية نلحظها سريعا .. فوجود طرفى صراع فى كل قصة ينبثق منه الحدث هو الظاهرة الرئيسية ، ويتمثل هذا الصراع فى طرفين ، يتخذ موقفا جمعيا تارة وموقفا فرديا تارة اخرى .. فابن الحاج يقابله عبد الله (الكرة) عيسى وصديقه يقابلهم الطرف الغائب ، سكان العمارات والمنازل (العيد فى الارض) مفتاح يقابله سليمان وجماعة الدكان (الجدار) ثم محمود .. ويقابله راوى القصة (الرمال الناعمة) .

ومن خلال هذا التقابل يبرز وضع اجتماعى معين بحكم علاقة الاطراف جميعا . اعتبار ابن الحاج بامتلاكه للكرة .. امتلاك سكان المنازل والعمارات لوسائل الحياة النظيفة والعيشة الميسرة ، ثم انتقال مفتاح ومحمود من وضع إلى آخر افضل منه ، سواء فى المنصب او السكن او عيشه الرفاهيه ، بعد ان انسلخوا من ارتباطاتهم الوجدانية والفكرية القديمة .

وتأتى مرحلة الانتباه لتبدأ فى تفجير الصراع ، ان الاطراف المظلومة هنا تفيق فى لحظة معينة الى ما تعانيه من فقدان للكرامة او سوء العيش وتبدأ مرحلة الموقف والدعوة الى التغيير فى العلاقة بين الطرفين ، من ظالم ومظلوم ، من حياة رفاهية وحياة يؤس ، من العيش داخل نطاق الزمن والعيش خارجه ،

إلى علاقة جديدة مبنية على الكرامة وعلى توفير سبل العيش بشرف ، فى جو تكون فيه القدرات والكفاءة هى المحك لبروز أى شخص فى المجتمع الجديد النظيف .

وتكون نهاية الصراع هى الموقف النهائى للكاتب،والتى يبدأ بعدها الاطراف علاقتهم الاجتماعية من جديد وفق اسس عادلة وفرص متاحة للجميع ، فعلى حين تكون دعوة (كامل المقهور) لبناء المجتمع الجديد استخدام نفس الوسيلة التى يلجأ اليها الطرف الآخر للانتصار عليه ، يدعو (عبد الله القويرى) الى الثورة الشاملة وتحقيق مجتمع التكافل والعدل بتغيير فكر المجتمع اولا ، وبينما يرفض (يوسف الشريف) النموذج القذر ويدعو لمقاومته واقتلاع جذوره ، يسقط (احمد ابراهيم الفقيه) وتظهر نماذجه متخاذلة تنقلب من النضال السياسى الى الكفر بالمثل والعمل بنقيضها ، ويعجز البطل فى قصته حتى عن حماية نفسه من السقوط فى الهاوية التى انحدر اليها زميله القديم .

وعلى حين يستخدم كل من (كامل المقهور) و (عبد الله القويرى) الاطفال أبطالا لكل قصصهم على اعتبار ان الفترة التى يمثلونها (الخمسينات) هى نتيجة لممارسات الجيل السابق ، يستخدم ( يوسف الشريف) و (احمد ابراهيم الفقيه) الشبان ابطالا لقصصهم لان هذا الجيل (الستينات) هو جيلنا نحن ، وان أى ممارسات منحرفة هى حصاد لاعمالنا ونتاج لفكرنا ، يجب ان نتحمل نحن مردوداته ونكون على استعداد لتحمل كل ما ينتج عنه إذا لم يكن الرفض والتحدى لكل منحرف واجبنا الرئيسى .

لقد قال جيل الخمسينات والستينات رأيه ، فما هو رأى جيل السبعينات ؟

اشترك في نشرتنا البريدية