الجزائر الشقيقة التى ضربت المثل الرائع الذى لايكاد يصدق لولا اننا نشاهد واقعه . . ونعيش على عهده . وبزت الامم المكافحة المجاهدة لاسترجاع عزتها وعظمتها وحريتها . . فى ميادين الجلاد والاباء والعزة والثبات الذى تعجز عنه الاطواد الراسخة والصخور الصماء . امام عدو لا يراعي في خصمه الا ولاذمة ولا يقيم وزنا لكرامة الشعوب ولا يرحم الانسانية التى تطمح الى الاباء ولا يعطف على الاحرار . امام ظالم غاصب ومستعمر معتد يرى مطالبة خصمه بالحقوق الانسانية الطبيعية جريمة لا تغتفر ويحاول بكل ما لديه من وسائل وحشية فتاكة مدمرة ان يبيده ويستاصل شافته من الوجود ولايبالى اذا اشبع نهمه ان عذب خصمه او نكل به او مثل او اخذه اخذا وبيلا لا هوادة فيه كل ذلك ليرغمه على تحمل الضيم ويعوده الاستعباد ويروضه على الخنوع وهو يابى ويفضل الموت على الحياة اجل هو الشعب الجزائرى الذى راى الموت في العز حياة والعيش فى الذل قتلا وما تمالك عن التمثل بقول الشاعر العربى الابى الذى يقول فى صراحة واباء واقدام
تاخرت استبقى الحياة فلم اجد لنفسى حياة مثل ان اتقدما
ولست بمبتاع الحياة بسبة ولا مرتق من خشية الموت سلما
ولما رايت الود .. ليس بنافع عمدت الى الامر الذى كان احزما
ذلك الشعب الذى دفعت به نخوته وشهامته وعزته الى خوض غمار الموت ليجلو عن نفسه عار المذلة ويعيش عيش الاحرار فلم يسعه الا التقدم فى مجال الموت
والبسها حمراء تضفو ذيولها من الدم بعدا عن لباس الملاوم
فاثار اعجاب العالم باسره وبات العدو يقرأ له الف حساب . . وقديما حقق الشعب الجزائرى الاهداف واسس الدول الخطيرة بالمغرب الاوسط وجاهد ورابط وكان له في الادب العربي اليد البيضاء ونبغ منه الشعراء والادباء والكتاب وسل عن ذلك بجاية ووهران وقسنطينة والجزائر وتلمسان وغيرها من أركان البلاد التى كانت تغص برجال العلم وتكتظ بالادباء ...
وغنى عن البيان ان الادب العربى نشأ بالجزائر كما نشأ الادب العربى بافريقية بواسطة النقل والتشجيع والتمازج واستفحل خطره فى القرن
الخامس وبلغ ذروته فى القرن السادس الهجرى فكان فى تجدد مستمر وفيض غامر وظرف رائق وكياسة وطلاوة فكان يجارى ارقى الاداب ويشق طريقه مسايرا للحياة فى صور فاتنة وابتكارات حيوية جذابة صيرته في بعض الظروف ممتازا فى هذا الطور واكبر مظهر لذلك ادب ركن الدين الوهراني الجزائرى المتوفى سنة 575 ه الاديب الظريف الذى حاول في رحلته الى المشرق ان يزاحم امام صناعة الادب والانشاء القاضى الفاضل وزميله الكاتب الضليع عماد الدين الاصبهانى اللذين كانا فرقدى سماء المشرق انذاك يتالقان في افق ذلك العصر فلم يفسحا لادبه المجال فى التبارى فى ميدانهما فابتكر ادبا خالف به الكتاب والشعراء واهتز له العلماء واعترف له الظرفاء كان يسمي ( الادب المنامى ) اتى فيه بكل طريفة فكان يحبر مايبدو له من نقد لطيف في اسلوب عذب وطريقة عذراء جذابة فيصور به ما يروم تصويره من عيوب المجتمعات والافراد بواسطة التلقى من عالم الاحلام فى غفوة المنام فياتي تحبيره وتفكيره شيقا وغريبا فيلتهمه الادباء ويقبل على مطالعته الناس بلهفة وبذلك انتشر الادب الجزائرى بالمشرق وصارت له مكانة اعجب بها الادباء واهتم بها الظرفاء وتركت خلفها ضربا من هذا النوع . . لم يصل الينا انموذج منه وقد وقف المؤرخ الاديب المدقق ابن خلكان على نسخة ( المنام الكبير ) وقال عنه فى تاريخه فى الحديث عن الوهرانى الجزائرى ما نصه : " ولو لم يكن له الا المنام الكبير لكفاه . . فانه اتى فيه بكل حلاوة ولولا طوله لذكرته . . الخ اه وياليته ذكره . . ذلكم هو الاديب الجزائرى فى ذلك العصر وتلكم آثاره . وبالتالى فقد كان الادب الجزائرى فى هذه الفترة مزيجا من عاطفة فياضة وخيال خصب . بينما كانت الاوساط الادبية انذاك تعنى بالقوالب اللفظية وتهيم بالسجع والمقابلة والجناس والتورية والمطابقة وما الى ذلك مما احدثه الحفاة على الادب من أفانين البديع او المحسنات اللفظية التى غادرتها الروح وبقيت الالفاظ والتراكيب هيكلا ذا زخرفة وتنميق ولاطائل تحته ولاساكن فيه يؤبه له . وفى اواخر هذا القرن السادس يغفو الادب العربى غفوة فاذا هو يرجع القهقرى ويتفرق الادباء شذر مذر . وتتوالى الخطوب على المشرق والمغرب فياخذ الادب الجزائرى سبيله الى الوجدانيات ويتقمص التصوف لباسا ويتاثر خطا الادب المصرى الصوفى ويفنى الاديب فى وجدانه وينطلق لسان الشاعر فى القرن السابع الهجرى بالاسرار والرموز فيبعد عن واقع الدنيا بمراحل ويصبح فى عزلة عن الحياة يهيم بالحقائق التى بدت له ساطعة فى ارواح المتصوفة وشطحاتهم ويتجلى هذا الادب فى شعر ابى محمد عبدحق الانصارى من مواليد ( بجاية ) فى القرن السابع الهجرى وهو القائل الغريد فى هذا الصدد ( النزعة الصوفية )
سفرت على وجه الجميل فاسفرا وبدا هلال الحسن منها مقمرا
ودنت فكاشفت القلوب بسرها وسقت شراب الانس منها كوثرا
ورايتها في كل شئ ابصرت عيناي حتى عدت كلي مبصرا
وسمعت نطق الناطقين فكلهم بالحمد والتسبيح عنها اخبرا
وبها فنيت عن الفناء وغصت فى ماء الحياة مسرمدا ومدهرا
فى الماء يظهر كل شئ كائن وبه يرى مثل الوجود مصورا
وانا ارى كل ماء ماءه وارى وراء الماء ماء اخرا
فاذا وصلت اليه فراجعن تلك المنازل نقلة متنكرا
ويصر هذا الاديب الصوفى وغيره من ادباء الصوفية على نشر رسالة الادب الصوفى بتلكم الربوع ويدركه الموت فيتالم ويقول لمريديه ( والله مابى موتى وانما بي ما قال افلاطون لاصحابه لما حضرته الوفاة وحضروا عنده قال : ( والله مابى ان اموت وانما بى ان اموت ولم ارق باصحابى الى مراقيهم التى اقتضتها صفاتهم واستحقتها ذواتهم ) . . وهكذا ساد هذا الادب بجاية وتلمسان وقسنطينة وتونس ايضا . . . طيلة القرن السابع والقرون التى بعده فظهر بالبلاد الجزائرية عشرات التاليف فى مناقب الاولياء وكرامات الاقطاب والاغواث والابدال . . . وظل الناس فى غوصهم على الحقائق . . . مستلمين لاحلامهم الذهبية الى ان هدد الاسبان الجزائر وتونس واندفع سيل الاتراك يصدهم ويطاردهم واستقر الاتراك المنقذون حسب زعمهم انذاك والمسيطرون الجدد فيما بعد فى تنازعهم وتنافسهم على الجزائر وتونس وطرابلس فغاضت الصبابة الادبية الباقية ونضب معين العلم واصبح الناس فى تقهقر مستمر وظلام من الجهل حالك . ولم يكن الادب التركى انذاك ليتفوق على الذمامة الباقية من الادب الجزائرى او التونسى فقد اقتصر الادباء هنا وهناك على شيخ زاوية يشيدون بكرامته او قطب يستنجدون به عند الملمات . ولولا ضيق المجال لذكرت قصيدة لعالم تونسي يستنجد بها احمد التيجانى ويستغيث به مما دهاه من الوزير مصطفى خزنه دار بتونس . . . ؟
وظل الادب الصوفى بالزوايا يغمر الجزائر والاتراك يعيشون فى ارجائها الى ان اصطدمت فجأة بالواقع المر الذى يبدو في مقاومة عنيفة اعدها المستعمرون بعد ان تكتلوا وجمعوا حشودهم وصمموا على بسط نفوذهم على هذه الرقعة مر الارض فيضطر الادب الى الثورة والخروج من الوجدان والزاوية الى الكفاح المرير والحماس الذي يلهب الشعور فيتدفق على لسان قائد المعمعة وليث الدفاع الحر الابي الامير عبد القادر الجزائرى وانصاره الاباة فنصغي للامير لاول مرة بعد مرور القرون يقتحم المعارك ويحمل سيفه فى وجه الغاصبين المغيرين المستعمرين من الفرنسيين وهو يفاخرهم صارخا قائلا :
لنا فى كل مكرمة مجال ومن فوق السماء لنا رجال
ركبنا للمكارم كل هول وخضنا الجرار لها زحال
اذا عنها توانى الغير عجزا فنحن الراحلون لها عجال
ورثنا سوددا للعرب يبقى وما تبقى السماء ولا الجبال
سلوا عنا الفرنسيس يخبروكم ويصدق اذا حكوا منهم مقال
فكم لى فيهم من يوم حرب به افتخر الزمان ولا يزال ؟
ويخاطب زوجه بالكلمة التالية :
تسائلنى ام البنين وانها لا علم من تحت السماء باحوالى
الم تعلمى ياربة الخدر اننى اجلى هموم القوم فى يوم تجوالى
واغشى مضيق الموت لا متهيبا واحمى نساء الحى فى يوم تهوال
سلي البيد عنى والمفاوز والربا وسهلا وحزنا كم طويت بترحالى
وعنى سلى جنس الفرنسيس تعلمي بان مناياهم بسيفى وعسالى
فما همتى الا مقارعة العدا وهزمي لابطال شداد بابطالى
فلا تهزئى بى واعلمى اننى الذى اهاب ولو اصبحت تحت الثرى بالى
و يشتد حنق المغير ويركب كل صعب وذلول فى سبيل تخضيد شوكة الثورة والقضاء عليها بافانين التعذيب والوحشية واساليب التدمير والابادة فتسكن ويظل جمرها تحت الرماد فيسن المستعمر السنن الجائرة لجبر الجزائر على قطع الصلة بينها وبين الماضى المجيد ويحرم عليها التعلم بالعربية ويقاوم كل ما هو عربى مقاومة لا اثر للرحمة فيها ويمضي قدما ممعنا فى غطرسته ولكنه يمنى بهزة عنيفة تقض مضجعه فيظهر فى الميدان المصلح الديني والاجتماعى الاستاذ الحكيم عبد الحميد بن باديس يهتف بالنيام ويؤز المستعمرين ازا و ينبعث بانبعاثة العملاق الذي لايقهر اذا ظهر . الا وهو الشعور العميق الذي يعبر عنه ادب عربى ثائر صاخب ظن القوم جهلا انهم وأدوه واستراحوا من شره فتغمر الدعوة الباديسية البلاد وتقف فى آن واحد تقاوم الطرقيين الذين اسرفوا في الزهد والقناعة والرضى بالدون وخدروا الكثير بطرقهم العوجاء واساليبهم المميتة للشعور فينتفض الشعب انتفاض المقهور ويرسل الطرقيون ( ببلاغهم ) فينقض عليهم ابن باديس ( بشهابه ) فاذا هم منهزمون يبكون زهدهم ويندبون حظهم ويلتفت للمستعمرين فيقول لهم ( لا تطمعوا ان تهينونا ونكرمكم وان نكف الاذى عنكم وتؤذونا ) ويسانده على هذا المبدأ رجال افذاذ صدقوا ما عهدوا الله عليه فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر وما بدلوا تبديلا ويقبل الشعب على
هذه الدعوة الحكيمة ويشافه المستعمر بالادب الجديد الخالد الذى ردده الشعب الجزائرى مرارا وتكرارا على مسامع المستعمرين الذين لا يكادون يفقهون حديثا . . .
شعب الجزائر مسلم والى العروبة ينتسب
من قال حاد عن اصله او قال مات فقد كذب
أورام ادماجا له رام المحال من الطلب
من كان يبغى ودنا فله الكرامة والرحب
او كان يبغى ذلنا فله المهانة والعطب
هذا لكم عهد به حتى اوسد فى الترب
فاذا هلكت فصيحتى ( تحيا الجزائر والعرب )
وهكذا ينبعث الادب العربى الثائر بالجزائر من جديد يهتف بالشعب الجزائرى صباح مساء يحى آماله ويجدد شبابه وينفث فى روعه الطموح الى المعالي ويهيب به الى اغتصاب حقه واخذ مكانته بين امم العالم رافلا فى حلل الحرية والعزة والاستقلال نعم بدا هذا الادب الثائر فى ريعان امره ضئيلا في اخذ فى الانتشار وما هى الا سنوات معدودة حتى اتي اكله ضعفين فتولدت عنه هذه الثورة العارمة التى لا تستكين ولا تسكن الا ان تحقق الاهداف المطلوبة . . تحقيقا لامرية فيه : وقد امتاز ادب هذه الثورة المباركة الحالية عن ادب الثورات السالفة بان جل ادباء العالم العربى الباحثين المتالمين قد شاركوا في تضخيم ثروة ادب الثورة الجزائرية حتى ان ما كتب فى شانها من نثر وشعر يؤلف اليوم مجلدات وكلها ناطقة بعظمة الشعب الجزائرى وصبره وتجلده وحيويته وعزته ورقيه وعزيمته التى لاتنثنى امام اية مقاومة مهما عظمت واستفحلت وسيتخذها البشر دروسا وعظات يتعلمون منها حماية الاوطان والذود عنها بكل مرتخص وغال والمغامرة فى سبيلها بكل عزيز ( عاشت الجزائر حرة مستقلة ) وعاش الادب العربى الجزائرى الثائر الخالد يجدد ويشحذ ويهتف ويهيب وينبعث لمقاومة الطغاة المتعصبين والغلاة المتوحشين
فلا تقبلن ضيما مخافة ميتة وموتن بها حرا وجلدك املس
وما البأس الا ما راوا وتحدثوا وما العجز الا ان يضاموا فيجلسوا
فان يقبلوا بالود نقبل بمثله الا فانا نحن آبى واشمس

