الراوي : كان الامير أبو قدامة بين رجاله يعظهم ويستحثهم ويبعث فيهم النخوة والحمية لغزو الروم وإعلاء راية الاسلام ونصرة دين الله . إذ دخل عليهم الحاجب يقول :
الحاجب : مولاى : بالباب امرأة تطلب مقابلة الامير !
أبو قدامة : فلتدخل .
الحاجب : ادخلى يا سيدة فان الامير فى انتظارك .
المرأة : السلام عليك أيها الامير .
أبو قدامة : وعليك السلام ورحمة الله الملك العلام ، ما شأنك يا أمة الله ؟
المرأة : جئتك بهذا الكتاب وبهذه الصرة فتفضل بقبولهما على بركة الله . ولعل فى ذلك نفعا لجيوش المسلمين .
أبو قدامة : هاتى . . وعسى أن يكون فى الامر خير إن شاء الله .
متوجها الى كاتبه : أبو قدامة : أسمعنا أيها الكاتب ما جاء فى هذه الرسالة !
الكاتب : ( يقرأ الرسالة ) .
بسم الله الرحمن الرحيم من أمة الله المسلمة الى أمير جيش المسلمين سلام عليكم . 113 985
أما بعد فانك قد دعوتنا الى الجهاد فى سبيل الله . ولا قدرة لى على الجهاد . وهذه الصرة فيها ضفيرتى . فخذ بها قيدا لفرسك . لعل الله يكتب لى شيئا من ثواب المجاهدين .
أبو قدامة : ( رافعا رأسه الى السماء ) .
شكرا لك يا رب على توفيق هذه السيدة وأمثالها . هؤلاء المسلمون يشعرون بواجبهم ويتكتلون على اعدائهم ، ويبيعون أنفسهم الى الله بأن لهم الجنة .
الراوي : واحتدم القتال بين المسلمين والروم وحمي الوطيس وتتعتعت السيوف وتطايرت السهام .
وأقبل صبي حدث على أبى قدامة وقال :
الصبي : السلام على أمير جيش المسلمين .
أبو قدامة : وعليك السلام يا بني . ما شأنك أنت أيها الصبي ؟ وما قدم بك الى ساحة الوغى ؟
الصبي : جئت لقتال المشركين أيها القائد العظيم .
أبو قدامة : تنح عنا أيها الصبي وارفق بنفسك فانت صغير السن وليس لك طاقة بلقاء أهوال الحرب . ولا صبر لك على الطعن والضرب .
الصبي : كيف تأمرنى بالرجوع ؟ والله تعالى يقول : ( انفروا خفافا وثقالا وجاهدوا بأموالكم وأنفسكم فى سبيل الله ) .
أبو قدامة : صدق الله العظيم هذه الآية الكريمة ليست موجهة الى الصبيان أيها البطل الصغير . انزع هذه الفكرة من رأسك أيها الصبي ؟
الصبي : ( ملحا في الطلب ) اقرضنى ثلاثة أسهم ـــ يارعاك الله ـــ وسوف تشهد بلائى وتخبر بطولتى .
أبو قدامة : عجبا لك يا بني فانى مشفق عليك بقدر ما أنا معتز ببطولتك . فها أنذا اقرضك ما تريد بشرط أن تشفع لى إن من الله عليك بالشهادة .
وإني أشعر نحوك بمحبة وبتقدير لما بدا إلي فيك من شجاعة وتصميم على الجهاد المقدس .
الصبي : نعم أفعل ذلك إن شاء الله ، وشكرا للقائد العظيم .
الراوي : أقبل الصبي على العدو فى رباطة جأش وقوة وحماس . وما زال ينال من أعدائه وينالون منه حتى خر صريعا فى ميدان القتال . فأسرع اليه أبو قدامة وقال :
أبو قدامة : هل تريد طعاما أو ماء يا بني ؟
الصبي : لا . إنى أحمد الله على ما صرت اليه . لكن لى حاجة .
أبوامة : مرنى بما تشاء . ليس أحب الى من قضاء حاجتك ولن أنسى موقفك ما حبيت وليكن ذلك عبرة وقدوة لرجالى ولكافة المجاهدين .
الصبي : ( وهو يلفظ أنفاسه الاخيرة ) : اقرأ أمى . . منى السلام . . ثم اردفع اليها . . متاعى .
أبو قدامة : ومن أمك أيها الشاب البطل ؟
الصبي : أمى . . هى التى . . أعطتك . . شعرها . . قيدا . . لفرسك . . حين . . عجزت . . أن . . تقاتل . . فى . . سبيل الله . . تحت . . رايتك . .
أبو قدامة : بارك الله فيكم من آل بيت .
قال أبو قدامة : ثم فارق الشاب الحياة فقمت نحوه بما يحب . ثم رجعت الى امه منفذا لوصيته فلما رأتنى أقبلت على.
المرأة : هل جئتنى معزيا أم جئتنى مهنئا ؟
أبو قدامة : مامعنى ذلك يا أمة الله ؟
المرأة : إن كان ابنى قد مات فقد جئتنى معزيا ، وإن كان قتل فى سبيل الله ونال ما كان يطمع فيه من الشهادة فقد جئتنى مهنئا .
أبو قدامة : إن ابنك الشجاع أبدى بطولة فى ساحة الوغى لم يبدها أحد من الرجال المقاتلين المدربين وملك اعجاب العدو والصديق حتى كتبت له الشهادة وأوصانى ـــ وهو يجود بروحه ـــ باقرائك السلام واعطائك متاعه هذا .
المرأة : الحمد لله فقد استحاب دعاءه .
أبو قدامة : وما ذاك يرحمك الله ؟
المرأة : إنه كان يدعو الله فى صلواته وخلواته ويقول فى صباحه ومسائه : (( اللهم اجعلنى من الشهداء )) .
