خلاصة محاضرة الدكتورة عائشة عبد الرحمن استاذة الدراسات القرآنية بجامعة القرويين ، القتها في اطار الموسم الثقافي لجمعية الشباب والوعي المغربية مساء يوم الاربعاء ٢٢ ذي القعدة بقاعة المحاضرات بوزارة الثقافة بالرباط .
سيادة الاستاذ الكريم المحترم عبد القدوس الانصاري : تحية كريمة ، ولقد كان لى شرف عظيم بتقديم المحاضرة الدكتورة المفكرة الاسلامية الكبيرة عائشة عبد الرحمن الى جمهور المثقفين والعلماء والجامعيين والشباب الذين جاءوا من مختلف مدن المملكة المغربية للاستماع اليها في محاضرتها القيمة التى اتشرف ببعث ملخص لها بخط يد السيدة الدكتورة فأمل ان اكون قد آثرت بهذا الملخص قراء المنهل الكرام واعتذر عن عدم بعث صور فوتوغرافية للمحاضرة الرباط - المغرب الاقصى عبد الرحيم بن سلامة
طبيعة الموقف تفرض على مثلى الحديث عن هموم الشباب وشواغله ، عسى أن اقدم بعض عطاء القيم القرآنية لقضايا وجودنا المعاصر . .
في الموضوع جانب يتعلق بالابوة والبنوة في الشريعة الاسلامية ، لا أتناوله الان ، وهو بحيث لا يغيب عن شباب الامة وانما اتحدث عما يهدى اليه كتاب الاسلام فيما يشغلنا جميعا من ازمة عصرنا في صدام الاجيال .
وقد نتصور نحن الآباء أن جيلنا لم يعرف هذا الصدام ، وان الابناء فيما مضى كانوا يوقرون الآباء ويكبرون حكمة الكهولة وتجربة السن . وننسى ان حكمة الكهول قد نكبت العصر الحديث بحربين عالميتين حصدتا الشباب حصدا . والذين كانوا صغارا في الحرب الثانية ، شبوا على هو موعد من حروب يفرضها طواغيث القراصنة من كهول الاستعماريين وحكماء صهيون . فلندع اجترار الذكريات عن بر الابوة وحكمة الكهول . ولنحاول ان نفهم ابناءنا ونعاصرهم فيما يضغطهم من ازمات القلق وصراع المذاهب وتحديات العصر .
ان أول ما ينبغى ان نذكره ، هو أن عقوق الابناء ظاهرة عرفتها الاجيال منذ الأزل ، والاسلام يقدر احتمال هذا العقوق للابوة فيحذر من لعنته . وفي القرآن يأتي الاحسان بالوالدين والتواضع لهما ورعاية شيخوختهما ، تاليا للتوحيد وهو جوهر الدين كله :
" وقضى ربك ألا تعبدوا الا اياه وبالوالدين احسانا ، اما يبلغن عندك الكبر احدهما آو كلاهما فلا تقل لهما أف ولا تنهرهما وقل لهما قولا كريما . واخفض لهما جناح الذل من الرحمة وقل رب ارحمهما كما رباني صغيرا " .
والانسان في شبابه قد ينسى ما احتمل ابواه من أجله ، فهل عساه ينسى انه بدوره أن يلبث أن يصير ابا لابناء يرجو برهم وصلاحهم ؟ ذلك ما لفت اليه كتاب الاسلام من تعاقب الاجيال وامتداد الحياة ، ليذكر أبناء كل جيل أنهم اباء جيل يلى :
" ووصينا الانسان بوالديه احسانا حملته
امه كرها ووضعته كرها ، وحمله وفصاله ثلاثون شهرا ، حتى اذا بلغ اشده وبلغ اربعين سنة قال رب اوزعني أن اشكر نعمتك التي انعمت على وعلى والدي وان اعمل صالحا ترضاه ، وأصلح لي في ذريتي اني تبت اليك واني من المسلمين . أولئك الذين نتقبل عنهم احسن ما عملوا ونتجاوز عن
سيئاتهم في أصحاب الجنة ، وعد الصدق الذي كانوا يوعدون " .
وحين تختلف العقائد فيكون الاباء على ضلال ، فذلك ما لا يهدر حق الابوين في البر والرحمة ، والمصاحبة بالمعروف ، بل حسبه ان لا يطيعهما في معصية ، لا يتجاوز ذلك الى الهجر والعقوق .
أما حين يكون الابوان مؤمنين والابن على ضلال ، فذلك أفحش العقوق واتعس ما يلقي الاباء من الابناء الخاسرين :
" والذى قال لوالديه اف لكما اتعدانني ان أخرج وقد خلت القرون من قبلي ، وهما يستغيثان الله ويلك آمن ان وعد الله حق ، فيقول ما هذا الا أساطير الاولين . اولئك الذين حق عليهم القول في أمم قد خلت من الجن والانس واولئك هم الخاسرون ".
ويصور لنا البيان القرآني ، محنة آدم بابنه قاتل اخيه ، ومحنة نوح بولده الكافر الذي جحد الحق واستخف بنذير الطوفان ، فاعتزل اباه وسفينته وهو يظن انه يستطيع أن يأوى الى جبل يعصمه منه ، فكان من المغرقين . كما يقص علينا من عبر الماضيين ، محنة يعقوب ببنيه الضالين الذين غدروا بأخيهم يوسف فالقوه في غيابة الجب .
ومع هذه المشاهد من عقوق الابناء ، يقدم لنا القرآن آية برهم في موقف اسماعيل اذ قال له أبوه : " يا بني انى ارى في المنام اني اذبحك فانظر ما ترى ، قال يا أبت افعل ما تؤمر ستجدنى ان شاء الله من الصابرين " .
الابناء اذن فيهم العاقون وفيهم البررة ، فماذا عن الآباء ؟ هل يكون فيهم ايضا الصنفان ؟
الفطرة السوية لا تعرف عقوق الاباء للابناء وهم قرة العين وزينة الحياة الدنيا ، بل ان حبنا اياهم قد يجعلنا نستحل لاجلهم ما يحرم ، وهم فتنة يحذرنا القرآن منها كيلا نضل ونشقى .
ومن الفتنة بهم ، انهم مدعاة تكاثر وتفاخر ، حين لا ينبغي ان نتفاضل الا بالايمان والتقوى والعمل الصالح . وهم كذلك مبخلة مجبنة ، وقد يلهوننا عن ذكر الله .
ولكن من الآباء من مسحت فطرتهم فعقوا أبناءهم ، ويتمثل هذا العقوق في كراهة الاناث منهم . أو في عدم العدل بينهم .
فأما كراهة الاناث فبلغت ذروتها الفاجعة في وأدهن بالجاهلية ، وقد حرمه الاسلام : " واذا الموءودة سئلت . بأى ذنب قتلت " وبقيت رواسب كراهتهن في المجتمع الاسلامي ميراثا بغيضا من عصور خلت . فما يزال الآباء المسلمون يسيئون استقبال الانثى ساعة مولدها ، وانا لنتلو آية الله فينا :
" واذا بشر احدهم بالانثى ظل وجهه مسودا وهو كظيم . يتوارى من القوم من سوء ما بشر به ، ايمسكه على هون أم يدسه في التراب ، الا ساء ما يحكمون " . وأما عدم العدل بين الابناء ، فمنه قدر
يتصل بالتمييز العاطفي وقد وكله الاسلام الى فطرة الابوة السوية ، أما ما يتعلق منه بالماديات وبخاصة في الميراث ، فلا يدعه كتاب الاسلام للعاطفة أو الهوى ، بل حدد لكل فرد نصيبه الشرعي المفروض بحدود الله التى لا لا يحل لمسلم أن يتعداها " ومن يتعد حدود الله فقد ظلم نفسه" .
بقي جانب هام من الموضوع ، يتعلق بما بين جيل الآباء وجيل الأبناء من اختلاف الرأي والموقف . وقد اشرت الى ما يغلب على الظن من أن للاباء حكمة السن وخبرة التجربة ، وهو ظن يتجاوز مداه اذا اخذ حكم التعميم . والاطلاق فلم ير في الشباب الا طيش الصبا و نزق العنفوان .
الابناء مظنة ان يضلوا ، وفي طبيعة الشباب القلق والجموح ، ولكنهم ليسوا جميعا على ضلال . ونعلم من القرآن الكريم أن منهم من آتاه الله الحكم صبيا كيحيى بن زكريا ، والمسيح عيسى بن مريم . وكان ابرهيم فتى حين أنكر أن يعبد أصناما وجد اباه وقومه لها عابدين . وحاجه قومه فرد بمنطق سديد رشيد ، لكنهم مضوا على ضلالهم الذى كشف زيفه " فتى يقال له ابرهيم . .
وتعلمون من سيرة المصطفى عليه الصلاة والسلام ، ما كان له في شبابه من حكمة وامانة وسداد رأي . فاذا قيل ان هذه حالات خاصه بالصفوة الرسل في شبابهم . قلت ان ذلك لا يمنع دلالتها على أن من الشباب من يؤتيه الله الحكم صبيا . ولعلكم تذكرون الفتية من أهل الكهف ، امنوا بربهم ورفضوا اوضاعا فاسدة ضالة رضي بها قومهم ، فاعتزلوهم واووا الى الكهف . وتعلمون ان
من الصحابة رضي الله عنهم فتية استجابوا لدعوة الحق فأمنوا ، واباؤهم الكهول والشيوخ على ضلال .
والقرآن على أي حال ، يعطى القضية العامة منطقها الذي ينكر مسايرة الاباء على ضلال ، ويرد الوثنية كلها الى رجعية ملعونة تتشبث بما كان عليه الاباء الضالون . فعلى طول التاريخ الديني للبشرية ، كانت تلك الوثنية الرجعية تشد الابناء الى ما وجدوا عليه اباءهم . وما أضل الامم ، من عاد وثمود ومدين وقوم ابرهيم وآل فرعون والمشركين من قريش ، الا الاصرار على عبادة ما كان يعبد آباؤهم . وتأخذ هذه الرجعية الملعونة حكمها العام في مثل قوله تعالى لخاتم النبيين :
وكذلك ما ارسلنا من قبلك في قرية من نذير الا قال مترفوها انا وجدنا آباءنا على أمة وانا على آثارهم مقتدون . قل أو لو جئتكم بأهدى مما وجدتم عليه آباءكم ، قالوا انا بما ارسلتم به كافرون " .
" فلاتك في مرية مما يعبد هؤلاء ، ما يعبدون الا كما يعبد آباؤهم من قبل " .
وتأكيد القرآن الكريم لهذه الرجعية الوثنية ، تقرير لمسؤولية القدوة ، وشاهد على أن صدام الاجيال ليس دائما شرا محضا ، بل الشر كل الشر ان يأخذ الابناء بكل ما وجدوا عليه آباءهم ، لا يميزون فيه بين حق وباطل .
وتمرد الشباب على أوضاع فاسدة سالمها اباؤهم ، ظاهرة صحية فى سنة الحياة وقانون التطور . ونحن الكهول يعوزنا ما لا يعوز الشباب من حمية الفتوة وبسالة
الرفض . لكن الخطأ الاساسي يأتي من اختلال المقاييس وضلال الموازين ، فيلتبس الامر على الشباب لا يميزون بين حماقة التهور وارادة التغيير لما هو افضل . كما يتشابه الامر على الآباء حين يجعلون الكهولة مقياسا للحكمة ، ويخلطون بين فتوة الشباب وهزات المراهقة .
الحكمة ليست قصرا على شيوخ او شباب ، ولكن جوهر القضية ان تصح الموازين وتتضح المفاهيم ، ليعرف ابناؤنا ماذا يقبلون منا وما ينكرون ، ونعرف نحن الآباء ، ما نؤاخذهم عليه وما نسلم به لهم .
فضلا عن عقم محاولتنا ان نفرض عليهم منطقنا وموقفنا ورؤيتنا ، وقد خلقوا لزمان غير زماننا .
فلنحاول ان نكون قدوة صالحة لابنائنا . ولنكن لهم اصدقاء ، ليقبلوا منا خيرة تجاربنا وحصاد عمرنا ، فليس الذي بيننا وبينهم الا الحب والعطاء . تتصل فيه الحياة ممتدة من جيل إلى جيل ، لا يكرر اى جيل خطوات سابقة ، بل يبدأ خطوته من حيث انتهى سلفه ، منتفعا بكل تجاربه وثمار جهده ، ومهتديا بعثراته وأخطائه .
أبناؤنا امتداد حياتنا ونحن جذور اصالتهم وعطاء وراثتهم ، نكدح العمر كله
لنعطيهم ، ونمضى ليحملوا من بعدنا امانة الامة : وجودا ومصيرا :
" ربنا هب لنا من أزواجنا وذريتنا قرة أعين واجعلنا للمتقين اماما " . صدق الله العظيم .
في النشاط الثقافي لجمعية الشباب والوعى القت الدكتورة عائشة عبدالرحمن ( بنت الشاطئ ) محاضرة قيمة بوزارة الثقافة والتعليم الاصلى حول موضوع يتعلق بالعلاقات بين الآباء والابناء في كتاب الاسلام ، وقد استمرت هذه المحاضرة ثلاث ساعات عالجت فيها الدكتورة بنت الشاطئ جوانب مختلفة عن نوع العلاقات التى نظمها الاسلام بين الآباء وابنائهم لصالح الاسرة الاسلامية فقدمت اأمثلة وصورا من القرآن والسنة حيث تعرضت لقصة سيدنا ابراهيم الخليل مع ابنه اسماعيل وقصة سيدنا داود وسيدنا نوح وسيدنا يوسف وكيف كان العرب ينظرون الى الانثى قبل الاسلام وبعده وقضية الميراث في الاسلام وغير ذلك من الموضوعات الاسلامية الهامة وقد امطر الجمهور السيدة المحاضرة بازيد عن اربعين سؤالا اجابت عنها كلها في نحو ساعتين .
وقد لوحظ من بين الحاضرين اعضاء السلك الدبلوماسى العربي والاسلامي وكثير من الشخصيات المغربية : الدكتور السيد المهدي بن عبود والاستاذ ابو بكر القادرى والاستاذ مصطفى العلوى مدير دار الحديث الحسنية والدكتور محمد بن شقرون مدير الشؤون الثقافية وكبار موظفي وزارة الثقافة واساتذة الجامعات وشخصيات كثيرة . عن جريدة العلم العدد ٧٥٤٧ جم ١٣٩٠ هـ

