الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 1 الرجوع إلى "الفكر"

الأدب التجريىبى : اسسة وغاياتة ،

Share

اذا ما انطلقنا من هذه الفكرة ، وقلنا : ان العمل الادبى والفنى احراج يومي لا بالنسبة للقارئ أو للمستمع أو للمتفرج فحسب ، بل بالنسبة للكاتب أو الفنان أيضا ، فاننا سنواجه حتما مسائل فكرية ستغير جذريا ما الفنناه ومما لا يزال يؤمن به البعض منا من المفاهيم الادبية والفنية التى سبقت عصرنا ، هذه المفاهيم التى تقول بالخصوص بأن الادب والفن لونان من الامتاع واللذة ، بما فى هاتين الكلمتين من ابتذال ، وعفوية ، وسذاجة ...

والاحراج الادبى والفنى ذو معان شتى وأبعاد غزيرة . . فهو على صعيد الخلق ، والخلق بالخصوص ، الانطلاق من المعلوم الى رحاب المجهول ، والانصراف الكلى عن المعروف بعد اكتسابه ، والخروج تماما عن المألوف ، والتمرد على المبتذل ، وكسر المحنط ، والدخول بكل جسارة فى مجازفة أدبية ، ومغامرة فنية ، وباختصار فى مسير وجودى حساس عميق لا يعرف للاطمئنان بابا ، ولا يعترف للسكينة بمنفذ ، ولا يسقط فى التبعية ، ولا يتقيد بالاستسلام .

ولعل مرد ذلك ان الخلق هو فى أساسه وفي بعده وفى نسخه انفجار ذاتى تلقائى مجاني محض لا علة له و لاسبب ، والتساؤل دافعه اللاواعي ، والحيرة أمام الواقع ، والحياة محركه اللاشعورى ، والدهشة أمام الناس ، والاحداث والموت دعامته الدائخة فى الاعماق .

نعم ، لعل مرد ذلك ان حرية الخلق فى الفكر والادب والفن ، ولو أنها حرية تسبكها ظروف اجتماعية واقتصادية ، وتزعزعها خطوب سياسية ، وتحبكها ملابسات ثقافية وفكرية مختلفة ، وتنسجها وربما تنجبها عوامل تاريخية وعصرية معينة ، فعلى كل فهي حرية ضارية ، اذ هي بفضل التجاوز الجدلى تتخطى صعاب الواقع ومتناقضاته لتغزو المجهول ، وهي حرية عدوانية ، اذ هي تروض الانسان بعنف الخطاب ، وبالبحث المتواصل عن الوعى ، وبتجديد نظرته

دوما الى الكون ، الى المجتمع ، والى ديكور الاشياء فى هذه الدنيا ، وهي حرية تكاد تكون فوضوية ، اذ هي فى نهاية مراميها تأبى التمذهب ، وترفض التحجر ، وتتحدى الحاضر ، وتنبئ عن المستقبل ، وترتاح للآفاق المفتوحة . . .

والاحراج من الحرج . والحرج الذي أعنيه فى هذا الشأن ليس ذلك الاساس الطارىء ، وانما هو الشعور الوجودى الحاد بالغربة وبالغرابة ، كما هو ليس بالقلق والاضطراب ، ولا هو بالحيرة المثبطة للعزائم والتلف ، وانما هو عبارة عن ذلك الاحتكاك الدامى المستمر بين النظرية والعمل ، عن ذلك الصراع المتواصل بين الانسان وواقعه ، عن تلك الحرب الدائرة بين الفرد وخباياه المظلمة . فلا العنصر الاول منتصر فى هذا النزاع ، ولا العنصر الثاني منهزم فيه ، بل هما بين بين . . وقد يظلان فى معظم الاوقات متكافئين بل غريبين بعضهما عن بعض غربة مغلقة تامة . فمن ذلك ينجم الشعور بالحرج وبالاحراج .

وهذا الحرج الذي يلخص فى مكامنه تلك القيم القارة لعمل الخلق فى مجالات الفكر والادب والفن هو الذي دفعنا الى عرض هذه النظريات الجمالية ، وهو بالتالي احراج للكاتب او للفنان لانه يعلم ان هذه النظريات لا تقوم لها قائمة الا اذا انطلقت من الواقع الحي اليومى فتعتمده ، وتقفز من الدنيا فترتكز عليها ، وتثب من الحياة المتحركة دوما ، المتقدمة دوما ، المتطورة دوما ، وهو بالتالى احراج للقارئ او للمستمع او للمتفرج ، لان الكاتب او الفنان يضع جمهوره وجها لوجه مع الواقع بدون سابق اعلام ، فيحمله معه فى مغامرة خيالية بل فنية وفكرية ربما تعين الجمهور على يومه وتساعده على غده .

أهمية النظريات

لقد صار من الضرورى القيام بتأملات في مجالات النظريات الادبية والفنية وتوسيع نطاقها وتعميق اهدافها حتى تبتعد الابتعاد الكلى عن الادب الساذج والفن العفوى .

لقد ضجرنا بطول الزمن من اولئك الذين يلوثون الاوراق بدون جهد ، وبدون نظر ، وبدون اعادة نظر ، وهم يتخبطون فى لوثات هستيرية ينعتها الذوق العام بالاعمال الادبية والفنية العبقرية .

كما مللنا من جهة اولئك الذين لا يواكبون عصرهم فيكتبون أشياء ناشزة تاريخيا يمكن تاريخها بالقرون الماضية .

كما يئسنا من اولئك الذين يعمهون في مجالات الفكر فلا يميزون بين الاراء والافكار ، ولا يفرقون بين ذلك التيار الفلسفى وهذا الاتجاه الفنى ، ويخلطون بين مفاهيم السياسة والادب ، وبين معانى الفن والدين ، وبين ابعاد الاقتصاد والتفكير العام ، ولو ان الكل مرتبط أوثق الارتباط !..

واني ادعو بهذه المناسبة الى ان يتأمل الكتاب والفنانون فيما ينتجون ، وان يبسطوا نظرياتهم فيما يروجون ، لان عدم التفكير فى ماهية الادب والفن وقبول ما قيل فى هذا الشأن سواء فى الماضى أو من خارج الحدود يعنى ذوبان شخصية الاديب والفنان ، ويعني كذلك ان الكاتب أو الفنان لا يستحق أن تطلق عليه كلمة " منتج " اذ هو دائما فى حالة استهلاك ! ويعني كذلك اخيرا ان هذا " الانتاج " هو من الادب أو الفن فى درجة التبعية والسفالة والتتلمذ والضحالة .

الطريق الثالثة

لذلك ، وجب علينا ان نتأمل جديا فى الادب والفن فى تونس بعد الاستقلال ، وان نغير الاتجاه جذريا ، بعد ان كان منحرفا عن المقاصد السليمة والدروب القويمة .

وهذا الانحراف يتمثل فى خطين متوازيين : الاول : الخط الخاضع للادب والفن الموروثين من الماضي ، ويليه خط متفرع عنه ما زال خاضعا للتيارات العربية المشرقية .

الثاني : الخط المستسلم لادب وفن الغرب اليوم وفرنسا بالخصوص . اما الخط الثالث وهو خط الادب التجريبى فيعتمد فى نظرياته العامة على جهده واجتهاده ، وعلى ما ينقذه من متاحف الماضى ، وما يقتبسه من نبراس الغرب اليوم من علوم انسانية وفلسفة وآداب وفنون وذلك تماشيا مع مقتضيات المعاصرة لا مع متطلبات الماضي .

والأدب التجريبي يرادف في هذا المضمار العام التفتح واليناعة والخصوبة . لكن لا تتحقق هذه الكلمات الثلاث ولا تتجسم الا اذا كان الادب عملا يوميا متواصلا . ذلك ان الكم يؤثر جذريا فى الكيف ويتفاعل معه ولحينه .

وما الادب التجريبي الا مرحلة مؤقتة وانتقالية ستفضى الى الادب الكامل بعد . اجتيازها .

ولئن كان الادب التجريبى يتضمن بذور الاعتراض والاحتجاج على انحطاط الماضى وعلى ما جره من الافكار المسوسة ، والمحاسبة والمراقبة الصارمة للنماذج الثقافية والفكرية العامة الواردة علينا من الغرب عامة وفرنسا خاصة ، فانه ادب البناء والتشييد لانه يرتكز على أسس ثابتة : (لا متعصبة وطنيا و لا متحجرة مذهبيا ).

الأسس

1) توسيع ميدان النظريات الجمالية فى الادب والفن ، وتطويره مع تعميق  النظر فى الانواع الادبية والفنية المختلفة من شعر وقصة ورواية ومسرحية ونقد وسينما وموسيقى ومسرح . . الخ . . .

أ) تطوير مفهوم الكتابة الادبية والفنية بعد الاستفادة من انواع الكتابات القديمة واذا امكن من انواع الكتابات الاجنبية .

ب) النظر فى الفنيات وانماؤها من ذلك الحوار والسرد والاوزان والشكل .

ج) النظر فى العربية فى مجال التعبير الادبى وتطويرها وتعصيرها بادخال اللغة اليومية وبمراجعة الصيغ الصرفية والنحوية وتنميتها والغاء ما يعطل العربية فى مواكبتها لهذا العصر .

2) اكتساب نظرة نقدية صحيحة (ولو نسبيا) للتراث والانتاج الادبي ، وذلك يهدف الى :

أ) انقاذ ما هو ما زال صالحا من التراث واستعماله بطرق مرنة مع مراعاة عصرنا .

ب)  تغذية تفكيرنا بما يمكن ان يكون صالحا لنا من الانتاج الاجنبى بكل حذر .

3) مزج الادب بالفن بعد الاستفادة من فنيات مختلف الفنون وادماج العلوم الانسانية وربما بعض العلوم الصحيحة فى صلب الادب بكل ما فى ذلك من نظريات وتطبيقات .

4) التسلح بالوعى التاريخي الذي يشمل مفاهيم المعاصرة والتقدم والاختيارات المصيرية الكبرى وربط عرى الزمان والحرية .

5 ) التشبع بالروح العلمية وخصوصا فى مجال النقد .

6) العمل على ربط الاتصال الوثيق مع الشعب وبالخصوص مع المستويات الكادحة . تلك هى أسس الادب التجريبى فى رأيي .

وانى أؤكد بهذه المناسبة ان هذه الاسس ليست متحجرة وهي ليست كذلك برنامج عمل أو مواد طبخ لكل من يروم الكتابة والتحبير . ذلك ان الخيال والموهبة والطلب والتحمل والمسؤولية تقوم بادوار فعالة فى الادب التجريبي .

الغايات

ان الغاية الاولى والاخيرة التى يهدف اليها الادب التجريبى هو التطبيق واعنى بالتطبيق عملية الكتابة التى يقوم بها الكاتب عند استقامة النظريات عنده وفى اثناء اقتناص اللحظة الموحية لديه بعد ان دعم نظرياته بافتراضات ...

من ذلك انه يفترض مشكلا معينا فى الادب أو فى الفن أو فى المجتمع أو فى أى مجال من مجالات الحياة والمعرفة ، فيدرس هذا المشكل دراسة معمقة الى اقصى حد من الدراسة والاستقصاء وبكامل التجرد ، كالعامل فى عمله التطبيقى أى بدون اعتبار للمقدسات والمحظورات الاخلاقية والاجتماعية والسياسية . فيعالجه بأدوات أدبية أو فنية مختلفة ، ويصطفى الاسلوب الملائم لذلك ، ويعرضه اخيرا بطريقة سؤال يطرح على القارىء . ويمكن للكاتب بعد نشر عمله ان يستخلص النتائج بقطع النظر عن النجاح والاخفاق كما يمكن له ان يعيد الكرة ويطرح المشكل من زوايا اخرى .

ومن الغايات ايضا اعتمادا على عملية النشر القيام بتطوير النظريات الجمالية وبمحو ما فسد منها ، وبالاحتفاظ بما هو ما زال يصلح منها ، وبما يمكن له ان يكون خميرة لعمل تجريبى قادم سواء بالنسبة لصاحب التجريب أو لغيره من الكتاب إذ الادب ملك مشاع بين كافة المنتجين .

ومن الغايات ثالثا تطوير العربية تطويرا جذريا حاسما ، وتعصير الادب حتى يكون ناطقا باسم العصر والتقدم ، وربط الحوار مع الجمهور وتشريكة - ان امكن - فى العمل الادبى .

ومن الغايات رابعا تظافر الجهود بين كافة المنتجين وتناصر الكفاءات الادبية والفنية من مختلف الاتجاهات المذهبية والعقائدية ، حتى تشعر هذه الكفاءات

وتلك الجهود بانها قوة فكرية تستطيع ان تعتمد على نفسها وان تعول على تفكيرها وان تستند الى تاريخها والى مستقبلها وهذا من شأنه ان يرفع كابوس القيادات الفكريه الاجنبية المهيمنة على جل الادب التونسي الحديث وان يشق طريقة بين الأداب العالمية الاخرى حتى يفوز فى نهاية الامر - مهما طالت  المدة - بالادب الكامل .

اشترك في نشرتنا البريدية