كان يسبح فى بحر عميق من التفكير وهو متكئ على الوسادة القطنية المنتفخة تحت ساعده يضرب اخماسا فى اسداس اذ اقبل عليه صديقه فسلم عليه وانتظر ما يرد به عليه فلم يحظ بذلك لان صديقه كان شارد البال والفكر . فتوقف هنيهة وهو يبتسم ، ثم أطال الوقفة مندهشا لما يرى وهو لا يدرى ما الذى جعل صديقه شارد البال ، ذاهل الفكر حاضرا بجسمه غائبا بقلبه . ولم يتملك من التحكم فى موقفه ولم يوفق اليه فارسلها قهقهة مزعجة قطعت طريق الاسترسال على صديقه الذاهل فاستيقظ هذا من سباته العميق ليشاهد أمامه احد اصدقائه قد أخذت منه القهقهة مأخذها حتى جعلته كأحد المجانين ، فشرع يكلمه بهدوء : على رسلك يا اخى ، بالله اخبرنى ما دوافع هذه القهقهة العظيمة ؟ وانا لا أرى لها موجبا . الا بالله عليك هدئ ما استطعت من هذا الازعاج البغيض الذى خرج بك عن نطاق المألوف . انها وان كانت مصدر سعادة لك فاننى أحس بوخزها ، بل انى اشعر بها تمزق كبدى . هلا اخبرتنى يا صديقى بدوافع هذه الضحكة المزعجة علنى أجد لك العذر او أشاركك فيما تحس به -
من شعور ، آه بالله عليك كف عن هذه المقطوعة وادرها عن طبلة أذنى . اننى لم أعد اقدر على سماعها اكثر مما سمعت ، ثم أشاح بوجهه عن صديقه كانه لا يريد رؤيته ، وهنا ادرك صديقه مما لاح على وجهه مدى تقززه فقال له :
انى دخلت عليك منذ ساعة فسلمت عليك فلم ترد علي ، السلام بالرغم من حضورك . ثم اطلت الوقفة علنى أحظى منك برد السلام فلم أوفق انك كنت شارد البال ذاهل الفكر فاعجبنى منظرك وانت على تلك الحال فاصدرتها قهقهة مدوية استيقظت على اثرها مذعورا ، لا . لست مجنونا كما اعتقدت ، سامحك الله ، هذا كل ما حدث و . . فقاطعه صديقه الا انه كان من الاجدر بك حينما رأيتنى على تلك الحال أن تكرر السلام علي ، مرة اخرى لعلني أفيق من ذهولى الفكرى على نغمات صوتك العذب المعهود فى القاء السلام العذب الحنون بدلا من ازعاجى بقهقهتك الرعناء الطائشة ، ألست تعتبر تلك القهقهة استهزاء بى ؟ حبذا لو مددت يدك نحوى ، وصافحتنى بدلا من استهزائك بى . كنت اتوقع منك هذا ، ولكن . . فلم يطق صديقه الذى اصاخ الى حديثه أن يصمت أكثر مما صمت . فقال له: ولكن ماذا . . يا صديقى ؟ ماذا بقى لك ؟ ! انى لم
اعهدك سريع الانفعال هكذا . ولولا ما جرت به العادة بينى وبينك من المرح والفكاهة لتفاديت جميع ما أثارك علي ، ثم أخد بيده اليمنى وهزها برفق وهدوء : والآن يا صديقى ما الذى أذهل فكرك ؟ ما الذى كدت تضرب له الاخماس فى الاسداس او الاسداس فى الاخماس ؟ ولكن قبل أن تقول لى هذا ارجوك أن تخبرنى لماذا خص الناس هذه الجملة - ضرب الاخماس فى الاسداس - لمن تبلبل باله وكثرت أفكاره مثلك الآن ؟ وقد اجابه صديقه بعد أن اخذ الهدوء يسرى الى جوانح نفسه : دع عنك ابحاثك وتقصياتك الفلسفية لماذا هذا ولماذا ذاك ؟ ألست انسانا مرهف الاحساس تعيش مع أى انسان يسرك ما يسره ويؤلمك ما يؤلمه ، كما فطرت على ذلك الانفس البشرية .
أنت : سألتنى عن أى شئ سرح بالى فيه وذهب فكرى اليه . . وها أنذا أجيبك بصراحة عما تسأل عنه .
اننى يا صديقى العزيز كنت افكر فى اليتامى والمساكين . فى الذين ضاقت عليهم سبل العيش فاصبحوا فى عداد الفقراء والمعوزين ، فى الذين يفرحون بقدوم فصل الصيف كى يرحمهم من قارس البرد وشدته والذين ينطبق عليهم قول الشاعر :
أجل . أفكر فى الذين ان وجدوا طعام الغداء لم يجدوا طعام العشاء ، فى الذين انطوت أمعاؤهم فى احشائهم من الطوى ، ويبست ثيابهم على اجسامهم لبلى ثيابهم . انهم ليسوا فى بلادى ولله ألف حمد وشكر وانما هو فى انحاء المعمورة . . فى البلاد الاسلامية والعربية . . قد جعلوا بل وقد جعلت الارض بساطهم والسماء غطاءهم لا مأوى لهم ولا ملجأ . وها هو ذا العيد قد
اقبل بسروره وحبوره وقد اعد له الموسرون من بنى البشر كل غال ونفيس ، فمن الطعام ما لذ وطاب . ومن الهدايا والكماليات كل ثمين ليدخلوا السرور على انفسهم واهليهم وأطفالهم ، أما أولئك الضعفاء الفاقدو المال ، فكأنهم لم يحملوا بين أضلعهم قلوبا مثل قلوب هؤلاء ؟ انهم فى اشد الحاجة إلى ما يسدون به رمقهم ويروون به ظمأهم . لاشك يا صديقى أن المرء لا يستطيع مهما يحاول أن يسعد نفسه لأن مرد ذلك الى قدرة الخالق الرزاق الى من يملك التصرف فى جميع الخلق . الى الله جل وعلا ، والله تعالى أمر بالتراحم .
فمن الواجب على بنى البشر التراحم فيما بينهم يرحم قويهم ضعيفهم يحترم صغيرهم كبيرهم . هكذا ورد فى الشريعة السمحة فى القانون القويم الذى لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه . اما وقد حان هذا اللقاء الكبير ، لقاء الصغار مع الكبار ، لقاء الفقراء مع الاغنياء ، لقاء اليتامى الذين حرموا عطف الابوين وحنانهما مع الذين نعموا بين احضان والديهم . . أما وقد حان هذا اللقاء فلا بد أن تكون اللقاءات ميمونة وسعيدة ليكون العيد سعيدا .
ليت هناك قلوبا بشرية متراحة متحابة لا يفرق بينها مال ولا نسب فكلهم من أب واحد وام واحدة ومرجعهم الى مصير واحد . . و . . ثم نظر الى صديقه فاذا هو ذاهل الفكر مرة اخرى فأخذ يكرر عليه العبارة الاخيرة حتى أفاق من ذهول له واذابه يقول له : أجل كلهم من أب واحد وام واحدة ومرجعهم الى مصير واحد . . حقا أن ما كنت تفكر فيه وتسرده على قد أخذ بمجامع قلبى انا أيضا وها أندا قد سرح بي التفكير فيه مرة اخرى وحقا انما يرحم الله من عباده الرحماء .

