- ١ -
هذه مذكرات كتبها محرر هذه المجلة على اثر رحلته الى الحمى فى عام ١٣٥٤ ه . ولما فى هذه المذكرات من عناية خاصة بوصف مناظر هذه الرحلة وشرح عواطف كاتبها وتتبع آثار ما جال فيه من البقاع التاريخيه الحافلة بالاثار المجهولة ، المنسية لذلك رأيت أن من الخير نشرها فى (( المنهل )) لافادة القراء الكرام ، بجلاء صفحه غامضه من آثار هذه البلاد المقدسه عفى عليها النسيان وأسدل الاهمال التاريخى منذ القدم عليها أذيال الهجران والذى أرجوه من المولى الكريم أن يتم نعمته فيوفق بشرح آثار غير هذه لتصدر فى كتاب مستقل يكون صنوا لكتاب (( آثار المدينه المنورة )) المحرر
تمهيد
طالما استمعت بتلهف الى أحاديث الناس ورواياتهم عن هذا الحمى ، فى جماله وجودة هوائه ، وطيب مناخه . . مما أنتج لى اشتياقا بالغا الى التمتع برؤيته فليس الخبر كالعيان فيارب هيئ لنا فرصة سعيدة ، لرحلة سعيدة ، الى هذا الحمى الجذاب ، لنشبع فيه صحة وانشراحا ، ونتنسم فيه سرورا وانتعاشا . . هذا العيد عيد الفطر قد أقبل ، وهذا موسم الربيع وفصل الامطار قد دخل . . فلابد أن الحمى اليوم قد طايت نسماته ، وهدرت اطياره وازدانت روضاته ،
وامتلأت غدرانه ، ونمت أعشابه ، واخضرت أشجاره وتنمقت أزهاره وتكاثرت ظبيانه ؛ فاصبح بهذا كله جنة سندسية ، تفتن الانظار ، وتشرح الصدور وتجلب عظيم الحبور . . فيا رب هيئها فرصة موفقة للوصول الى رباه ، والاستماع بمناظر فردوسه الجميل .
فى العيد راحة بعد رياضة الصيام ، وفيه فسحة قبل الانتظام فى سلك الاعمال . ففى هذه الفترة الباسمة ؛ من الدهر ؛ يستطيع المرء أن يجد بلهنية العيش ، وفى وسعه ( اذا وفق ) أن يختلس متع الهناء من بين مخالب الزمان فقد تضافر الظرفان : الزمان والمكان ، على ترفيه المتنزه فى هذه البرهة الباسمة .
لقد تكونت فى ذهنى سليلة خيالات منسجمة عذبة ، عن هذا الحمى من كثرة ما يطرقه مسمعي عن لطفه وروعته ؛ من الراحلين اليه ؛ والنازحين عنه ؛ فيا رب هيء لنا فرصة سعيدة ؛ تجعل المسموع منظورا والمتخيل محسوسا .
وقال لى قلبى فيما قال : لابد أنك ان وفقت الى بلوغ الحمى فانك واجد من الآثار ما يشبع نهمتك ؛ ويروى غلتك ؛ وينعش روحك ؛ فيارب هيئها فرصة ثمينة نزجى بركائبنا الى هذا الحمى الساحر ، لنمرح فى واديه الخصب الممتع ونجول في نواحيه المنمنمة .
وساعف المقدور ، وتهيأت الامور ، وسرعان ما شددنا امتعتنا وتأهبنا للرحيل بصحبة معالى وكيل أمير المدينة المنورة .
بدء الرحلة
فى الساعة الثانية ونصف من صباح يوم الاحد الموافق ٣ شوال امتطينا صهوة سيارة صغيرة ؛ وخرجنا من الباب الشامى وسارت بنا سيارتنا مشرقة تمخر عباب هذه الحرة الشرقية السوداء - حرة واقم هابطة تارة ، وصاعدة أخرى ، تنساب من خلالها انسياب الحية وتزأر زئير الاسد الضاري ، كأنما
تحاول أن تعلم هذه الحزون القاسية ، وهذه الهضاب الصماء والأودية المعوجة انها ستخضعها لسلطان سرعتها القاهر .
فى الحفنة
وما هي الا دقائق واذا بنا أمام غدير الحفنة ، هذا الغدير العميق الجميل الذي قبع باكناف هذه الحرة الشرقية ، ليجمع مياه سيول وادى الحناكية والشقرة والصويدرة فى جوفه ؛ ليصبها جميعا فى هذا المسيل من وادى قناة . . بجانب هذا الغدير وعلى ضفافه نزلنا نزول الراحة والاستعداد ؛ ومدت سفرة (( المضحي )) وبعد أن تناولنا ما لذ وطاب ركبنا السيارات ، وأستأنفنا المسير ، وزأرت سيارتنا الصغيرة زأرة أنسابت على اثرها الى الامام ، مخترقة الوهاد والنجود ، وكان لنا سير لطيف فياض بالبهجة والانشراح ، بسبب ما نشاهده إمامنا وعن أيماننا وعن شمائلنا من المناظر الطبيعية الشائقة ، فمن هضبات دكناء الى اجبل خضراء وحمراء إلى أودية مخضرة ، تضيق امامنا احيانا كثيرة ؛ وتتسع حينا . . هذا (( مقرأ الفاتحة )) - هنا وفى هذه الثلعة يشاهد القادم من نجد مآذن الحرم النبوى الرشيقة . . هنا كان مجمع الفرح العظيم والالم الاليم ، هنا كان افظع موطن من مواطن النهب والسلب ، هنا كانت تنصب مجزرة من المجازر البشرية الهائلة , هنا كان يباغت اللصوص السفاحون من البادية الركبان والمسافرين الآمنين -
تذكرت كل تلك الاهوال التى احتقبها الزمان فى طياته ؛ وتأملت فيما نحن فيه الآن من خمائل الامن الوارف ، فبدرت من لسانى قولة (( الحمد لله )) قلتها من قلب مفعم بالثناء الجم والشكران العميق وقالها الراكبون معى ، وكانت السيارة فى أثناء هذه الذكريات والتأملات قد اجتازت بناء (( منطقة الخطر في التاريخ القديم )) وهبطت الى غور من هذه الاغوار المتعانقة ، وسرعان ما حلقت عنه الى نجد من هذه النجود المتكاثرة حتى اذا وقفنا على هضبة يشقها الطريق قال لى أحد الرفاق : هذا شعب المنجورى . . ما هو المنجورى ؟ وما هى أهميته ؟ لا أعلم من
هذا ولا ذاك شيئا ، وعلى كل حال فان لهذا المنجورى أهمية خاصة وال الما اعتني الرفيق بتعريفه لى فيما يعرفه . وتقدمنا الى الامام وحمي الوطيس بين السيارة والسبيل الوعر ، ولكنها كانت هى القاهرة دأبها فى كل حين . وفى هذه البرهه استرعى نظري كثرة ما يحيط بنا من جبال وهضبات أشبه شيء بالحصون المتراصة فسألت الرفيق : الى متى نخرج من هذه المضايق والكهوف الى الاراضى الفسيحة التى كنا نسمع الشعراء والرواد يتغنون بها فى هذه الناحية ؟ لقد ضقنا ذرعا بهذه الجبال المتماسكة التي تكاد تحجز بيننا وبين الهواء والسماء ! فهون علي الرفيق وطمأننى وقال : نحن الآن بوادى الصويدرة ؛ فاذا وصلناها واجتزناها بسلامة الله تشاهد ما تنشده عن كثب ، ويدخل الى مجامع فؤادك البهجة والبشر ! وبعد ساعتين ونصف من سيرنا من المدينة حللنا بقلب الصويدرة . يتبع

