الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 2الرجوع إلى "الفكر"

الأبعاد الاجتماعية في تجربة أبي العتاهية الزهدية

Share

لا يمكن الفصل بين الناحية الذاتية والناحية الاجتماعية فى تجربة أبى العتاهية الزهدية ، الا اذا كان ذلك الفصل لغاية منهجية يتطلبها البحث وذلك لان اللحمة بينهما متبنة من حيث العوامل ومن حيث الممارسه وكذلك من حيث النتائج . فاذا كانت مواقف الشاعر فى النوع الاول من تجربته ذاتية عموما فاننا نجدها فى النوع الثانى موضوعية وذاتيه فى الوقت نفسه . إذ لم يستطع الشاعر التخلص من نفسه عند حديثه عن مجتمعه . بل انه كثرا ما حدثنا عنه من زوايا منظاره النفسى . ولعل السبب فى ذلك أن أبا العتاهية يمثل فى حد ذاته صورة لهذا المجتمع . فهو انسان العصر المثل له بآماله وآلامه وهو الشخصية التى طبعت خصائصها بميسم البيئة التى أفرزتها . فلا غرابة اذن ، والحال هذه ، أن نجد الى جانب الناحية الموضوعية فى هذه التجربة ناحية ذاتية حتما .

العوامل الاجتماعية

فاذا تحدثنا مثلا عن العوامل التى دفعت بالشاعر الى غمار تجربته الزهدية وجدنا فيها مصداق هذا الالتحام والانسجام الذى قررناه . فمن هذه العوامل شعوره بالمظلمة الاجتماعية والاقتصادية شعورا أورثه الكثير من العقد والمركبات النفسية لانه كان من الذين استهدفوا لهذه المظلمة وتحملوا تبعاتها بحكم انتمائه الى نسب مغمور وفئة اجتماعية متواضعة . ولكن هذا

التمازج بين الناحتين فى العوامل لا يقف عند هذا الحد بل ينعكس - كما سنرى فى التحليل - على موضوع التجربة ونتائجها . ولنتحدث الان عن العوامل الاجتماعية المحضة التى دفعته الى خوض تجربته الزهدية .

فيما لا جدال فيه أن هذا الشاعر قد حظى بتجربة اجتماعية عميقة ومتنوعة بسبب ما اتفق له من تقلب فى أوساط العامة والخاصة على اختلاف درجاتها . فقد خير حياة العوام وكان فردا منهم يشاركهم كدحهم وعوزهم وحطتهم وذلتهم وقضى فى هذه الظروف ثلاثين سنة من حياته الى ان اتصل بالبلاط العباسى (1)

وخبر كذلك حياة الخواص والطبقات الحاكمة وكان شاعر البلاط الاول وعاش فى ظل السلطة عشرين سنة لم يقتصر فيها على دور الشاعر بل تخطاه الى دور الصفى والنديم والمستشار . كما تدخل فى شؤون الاسر الحاكمة واطلع على حياتهم الخاصة وربما ساهم فيها احيانا . اذ كان - فيما يبدو - على اتصال وثيق بالفضل بن الربيع وبزبيدة زوجة الرشيد مما سمح له - بالاطلاع عن كتب على ما يحاك من دسائس فى القصر ( 2 ) . كل هذه المؤهلات جعلته خبيرا يشؤون هذه الطبقة وصادقا فى وصف نفسه بالمجرب الحكيم :

- لقد حلبت الزمان اشطره               فكان فيهن الصاب والسلع ( 3 )

- ان كان علم امرىء عن طول تجربة    فان دون الذى جربت يكفينى ( 4 )

التجربة الزهدية

وقد كانت هذه التجربة الاجتماعية العميقة دافعا الى حياة الزهد بسبب ما تجسم فيها من من منفرات اذ تميز الوسط السياسى بالتكالب على الحكم وما نجم عنه من مظالم وفتن كالتى قامت بين الهادى والرشيد والامين والمأمون

والبرامكة وبنى العباس . وانصفت البيئة الاجتماعية بانخرام التوازن واتساع الهوة بين الطبقات من عامة وخاصة بسبب سوء توزيع الثروة . كما قتل سلم القيم وتدهورت العلاقات الانسانية .

وقد بعثت هذه التجربة أبا العتاهية على التأمل والاعتبار وبعثته أيضا على التشاؤم بالوضع الاجتماعى وبمستقبله . ولذلك يمكن القول بأن لجوء الشاعر الى التجربة الزهدية قد كان نتيجة وعى اجتماعى : فلم يغتر بصحبته الطبقات الخاصة ولم تحمله حظوته عندها على التنكر للطبقات الضعيفة بل بقى وفيا لها ومدركا لحقها المهضوم . وكان كثيرا ما يلوم نفسه اذا آنس منها نسيانا لحقوق المساكين أو تعاليا عليهم . يقول فى ذلك:

لم يكفنى جمعى لضعف يقينى        حتى استطلت به على المسكين (5)

من كان فوقى فى اليسار منحته التعظيم واستصغرت من هو دونى (6) " ولهذا السبب كان يجعل من نفسه لسان دفاع عن الفقراء والمعوزين . وفى هذا الباب ندرج ما رفعه إلى الخليفة من شكوى غلاء الاسعار (7). والطريف فعلا هو احتفاظ الشاعر بشعوره بالانتماء الى هذه الطبقات الضعيفة بالرغم من حصوله على ما يمكنه من اللحاق بطبقة الخواص بتوفر المال والجاه لديه . لكن الرجل كان يعتبر نفسه دائما دخيلا على هذه الفئة الاجتماعية . وهو اعتبار راجع إلى شعوره المتواصل بأنه يعيش على فتات موائدها وبأن أربابها قد أشعروه مرارا بأنه دونهم (8) وبأنه دخيل عليهم وغريب عنهم .

كما أن مثال الشاعر المرتزق مثال شاذ فهو لا يعتبر اذا أثرى قد التحق صف هذه الطبقة لان موارد رزقه ليست من كسبه وانما هى منن وهبات مارضة ولان النظام الطبقى فى ذلك العصر شديد التعقيد اذ فان يقوم على اعتبارات شتى منها اعتبار الشرف والسلطة والمال . لا مراء اذن فى أن هنالك عاملا اجتماعيا أساسيا قد بعث الشاعر على خوض تجربته الزهدية . وقد اتخذت هذه التجربة شكل الثورة على واقع اجتماعى طبقى وعلى بظام اجتماعى جائر . فمن ذلك مثلا ثورته على رجال السلطة.

ثورة على الهياكل السياسية

لقد نقم أبو العتاهية نقمة جامحة على رجال السلطة وانعكست هذه النقمة على جزء كبير من اشعاره الزهدية . ويجد القارىء لديوانه بعض المبررات الموضوعية لنقمته . فهو يندد خاصة بالظلم وهو ظاهرة طبيعية فى حكم يعتمد على نظام ملكى مطلق هو الخلافة . ولهذا نرى الشاعر يطيل فى الحديث عن عواقب الظلم ويكثر من تهديد الظالمين :

" - ليخش عبد دعوة المظلوم     وحكمة الحى بها القيوم ( 9 ) ،

" - ويحك يا مغتصب المسكين   ويحك من ديان يوم الدين

تدان يوما كما تدين                 ويحك يا مسكين يا مسكين (10) "

- ولقد عتوا زمنا كأنهم السباع العاويه ( 1 ) "

ونحن لا نشك فى أن الشاعر قد رأى مشاهد من القسوة والجور فقد صرح بأنه كان يرى الظلم ويخشى عاقبة التدخل بسبب تجبر الظالمين :

" - وكنت امرءا أخشى العقاب واتقى   مغبة ما تجنى يدى ولسانى

ولو اننى عاتبت صاحب قدرة             لعرضت نفسى صولة الحدثان (12)

وقد أورد صاحب الاغابى روايات عديدة حول تصرفات الخليفة المهدى بمحضر ابى العتاهية منها ما نصف مشاهد الاعدام لاتقه الاسباب (13) وهى مشاهد قد ارتعدت لها فرائص الشاعر واختزن آلامها فى نفسه . ويتصل بهذا التصرف الجائر الذى ينتقده الشاعر صفة التعالى والصف والكبرياء عند أولى الامر وهو فى رأيه مظهر من مظاهر الطغيان والبغى والابهة ولذلك نراه يكثر فى شعره من ذكر " الدساكر " و " المنابر " و " المدائن " و " الشعائر " و " العساكر " وغيرها (14) ونراه يرتجى يوما يرى فيه هؤلاء الملوك خاضى الرقاب كما أخضعوها فلا يجد يوما كيوم القيامة :

فى مقام تعشى العيون لديه      والملوك العظام فيه خضوغ (15) "

ثم ان هؤلاء الملوك قد تسببوا فى كوارث ومفاسد بسبب تكالبهم وتطاحنهم على الحكير والشاعر شديد الاستنكار لهذه الظاهرة بسبب ما جلبته من فتن شاهدها عيانا :

- طلب الرئاسة ما علمت             تفاقمت فيه النفاسة

والناس يخبط بعضهم                   بعضا على طلب الرئاسة (16) "

- حب الرئاسة أطغى من على الارض  حتى بغى بعضهم على بعض (17) "

كل هذه دوافع دفعت الشاعر الى كره الملوك والثورة عليهم والتنفير منهم كما نعتقد أن جزءا كبيرا من هذا الحقد على الطبقة الحاكمة قد كان شعورا طبقيا . وهو شعور ليس غريبا عن النزعات الشعوبية التى كانت على أشدها فى ذلك العصر وان كانت هذه النزعة مقصورة عند الشاعر على مهاجمة السلطة دون اعتزاز بمجد غابر . وبالرغم من ذلك فان نقمته لا تخلو من اعتبارات عصرية يشدد فيها النكير على التمييز العنصرى بين الاجناس فى هذا المجتمع ويراجع فيها مفهوم الشرف :

- يا من تشرف بالدنيا وطنيتها       ليس التشرف رفع الطين بالطين (18) "

- لست أرى ماملكت طرفى          مكان من لا يرى مكانى (19) "

وهذا الشعور رغو غموضه بالقياس الى ما نجده فى شعر بشار مثلا من نقمة على الخلافة العباسية (20) هو شعور قائم على تمنى الدمار لهذه الخلافة . وبذلك يكون موقف أبى العتاهية من السلطة موقفا ذا وجهين : فهو بقدر ما ينقم عليها لسلوكها سياسة معينة ، بقدر ما يثور عليها لاسباب طبقية .

ثورة على الهياكل الاجتماعية والاقتصادية

ولم تكن ثورة الشاعر الزهدية ذات ابعاد سياسية فحسب بل هى أعمق جذورا فى المجتمع من مجرد الاشكال السياسية اذ تبدو شاملة لشتى الاوضاع الاقتصادية والاجتماعية . فالشاعر يشن الثورة على طبقة الاثرياء عامة وبعرضهم فى صور مزرية مثل صور التبرج والتسمن والبطنة (21) ويحتد شعوره بالمظلمة الاجتماعية وبالهوة بين الفقراء والاغنياء فيعقد فى شعره مقارنات بين الفقير والغنى تنم عن رافة بالضعيف وعن نقمة على ذوى الثراء الفاحش تذكر بالتطاحن الطبقى:

" وان بطون المكثرات كأنما          تنقنق فى أجوافهن الضفادع

فما يعرف العطشان من طال ريه     وما يعرف الشبعان من هو جائع (22)

ويشعر المتأمل فى هذا الشعر بأن صاحبه برسم صورة للحياة الاقتصادية فى مجتمع لم توزع فيه الثروة بعدالة وربما كان يعانى أيضا تضخما فى الاسعار وهو وضع يقع ثقله على طبقة الفقراء والمساكين :

" كلانا بطين حنية ظاهر الكسى               وفي الناس من يمسى ويصبح طاويا (23)

وهكذا يتضح أن منطلق الزهد فى هذه التجربة هو نقمة على نظام اجتماعى معين وثورة استعمل فيها الشاعر انواعا من التعبير ووسائل من التهديد والوعيد وكانت أبلغ وسيلة استعملها فى التعبير عن كل ذلك هى الموت بأوسع معانيه وشتى صوره . فعلينا ادن أن نرجع قسما كبيرا جدا من الحديث عن الموت في ديوان الشاعر الى هذا الاعتبار . وهو أمر لم يفهمه بعض النقاد من معاصر به ومن معاصرينا كذلك (24) فالموت فى هذا السياق رمز فحسب ووسيلة تعبير عن غضب دفين ودعاء صريح على هذا الواقع الاجتماعى بالفناء . وربما لا نبالغ إذا قلنا ان وقع الموت ومفهومه فى هذا

السياق من الثورة هو ترويج عن النفس أكثر مما هو افزاع لها . فالشاعر زوج عن نفسه أولا ويعزى نفوس المظلومين ثانيا ويستعمل فى ذلك تهديده للمستغلين وتوعده لهم . ويختلف هذا المفهوم اختلافا جوهريا عن نظرة الشاعر الى الموت فى الناحية الذاتية من تجربته الزهدية . ومن الادلة الواضحة على هذا الاختلاف قول الشاعر عندما بلغه نعى الخليفة المهدى:

كل نطاح من الدهر    له يوم نطوح "  (25)

فشتان بين موقف التفجع على الميت وبين هذا القول الذى يدل على النكاية والشماتة ! وكأن الشاعر رأى أن التهديد بالموت غير كاف فأضاف اليه التهديد بهول الحساب يوم القيامة وبسوء المصير ويختلف مفهوم المصير هنا أيضا عن مفهومه فى السياق الذاتى من التجربة الزهدية . فالمصير هنا هو النجاه من هذا الوضع الفاسد واخذ للحق من مغتصبيه وعقاب للظالمين . ولعلنا لا نخطئ اذا قلنا ان أكبر ما يستهوى الشاعر فى الموت والآخرة انما هو الاخذ بالثأر من هذه الطبقة المعتدية وذلك باقرار مبدأ عزيز على نفس الشاعر وهذا المبدأ هو المساواة الاجتماعية :

وكل بنى  الدنيا ولو تاه تائه          قد اعتدلوا في الضعف والنقض واستووا "26

وقد بلغ الشاعر من عمق الاحساس بالعدالة الاجتماعية مبلغا صار معه لا ينسى , ان فى معرض رثائه لاعز اصدقائه على ابن ثابت ، أن يلاحظ أو قصوره وأمواله لم تغن عنه من الموت شيئا ولم تنفعه فى هذا المقام :

" وخلى القصور التى شادها       وحل من القبر فى قعره "(27)

وهكذا يصبح الزهد حطا من قيمة هذه الحياة المختلة واستعاضه عنها بحياة أخرى أمثل منها يكون السلطان الحقيقى فيها للملك الحقيقى ملك الملوك الذى لا يبلى سلطانه :

- " يبلى لكل مسلطن سلطانه      والله لا يبلى له سلطان " (28)

- " رأيت الملوك وان عظمت      فان الملوك لربى عبيد " (29)

ويكون ميزان الرجال فى هذه الحياة الجديدة أعمالهم وما قدمت أيديهم وتقابل هذا الميزان فى الحياة الدنيا موازين أخرى مجحفة هى موازين النسب والمال والسطلة

" وهذى القيامة قد اشرفت   على العالمين لميقاتها

وقد أقبلت بموازينها           وأهوالها وبروعاتها "(30)

طبيعة هذه الثورة

هذه الثورة هى صورة للابعاد الاجتماعية فى تجربة أبى العتاهية الزهدية وهى ثورة سلبية فيها هروب من الواقع وفرار من مجابهته بصفة عملية . فهو ينتظر هلاك الساسة لكى تنتهى المأساة بل نراه ينتظر فناء الكون ويعلق آماله على ما بعد الموت من حياة أخرى هى مطمح الزاهد وأمنيته القصوى . كما تراه يحارب الطبقية الاجتماعية بسلاحين : دنيوى وأخروى . أما السلاح الدنيوى الذى يحارب به الاغنياء فهو القناعة ومراجعة مفهوم الغني فالغنى لحق هو غنى الروح والنفس أما غنى الثروة فهو مذموم بجر المكاره ويؤدى الى المعاصى وخسران الآخرة ولذلك فالقناعة هى سعادة الانسان اللبيب. فلا عجب اذن ان رأينا الشاعر يتحدى الاثرياء ويفتخر عليهم بفقره ويجعل من عقيدة الزهد ومبادئه وسيلة انتقام :

" رضيت بافلالى فعش انت موسرا   فان قليلى عن كثيرك يكفينى

وفى الله ما أغنى وفى الله ما كفى    وفى الصبر عما فاتنى ما يسلبنى " (31)

أما السلاح الاخروى الذى يحارب به هذه الطبقة فهو المساواة بين الناس يوم القيامة بعد التجرد من متاع الدنيا وزينتها ولعل أبلغ الصور المعبرة فى شعره عن هذا المعنى هى صورة التركة أو الميراث وذلك لان الغنى يجمع ما يجمع من حول تم لا يتمتع به ويتركه لغيره وربما كان هذا الوارث غير شاكر له بل

ربما كان أحد أعدائه بينما يخرج هو من الدنيا عاريا كما دخلها . ويعرض الشاعر هذه الصور فى شعره فى اطار من التشفى والغيظ مما يدل على أن موقفه هو موقف الناقم الهارب من وضع لنقمته عليه .

وبالرغم من ان أبا العتاهية يجعل طبقة الخواص مسؤولة عن هذا الوضع ويعتقد ان السبب فى عمق الهوة بين الفئات الاجتماعية هو اهمال المبادىء الاسلامية فيقول :

طغى الناس من بعد النبى محمد     فقد درست بعد النبي الشرائع

وصارت بطون المرملات خميصة    وأيتامها منهم طريد وجائع "(32)

فاننا نجده يؤمن أيضا بأن الارزاق حظوظ    وأن التفاوت قضاء وقدر:

ولله أحكام القضاء بعلمه     ألا فهو معط من يشاء ومانع

ولله أسرار الامور وان جرت  بها ظاهرا بين العباد المنافع " (33)

وهذا يؤكد بلا ريب سلبية هذه الثورة على ظاهرة الطبقية ويحد من أثرها الاصلاحى المنتظر ، لكن هذه الثورة قد ساهمت رغم سلبيتها فى احداث توازن بين القيم الاجتماعية وفى تقويم ما تدهور من مبادئ خلقية فتوفر لها بذلك حظ غير قليل من الفعالية والايجابية . فكيف كان موقف أبى العتاهية من القيم الاخلاقية فى المجتمع ؟

النظرة الاخلاقية

يمكن القول بأن الشاعر لم يقنصر على التأمل فى الهياكل الكبرى وفى النظم الشاملة المكونة للمجتمع بل تعدى ذلك الى دراسة طبائع معاصريه وعلاقة الفرد بأخيه وبعبارة أخرى الى دراسة القيم الاخلاقية التى يتعامل الناس على أساسها ويتواطؤون على احترامها فكيف رسم الشاعر انسان عصره ؟

يصور أبو العتاهية مجتمعه أنانيا انتهازيا تنعدم فيه الثقة بين الناس وتقوم العلاقات البشرية فيه على أساس المصلحة والمنفعة المادية وهو يجعل من النزعة الفردية الانانية أول خاصية من خصائص مجتمعه . كما أطنب فى الحديث عن قيمة كبرى يؤمن بها معاصروه وهى المال الذى كان عندهم مقياس الرجال ومعيار الشرف وعربون الصداقة . فالناس فى رأيه عبيد الطمع يرغبون فى ميراث الميت ولا يهمهم مصيره .

" انما هم وارثى بعد موتى        ما أخلى لا ما أصير اليه " (34)

فأسباب المحبة والكره بين الناس هى المنافع وليست مشاعر الاخلاص والوفاء . أما الفقير المملق فيتجنبه حتى بنوه :

" يكرم المرء وان    أملق أقصاه بنوه " ( 35 )

وقد بلغ حرص هؤلاء الناس على المال مبلغا كبيرا صاروا معه يضحون بأعز المبادىء وهو الايمان والعقيدة وبأعز الكائنات وان كان نبيا :

" لو رأى الناس نبيا         سائلا ما وصلوه ! "(36)

ويرسم الشاعر هذه النزعة المادية فى أبرز صورها وأبشعها وذلك عندما يصور بنى آدم أحط من الكلاب وأكثر طمعا وأشد حرصا :

" وهم لو طمعوا فى    زاد كلب أكلوه " ( 37 )

ولهذه الاسباب لا يستغرب الشاعر جفاء معاصريه له ولا يلومهم عليه لانه لا مال له ولا سلطان وليس مصدر رهبة ولا رغبة وهذه القيم هى الاعتبارات الاساسية التى تقوم عليها الاخوة والصداقة فى عصره ولذلك لم يكن له صديق ولا رفيق بل كان محتقرا من قبل معاصريه .

ومن البديهى أيضا أن تكون هذه المادية فى العلاقات البشرية سببا فى قطع أواصر الرحمة بين الناس  فتوتر العلاقات ويحدث العداء والتناحر :

- من نافس الناس لم يسلم من الناس    حتى يعض بأنياب وأضراس " (38)

- " اشتد بغى الناس فى الارض           وعلو بعضهم على بعض " (39)

وقد يكون هذا العداء سافرا أحيانا كما يكون مستورا أحيانا أخرى وذلك باستعمال النفاق والرياء وتغليل البعض للبعض الآخر :

" تصح أقوال أقوام بوصفهم     وفى القلوب اذا كشفتها مرض " (40)

ويكشف الشاعر عن تداعى السلم الاخلاقى عامة معبرا عن تشاؤمه بأبناء مجتمعه فهم عنده لئام فى أغلبهم وموقف الحكيم منهم هو مقاطعتهم والفرار منهم . فتراه ينصح باليأس من الناس وبعدم التعويل عليهم باللجوء الى الله أرى الناس طرا وقد أبرقوا    بلؤم الفعال وقد أرعدوا " (41)

وقد استشاره بعضهم فيما يحسن أن ينقشه على خاتمه فقال له : " انقش لعنة الله على الناس ! " وهذا موقف قد بلغ فيه أبو العتاهية حد الضجر والبرم بمعاصرية لان سوء التفاهم قد استفحل بينه وبينهم ودعاه الى اعلان العزلة والتوحد :

برمت بالناس وأخلاقهم       وصرت استأنس بالوحدة

ما اكثر الناس لعمرى وما     أقلهم فى حاصل العدة " (42)

النزعة الاصلاحية

لكن أبا العتاهية لم يكن رغم هذا التبرم بالناس سلبيا فى موقفه منهم فهو لم يحقق ما أعلنه من عزلة عنهم تحقيقا تاما الا فى فترات وجيزة خلال أيامه الاخيرة ، فقد كان الرجل بحكم نزعته الاجتماعية التى تميز بها والتى

تميز بها والتى شرحناها فى بداية هذا التحليل شديد الانشغال بما يجرى فى مجتمعه لذلك نراه يحاول تعديل القيم فى هذا المجتمع وتسوية العلاقات بين الافراد على أساس مبادئ يراها سليمة وبناءة وبروم الحد من النزعة الفردية والانانية بالنداء الى التضامن والتكافل الاجتماعى وأحسن الامثلة على هذه المحاولة ضبطه لمفهوم الصداقة والاخوة بالاعتماد على اعتبارات خارجة عن نطاف الاستغلال والجرى وراء المصلحة وذات صلة بالايثار وخدمة الغير وجب الخير له . وقد ضرب الشاعر على ذلك مثالا بتصرفه مع أصدقائه اذ كان يرعى ذمة الصديق ويبدو ملتاعا عليه إذا فقده مثله التياعه على فقد صديقه على بن ثابت فقد رثاه مرات وفى الديوان ثلاث قصائد فى هذا الرثاء(43) يقول منوها بمفهوم الصداقة النموذجية : (44)

" يا شريكى فى الخير يرحمك الله  فنعم الشريك فى الخير كنتا "

فالصداقة هى الترفع عن الطمع والانتهازية وهى الصراحة وسلامة النية وهى التعاون النزيه وايثار الغير على النفس وهى الاخوة فى العقيدة والمبدأ بدون مواربة أو نفاق :

" وفى حسن السريرة كل انس   وفى خبث السريرة كل بأس " (45)

ويدعو الشاعر ابناء الامة الى حياة اجتماعية حقيقية عمادها الرفد والتكاتف لانه يرى أن الانسان سند لأخيه الانسان عند الشدة ولا بد فى سبيل تحقيق هذا الوئام من التسامع والتراحم والاغضاء عن الزلات حتى تتم اللحمة بين افراد المجتمع :

" خذ الناس أو دع انما الناس بالناس   ولابد في الدنيا من الناس للناس " (46)

وهذا موقف ايجابى واضح يحالف ما كان يدعو اليه من ترافض وانعزال فى بعض فترات نقمته حين كان يقول :

" لقد هان على الناس      من احتاج الى الناس " (47)

فالناس اذن فى حاجة الى بعضهم بعضا ماداموا فى هذه الدنيا ولابد من أن تؤسس العلاقات بينهم على التكافؤ والتساوى

ولعل أبا العتاهية يذهب فى آرائه البناءة الى أبعد من ذلك عندما ينصح بالمساهمة فى توفير الحياة الكريمة بالعمل والكسب الحلال وهو رأى مخالف لما كان يتغنى به من مدح للفقر وذم للغنى واكثر انسجاما مع طبيعة الحياة الاجتماعية العملية . يقول حاثا على الكسب ومحذرا للانسان من أن يظل عالة على غيره :

ولا تدع مكسبا حلالا            تكون منه على بيان

فالمال من حله قوام             للعرض والوجه واللسان

والفقر ذل عليه باب            مفتاحه العجز والتوانى

ورزق ربى له وجوه              هن من الله فى ضمان " (48)

فالحياة الاجتماعية - كما يتصورها هذا الرجل - أخذ وعطاء وتعامل على قدم المساواة فى كل ميدان . وكأنما يذكرنا فى أشعاره بالقاعدة الاجتماعية المشهورة : " كما تدين تدان " فأعمال المرء تبدو آثارها فى هذه الحياة قبل أن تظهر نتائجها فى العالم الآخر وما يزرعه فى حياته يحصاء فيها أولا ثم فى آخرته ثانيا :

إذا لم يكرم الناس امرؤ ، لم يكرموه " (49)

أما مضمر الحسد والبغى فهو يجنى الوبال على نفسه بسببهما :

ولم يك مضمر حسدا وبغيا      لينجو منهما رأسا برأس " (50)

- " فلا يأمنن المرء سوءا يغره   اذا جالس المعروف بالسوء أوماشى " (51)

فالشاعر يهتم هنا بالواقع الاجتماعى قبل أن يهتم بالثواب والعقاب فى الآخرة ونحن لا نشك فى أن كل هذه المبادئ الاخلاقية هى فى الجملة قائمة على أساس اجتماعى اقتصادى خاصة بالرغم من مظهرها الخلقى الدينى . فالرجل ينتقد من خلال انتقاده للقيم الاخلاقية ، وضعا اجتماعيا واقتصاديا معينا يؤذن بالتداعى ، وهو يدعو ، من خلال دعوته الى قيم اخلاقية جديدة ، الى نظام اجتماعى واقتصادى جديد لذلك نراه يوجه انتقاداته فى الغالب الى الاغنياء فهم الانانيون الماديون ويدعو الى التكافل الاجتماعى مريدا به حماية الفقراء والضعفاء ثم هو يرمى من وراء حثه على المشاركة فى بناء مجتمع عادل الى تمتين اللحمة بين أولئك وهؤلاء من أبناء المجتمع . وعلى هذا الاساس يمكن القول بأن هذا الدستور الاخلاقى ذو فلسفة وأهداف اقتصادية قبل كل شئ ويكفى دليلا على ذلك أن ننصت جميعا الى هذه الوصية الاخلاقية المظهر والاقتصادية الجوهر:

" واحفظ اخاك لما رجاك له      واذا دعاك فكن له عضدا

وارفع نواطره وكن سندا          فلقد يكون أخو الرخا سندا

وتعاهد الاخوان انهم             زين المغيب وزين من شهدا " (52)

وفى هذا الباب ندرج أيضا دعوته الى الكرم والاستجابة الى سؤال السائل واليه نرجع كذلك انتقاده للبخل والامتناع من الاعانة والنجدة.

بين الايجابية والسلبية :

وهكذا كان أبو العتاهية فى هذا الجانب من تجربته ذا موقف ايجابى بقدر ما كان فى الجانب الاول سلبى الموقف . وليس هذا من التناقض فى شئ وانما كان الرجل يهرب الى المصير والغيب أمام الحواحز التى كان يشعر بصعوبة ازالتها كحاجز الطبقة الحاكمة صاحبة السلطة أو طبقة الخاصة صاحبة الشرف والثروة فقد كان يهرب أمام وطاقة الهياكل الاجتماعية ولم يكن يتصور امكان تغيرها فكان يتعزى بالموت والفناء . أما فى هذا الجانب الاخلاقى فان الاهتمام موجه الى الفرد أكثر منه الى هياكل متكاملة لذلك نجده بأمل أن تستقيم أخلاق الانسان وعلاقته بأخيه الانسان ونراه يتفاءل عندما يعتقد أن الخير هو عادة يكتسبها البشر إذا ما وجدوا أمامهم منوالا يحتذونه:

واعتقاد الخير والشر أسى  بعضنا فيه لبعض متبع " (53)

وليس لنا الآن أن نتعرض لعقيدة أبى العتاهية فى طباع الانسان وأخلاقه لاننا سنخصص لذلك حديثا فى بحث مستقل عن الناحية العقائدية فى تجربة أبى العتاهية الزهدية .

بين البعد الذاتى والبتد الاجتماعى

ولكن لنتساءل الآن عن اللحمة الموجودة بين هذه التجربة الاجتماعية فى الزهد وبين التجربة الذاتية فيه . فقد كان الالتحام فى العوامل والدوافع منعكسا على جوهر التجربة وعلى نتائجها كما قلنا . ومن ذلك أننا نلاحظ فى ديوان الشاعر حقدا على الخاصة وعلى الملوك بالذات يتجاوز أحيانا الاعتبارات الموضوعية التى شرحناها فى هذا التحليل . فقد كان للرجل من الدوافع الذاتية ما كان يضاعف من حقده على من عاشرهم من الخلفاء وهذا راجع الى تصرفهم معه لذلك يمكننا ان نجد بعض الحزازات النفسية المختفية وراء هذه الثورة العارمة . فنحن نفترض أن جزءا من حقده قد كان ذاتيا فعلا فيقول مثلا مشيرا الى مشكلة خاصة هى حبه لعتبة :

حب الرئاسة داء يخلق الدينا ويجعل الحب جرما للمحبينا " (54)                                                                                         كما أنه بالرغم مما ناله من الطبقات الغنية وبالرغم من اكرامها له واحسانها اليه ، وهو أمر نعرفه جبدا من قبل الذين أرخوا لحياته لم يشكر بها أياديها ورماها دوما بالحرص والبخل وهذا تطرف سببته أيضا أحواله النفسية . ولذلك نرجع بعض ما قاله الشاعر فى هذا الميدان الى اعتبارات ذاتية يشعر بها ازاء الاغنياء وهو شعور راجع الى نزعاته المتشبثة بالحياة والحريصة عليها فالرجل ما فتئ يعانى كما نعلم عقدة البؤس والحرمان .

فلم تكن التجربة الاجتماعية فى زهد الشاعر موضوعية بحتا اذن ونحن لا تطلب فيها أن تكون موضوعية صرفا اذ لا يمكنها البتة أن تكون كذلك ما دام الزهد تجربة ذاتية قبل كل شئ وما دامت هذه التجربة تعرض علينا فى اطار شعرى زهدى يقوم أساسا على معاناة وجدانية ذاتية . فطبيعى جدا اذن ان يقع المزج بين التجربتين ومن البديهى أن يقع التلاؤم بينهما خصوصا اذا ما استطاع الشاعر أن يوفق بين نزعاته الخاصة وتيارات مجتمعه ! وفى هذا دليل قاطع على أن تجربة أبى العتاهية هى صورة مصغرة من تجربة عصره .

اشترك في نشرتنا البريدية