اتسم الاستعداد لاستقبال القرن الهجرى الخامس عشر بالحرص على براز مظاهر العبقرية الاسلامية المتجلية ، خاصة ، في مقاصد التعاليم وفيما كان يتصف به السلف الصالح المصلح من جرأة في الاجتهاد ، وفحولة فى العزيمة تشهد بهما كنوز التراث ، وشتى الفتوحات الحضارية التى لم تتحقق الا بالتوفيق الرشيد بين جوهر العقيدة وملابسات الحياة الفردية والجماعية .
ولئن تعددت - فى دار الاسلام وخارجها - دواعي العود الى التاريخ عامة وتاريخ الاسلام خاصة لاستقرائه او لاعادة استقرائه واستخلاص ما يزخر به من بليغ العبر التى لا غنى عنها فى اكتناه منزلة الانسان وطبيعة صلاته بالمطلق والنسبى أو بما هو قدسى وما هو زمني ، فان تزايد التحديات التى بجابهها المسلمون اليوم يدعوهم جميعا ، وبخاصة منهم اولئك الذين جمعوا بين سعة الفكر وقوة الاشعاع ، الى الاقتناع بان الاشادة بأهمية الدور العظيم الذي قام به الاسلام فى تصحيح مسار التاريخ بتحرير الكائن البشرى مما يحبسه فى طبيعته المعطاة أو يفتر شوقه الى مثله الاعلى لا يمثل الا بعض ما يفرضه واجب السعى الى ايقاظ وعى المسلمين لطبيعة المجاهدة الدائبة التى ينبغى أن تقوم عليها تجربتهم الدينية ومعاناتهم الوجودية ، والتي بها فوزهم بأفضل المصائر فى الحياة والمعاد
ذلك لان الاسهام فى دعم الكيان الجملى وضمان دوامه وحركيته ، وهو من اهم غائيات العمل التربوى ، لا يتاح بمجرد الرغبة فى الالمام بمقومات هذا الكيان أو بمجرد شعور الاعتزاز بالانتماء اليه ، بل انه يتطلب ، زيادة على ذلك ، بل بالخصوص ، عزما حقا على صرف الهمة الى معالجة قضاياه الراهنة
معالجة قوامها الملائمة العملية بين أصول الهوية الروحية والثقافية وخصوصياتها من ناحية ، وبين ملابسات الواقع الموضوعي وعوامل تطورها من ناحية ثانية
ولعل أول ما يمكن استنتاجه من تحليل واقع المسلمين فى هذا العصر الذى طغت فيه حضارة الاستهلاك واشتدت فيه حدة الصراع بين أنماط الايديلوجيات الغازية من كل صوب ، هو ان التفكير فى صيرورة الاسلام معتقدا ونظاما للاجتماع ، يقتضى توجيه الجهد ، في دراسة التاريخ الاسلامى ، الى استجلاء علل الكوائن واستثمار تبريرها فى ادراك جوهر الترابط بين السببية التاريخية والصيرورة التاريخية
فينبغي ألا يفضى الحرص على فضح الاباطيل التى لم يزل يعمد الى ترويجها بعض التائهين فى هوى التعصب العقدى والمذهبي ، وضعفة الراي بغية استصغار أمجاد الاسلام ومنجزاته ، الى الانشغال عن قضايا الحال والمآل - وهى كثيرة وبالغة التعقد - بدحض مزاعم الذين تنكبوا الحقيقة وجحدوا بما استيقنتهم أنفسهم
فليس لهؤلاء من قوة البرهان ووضوح القصد ما يلزم الكثير من المتصدين الى كتابة التاريخ الاسلامى بالتمادى فى توخى الاساليب الدفاعية التى تجعلهم ميالين الى تعداد مفاخر الحضارة الاسلامية دونما سعى جاد الى التعمق فى توضيح متجهاتها الاصلية ، وتحليل أسباب ازدهارها فى الاحقاب السالفة وعوامل اثرائها فى الحاضر والمستقبل
ان مضمون الرسالة التاريخية غير منحصر في الماضي وحده لانه مستخلص من الشعور بضرورة الجمع بين الذكرى والاعتبار اى بين استقراء الواقع الماضى واستلهام العزم على ابتداع الواقع المنشود
والقصد من بث هذه الرسالة لا يتمثل في اذكاء الحنين الغابر والاسف عما يكون قد اتسم به من جمال بقدر ما يتمثل فى استنهاض الهمم لتجاوز ما يقعد عن بناء المصير بناء فيه من الوفاء لاعراق الذات والتوق الى الممكن ما يجعله شديد التماسك ، لا يتخشى رياح البدع
بهذا ، تعتبر الرسالة التاريخية رسالة تربوية تتجه ، مباشرة ، الى الاجيال الطالعة لا فقط لتبين لها طبائع الاحوال بل لتبلغ اليها ، عبر ذلك ، رصيد القيم الخالدة التى ينبغى ان يظل الشوق اليها والحرص عليها مستمرين
باستمرار الزمان لانها " جماع الاسباب المكملة للانسان فى عاجلته وآجلته " ( 1 ) .
وانما يقاس الفرق بين المؤرخ الراوي والمؤرخ المربى بمدى الاجتهاد فى صوغ الرسالة التاريخية صوغا ييسر نفاذها الى أعماق الذات المدركة التى لا يهمها الموضوع المدرك أو بالاحرى استرجاع الوقائع الماضية بقدر ما يهمها تفهم السببية التاريخية واستثمارها فى تعميق وعيها لمعنى الحياة وشرعية طموح الانسان الى حل الغاز الكون وتوسيع مجالات ابداعه فيه باعتباره كائنا يحمل فى نفسه فكرة مصيره ويستطيع العمل على التحكم فيه
ولما كان الانشغال بالمصير والحرص على تحمل مسؤوليات بنائه من أبرز مظاهر وعى المسلم الذى استخلفه الله فى الارض ، واستحثه على تغيير ما بنفسه ، وكرمه باقداره على ذلك فانه من غير المجدى ، من الوجهة التربوية خاصة . أن تكون الاحداث التى شهدها العالم الاسلامي في الاحقاب السالفة من تاريخه المرجع الاهم فى صوع مضمون الرسالة التاريخية الاسلامية لان هذه الرسالة لا تكتسب بعد مداها ، وعمق معناعا من تلخيص الماضي أو تشخيصه بقدر ما تستمدهما من كنه القيم التى ندب اليها الاسلام منذ ظهوره ، وأقام عليها نظامه الحضارى ، وجعلها محور العبادات والمعاملات على السواء
فالذى يجدر التأكيد على أهميته ، فى تأويل المعطيات والظواهر التاريخية هو أن وجهة التاريخ " لا ندركها من الالمام بنقطة واحدة فى مجرى الزمن ( بل ) يدركها بشوط من أشواطه الطويلة يبتدئ وينتهى على علم منا ، وله بين بدايته ونهايته مسيرة مطروقة نعرف منها معالمها ومراحلها ، ونعرف من تلك المعالم والمراحل : هل هى وجهة متتابعة أو شتات من الخطى فى كل اتجاه . . " ( 2 )
ووجهة التاريخ التى " لم تخل من نكساتها فى العصور المتطاولة بين ثورات الحرية وثورات الطغيان ، وبين دعوات التقدم ودعوات الرجعية
والجمود على القديم ، وبين قلاقل الاضطراب فى انتظار الاستقرار " ( 3 ) هي خير ما يشهد على أن علاقة الانسان بالكون هي علاقة جدل مستديم لان هذا الكائن الذي يحس احساسا قويا بذاته ويجد فى البحث عنها لم يقنع أبدا بالواقع الموجود ، ولم يرض قط بالاستسلام لظواهر الطبيعة أو لمختلف المصادف والاعراض
فعزمه الدائب على بلوغ أقصى درجة ممكنة من تحقيق الممكن هو الذى يعطى لتاريخة معناه الاحق ويفصح عن عارم رغبته فى اختيار أفعاله ليكون اقدر فاقدر على التحكم فى مصيره .
ومن معاني الاختيار ، بل من اهمها ، انه مفاضلة بين شتى الممكنات قوامها تدبر قيمها من خصائصها المميزة وأصولها وأبعادها ، وقبلتها ، نيل الاحسن مما هو متاح بالفعل أو مما هو قابل للتحقيق من مشاريع الذات الواعية وأهدافها العاجلة والآجلة
وفى الفول بأن التاريخ هو تاريخ الانسان الذي يصنعه ما يغنى عن الاسهاب فى تبرير طاقة القيم على اذكاء جذوة الطموح فى تحقيق الذات بشدها أولا الى أعراقها الضاربة فى أعماق الماضي ثم بدعم سيطرتها على الواقع الذي لا تفضى معرفته الا الى شحذ العزم على تجاوزه لاستبداله بالممكن الذي يصبو اليه الوعى ويرسم معالمه فى غمرة المعاناة الوجودية
فالوعى هو سبيلنا من الواقع الى الممكن ، وعلة اقرارنا " بأن مثل ما نعلمه من الكون فى جانب ما نجهله منه كمثل قطرة واحدة من محيط خضم عميق ، ذلك لان كل باب جديد يفتحه العلم من دلائل عظمة الكون وامتداده ينفتح معه أفق أوسع للسؤال عما يتصل بهذا الميدان الجديد من المشاكل الكثيرة الغامضة " ( 4 ) . وتتمثل أبرز مظاهر الوعى وأهم تأثيراته على صعيد التفكير والسلوك فى طموح الذات طموحا عفويا كليا الى الذات المطلقه المتعالية على الزمان والمكان أى فى شوقها الى مثلها الاعلي الذي يستوحيه من تجربتها الاخلاقية والروحية ومن راسخ عزمها على اختيار وجهة حياتها .
ولولا هذا الوعي لما تسنى لمكونات الشخصية الواحدة ان تتماسك وتتكامل بالقدر الذي يتيح لها أن تغدو بحق فعالية تستهدف التحرر من الغرائز والاهواء لتكون قادرة على الاسهام في اغناء الحضارة باعتبارها تجسيدا فى الزمان للعبقرية الانسانية فى تمام حيويتها وخصوبتها
فعن الوعى تنشأ فكرة الايمان التى تحض الانسان على البحث عما يعطى طبيعته صورة خلقية لم تصاحب صورتها الحيوية ( البيولوجية ) المعطاة ، وتنمى شعوره بالحاجه الى " اقامه شرعية تنظم ممكنات التحقيق بحيث نسمح فى المثل العليا التى تصوغها ان تهيئ كل ذات أكبر قدر من الفرصة لتحقيق ما بها من ممكنات " ( 5 ) .
ومن أجل ايقاظ وعى الذات لمنزلتها فى الوجود تولى النظم التربوية عامة أهمية بالغة لتعليم التاريخ ، وتسعى ، باستمرار ، الى اقناع المدرسين بوجوب الاستعاضة عن طرائق التلقين السطحى والمذهبية Endoctrinement الظاهرة أو المستترة بطرائق ترغب المربى فى اكتشاف الحقيقة التاريخية ، وتشده الى الكيان الجماعى الذى اليه ينتمى ماضيا وحاضرا ومستقبلا ، وفيه يقوى على ممارسة حقوقه وواجباته ممارسة قوامها التوفيق بين حاجات الجسم ومطالب الروح ، وهدفها تحقيق ما فيه خير أمته وخير الانسانية قاطبة
على ان الذى يمكن استنتاجه من استمرار جملة من الظواهر السلبية ، فى أوساط الشباب خاصة ، مثل الانبتات ، وانبهار ببدع الايديولوجيات المتطرفة ، والميل المرضى الى العنف والانحلال الخلقي بشتى ضروبه هو ان مساهمة تعليم التاريخ في ايقاظ وعي الاجيال الطالعة لاهمية القيم والواجب التمسك بها لم تزل ضعيفة جدا رغم العناية الفائقة التى توليها النظم التربوية - على تباين فلسفتها - لبرامج تدريس التاريخ وغائياته
ويعزى هذا الضعف ، فى البعض من النظم التربوية ، الى تعمد المسؤولين فيها عن ضبط البرامج ومحتويات التعليم تشويه الحقائق التاريخية بنية تضخيم " أمجادهم " وابراز الشخصية القومية فى الصورة التى تستهوى
اطفالهم ومراهقيهم وتيسر اخضاعهم للاتجاهات السياسية المتولدة عن التعصب القومى او العقدى
ولقد بينت بعض الدراسات التربوية والاجتماعية ان الاقدام على مثل هذا العمل الذى لا يرضاه الضمير ولا يستسيغه العقل قد ساعد ، الى حد كبير ، على انتشار ظاهرة الاستعمار وتغذية الاحقاد بين الكثير من الشعوب وافضى ، بالتالى ، الى عدد غير قليل من الحروب والمآسى والمحن
ولئن كان من حق المربى المسلم الذي يحتفى ، كغيره من المسلمين فى المشرق والمغرب ، بحلول القرن الهجرى الجديد أن يعتز أيما اعتزاز بمقاومة الاسلام والدس والتعصب المقيت التى لم تنج منها بعض النظم التربوية خارج دار الاسلام ، فان عمق ايمانه وصادق بره بالشبيبة التى حمل مسؤوليات المشار كة فى تخريجها على التعلق الواعي بالقيم الاسلامية الخالده لا يجيزان له النظر الى النتائج التى يسفر عنها تعليم التاريخ ، في الوقت الراهن ، بعين الارتياح والرضى ، ولا يسمحان له بالتمادى فى الانشغال عن استخلاص العبر من دروس التاريخ القديم والحديث بالسعى الى جمع أكثر ما يمكن من المعلومات قصد ترسيخها ، بالتلقين أو بالتحفيظ فى أذهان المتعلمين من النشء
فلقد آن الاوان كي نسعى ، بالجد اللازم ، الى استنباط الطرائق الكفيلة بتيسير الرفع من درجة الجدوى التربوية فى تعليم التاريخ الاسلامى اذ ان طبيعة الطور الحاصل فى البنيات الاجتماعية داخل المحيط الاسلامي الأوسع واستمرار تيه العديد من بنات المسلمين وابنائهم فى متاهات البدع وأفلاك الضلالات يجسمان أفصح دليل ، لمن لم ينفكوا بحاجة الى ذلك ، على تقصير مؤسساتنا التعليمية أو على قصورها فى توجيه دروس التاريخ نحو دعم مناعة الشاب المسلم ، من الوجهتين الثقافية والروحية خاصة ، بتعميق ندبره لطبيعة أصالته ولمقتضيات التكيف فى المناخ الحضاري الكوني الذي يتطور بسرعة عجيبة .
والمرتجى من هذه الطرائق التى تشتد حاجتنا اليها يوما بعد يوم هو ان تستبدل النزعة الوعظية التقليدية بالحوار الخصيب مع الناشئة ، وأن تجعل من الاهتمام بما مضى سبيلا الى تنشيط التفكير الجماعي العقلانى فى قضايا العصر ، وفي أسباب تجاوز التحديات الكبيرة التى تهددنا فيه بانخرام التوازن النفسى وبما يترتب عنه لا محالة من ذهاب الرشاد ودبور الامر
ونجاح الحوار بين الكهول والذين لم يبلغوا بعد سن الرشد متوقف على توفر جمله من الشروط لعل اهمها واوكدها اخذ اهتمامات الاطفال والمراهقين
وحاجاتهم النفسية وقدراتهم الذهنية بعين الاعتبار ، وتمكينهم من حق النقاش المشروع والتفكير الحر فى المسائل الدينية والدنيوية التى تطرح عليهم داخل معاهد التعليم أو خارجها
أما التوفيق الى استغلال دروس التاريخ الاسلامى فى تشجيع التفكير النقدى الخلاق والنقاش الجماعى الجاد فهو رهين الاقتناع بضرورة الحرص على تطوير الفهم العاطفى لمعنى التاريخ الى فهم مستقبلى مستمد من صحة التحليل وجاهة التأويل . فالنظر المستقبلى الى مفهوم التاريخ يهدينا الى سبل الاستفادة مما مضى لتحسين الحاضر وبناء المصير المأمول بينما يزين لنا النظر اليه من زاوية العاطفة وحدها استهلاك الحاضر في الماضي بتسخير الجهد كله لتسجيل الوقائع والاحداث التى جدت من قبل وتعداد مظاهر المجد الذي بنته أيادى أجدادنا
وليس أجدى فى تسخير التاريخ لخدمة الحاضر والمآل من النفاذ الى كنه العلية التاريخية التى منها ننطلق فى ادراك الصيرورة التاريخية ، وعليها نقيم تحليلنا لدور القيم فى دفع حركة التاريخ وتحديد متجهاته وأبعاده التربوية .
فاذا صح منا العزم على أن ننجح فى تربية ناشئتنا بواسطة تاريخنا الذي نعلمه لهم فى دروس الادب والحضارة والتربية الدينية والاجتماعية وغيرها ، وجب علينا ان نصوغ لهم الرسالة التربوية صوغا بيدغوجيا جديدا يوقظ فيهم الشوق الى المثل العليا التى هى - على الدوام - أصل الامجاد ، وذوب وصايا الاجداد ، وسبيل نجاة جميع العباد في الحياة والمعاد .
وهذا العمل الصعب الجليل الذي نقترح تخصيص كامل العقد الاول من القرن الهجرى الجديد لمحاولة تحقيقه على اساس التعاون بين المؤسسات المختصة كرابطة العالم الاسلامي ، ومؤتمر العالم الاسلامي ، والمنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم ، ومختلف الكليات ومعاهد البحث الموجودة في البلاد الاسلامية يمثل أوكد الواجبات التى يفرضها علينا التعلق الرشيد بالوحدة الاسلامية ، والسهر الدائب على ضمان مناعتنا الروحية والثقافية
ويحق لنا ، ونحن نشهد انبلاج فجر هذا القرن ، ان ندعو المختصين من أبناء الامة الاسلامية فى علوم التاريخ والدين والتربية والاجتماع وغيرها الى توحيد هممهم من أجل تحقيق هذا الحلم الكبير الذى ننتظر تجسيمه فى حيز الواقع لنقول لهم : انكم بالفعل سرج السواد الاعظم من الناس

