الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 1الرجوع إلى "المنهل"

الأدب الشعبي، فى الجنوب

Share

 - الحلقة التاسعة -    (الطارق)

" غناء الطارق " فى تهامة وعسير يقابل " العتابا " و " الميجانا " فى سورية ولبنان و " الموال " فى بعض الاقطار الشقيقة و " المجرور " فى الحجاز ، وهو فى باديتنا نشيد وغناء المسامرة ، فيخرج الفتيان الى خارج القرية ويعتلون احدى الروابى ويوعزون الى احسنهم صوتا أن يرفع عقيرته ب " ألا " وهى " النوتة " المختصة بهذا الغناء الجميل ويسرى صوت ذلك المغنى " المطرق " يشق سكون الليل الساجى فى نغم ساحر ولحن طبعى خلاب يطرب النفس ويبهج القلب ، ويجد فيه المواطن نشوة غامرة ، ويساوق المغنى صوت المزمار البلدى فيزيده فتنة وابداعا . وفي آخر كل مقطع بصيح الفتيان بأعلى أصواتهم : " آه " ويسمونه " الوالش " ويسرى الليل ساحبا اردانه والقوم فى نشوة غامرة تحلق بهم بعيدا عن رتابة الحياة المملة وشظف المعيشة القاسية التى تحتمها بيئة البادية بين الحرث والرعي ، حتى اذا مضى من الليل اكثره انصرفوا الى بيوتهم واستسلموا لطارق الكرى وعلى احفانهم أطباف تتراقص من نشوة الهناء

 وعلى ثغورهم تومض ابتسامات الرضا وعلى شاشات أفكارهم أخيلة من الرؤى لفتيات احلامهم تحلق بهم فى دنيا الاحلام وآفاق الغرام ، ولهذا الغناء سحره وفتونه لا على الرجال بل وعلى النساء ، ورب فتاة من الصون والعفاف بمكان يطرق سمعها ذلك النشيد الساحر والصوت الخلاب فتتذكر خطيبها المتريث وزوجها الغائب فتجده يصب فى سمعها نفثات من السحر ورسيسا من الرقى ينبهان الفتون النائم ، ويوقظان الغرام الغافي ، فتهتف بالكرى لينسيها ما هى فيه فيمتنع فتظل تتململ على وسادتها ، وكأنما عناها قول الشاعر الاموى بقوله :

محبوة سمعت صوتى فأرقها

في آخر الليل ، لماجنها السحر

تثنى على فخذها مثنى معصفرة

والحلى منها على لباتها حصر

لم يحجب الصوت ابواب ولا غلق

فدمعها لطروق الصوت ينحدر

لو خليت لمست نحوى على قدم

يكاد من رقة للمشى ينفطر

ويروى أن " المطرق " المعروف يوسف الحداد الصبيانى خرج من مدينة " ميدى " الى وطنه فقاده السير ، ورفقته فى وقدة

 الظهيرة الى احدى القرى ، فقال له رفقه السير : يا يوسف ها نحن مقبلون على هذه القرية . وقد أجهدنا السير وبرح بنا السفر فرفه عنا قليلا بصوتك . فرفع عقيرته " ألا " فلم يبق في القرية أحد الا خرج ولا فتاة الا استشرفت تتطلع لذلك الصوت الفاتن واستضيف هو ورفقته فى تلك القرية الى المساء ، وخرج من القرية وهم يستزيدونه الى ان قطع مسافة عن القرية فسكت وودعهم ولسان حالهم ينطبق عليهم قول الشاعر :

فودعته مقدار ميل وليتني

برغمي له ما دام حيا أرافقه

وشعر هذا الغناء تسمى القطعة الاولى منه " المرسم " والقطعة الثانية " الردود " وكلها مغشاة بالرمزية موشاة بالتورية والجناس والاولى انشائية والثانية خبرية على مصطلح البيانيين ان صح انه ينطبق أو يجوز لنا أن نطبق عليه ذلك ولو " مجازا " ويكون آخر كل شطر كلمة تحمل معنى ، ويقابلها فى الردود الكلمة نفسها بمعنى آخر انظر لقول الشاعر على حبه العبسى من عبس حباطة الحسينى :

محض وبلك في الحباطة همايل

وميلت من وادى " الكدى " في مساريح

المحض : اللبن ، وكثر به عن الابل كناية البعض عن الكل . والحباطة : المراعي الخصبة فى الحزن . وهمائل : مهملة . وان تلك الابل مالت من وادى الكدى فى السرح وهى الأبل السارحة للرعى

ويقول فى الردود :

أبكى ودممع العين ظلا همايل

عليك يا حالى امشفاه في مسارح

    فجاء بكلمة " همائل - فى الردود - بمعنى أن دموع عينيه ظلت دائمة الهملان وفى الشطر الاخير جاء بكلمة " مسارح " في قافية المرسم الاول بمعنى مركب من كلمتين مساء و " ريح " أى فى ليلة شديدة هبوب الريح . وهكذا فى كل شطر لا بد من اتفاق الكلمة فى اللفظ واختلافها فى المعنى.

. وغالبا ما يكون شعر الطارق من الشعر الذى يحتفل بنظمه الشاعر ويتأنق فى صياغته ويسبغ عليه مسحة من الترف الفنى فى نطاق " عاميته الشعبية " . ولهذه العناية اللفظية . وما يعبر عنه ذلك الشعر من أحاسيس وجدانية - فى الغالب الاعم موجودة فى طبيعة البشر لا يحتاج صاحب البادية فى فطرته الصافية الى تعمق فى تفهمها أو شرح لمعانيها ، برغم ذلك الغشاء الشفيف من الرمزية بل أنه يشعر فى ذلك الغموض النسبى بلذة التمعن المحبب واستظهار المتوارى المحتجب وراء سجف الكناية وغشاء الرمزية . . وراء كلمات هذا الشعر الشعبى التى تنساب مفاهيمها الى ذهن المواطن فى سهولة ويسر ، ويحيى مع تجربة الشاعر . فاذا اجتمع له سحر الكلمة وفتنة الغناء كان له الاثر المضاعف فى مخيلته الفطرية ومداركه البسيطة . وكل تلك الكنايات لا تبعد عن مألوفه فى بيئته الطبعية التى يتمثلها فى معيشته وحياته وعمله

    وبعد هذا التمهيد المبسط يحسن بنا ان نورد نماذج من هذا الشعر الجميل

قال القاضي الشيخ محمد بن على الضمدى من كبار رجال الفضاء فى العهد الادريسى:

"جلبه"(١)تشوق البحرية فى سفرها              لا نزلت أموال وسعة تضوى

  وركابها ( ٢) يسعى عليها مجارى                    وكل ما تعدى لباحة بهقها

واللوح لا قابل شعايب تصلح ( ٣ )            ونخاف من بعض البوايح لها أشعاب

"

يا رب لا تقدر عليها من اليأس ( ٤ )

الردود ( ٥ )

ذيك ( ٦) الذي متعديه فى سفرها    لا تجردت فى وقت ظلمه تضوى

الرب قد هيأ عليها ما جارى       مثل الكواكب قدر الله بهقها ) ٧ (

محض ) ٩ ) وبلك ترتعي وأمهات راك     وترعى جميع الاودية حتى جور      

نصبانها ) ١٠ ( ما هي تكايل لبنها                تروح الضيفان تشرب مصاغير

ولى مقطع يحتلب (١١)حتى يروى

الردود :

هرج ( ١٢) لبوها يا ولد وامها تراك     لا عد تشرطا مشاريط جورا

ترجع ( ١٣) تشاور زوجها والا بنها     وما تطيع طاس والا مصاغر

                           تهب جمايل طيبة حتى تروى ( ١٤ )

مهدى بن قاسم فقهي ( ١٥) :

 لا يا الذى وصفه على كل وصفا        جعده ) ١٦ ( كما كاسى الظلام له دهانا

والزين ( ١٧ ) متحير على الحاجبينا         طرفه عظيم والعين حوما بالكحال

باهي خدوده واغد الانف راققى (١٨)             وظنيت ما مثل شفاته ولا شفات

العنق متهيئ على المنكبينا          سبحان من هيأ ( ١٩) زنوده وكفه

كم لى تفرج فى نهوده وقلبه        ذهنى ارتبش ) ٢٠ ( يوم ريت فخوده وساقه

                     وهدد الوصف (٢١) المعظم على اقدام

الردود :

أجلا معى يا حالى أمناب وصفا      ولا تطع طساس ( ٢٢) ولا دهينا

مريض والتكلا( ٢٣ ) على الحاجبينا   وكلين يقل لى فى عظامك بلاك حال

واصبح يقل لى صاحبى منك بينا (٢٤ )    ومن هنا ما بيننا الا انفراقى

فمن هو الذي أزغاه عنا وكفه     وأصبح تعفف عن هوانا وقلبه

كنه ٠ ٢٦) معاه قائد يقوده وساقه   فلا بد ما يبكى بحقره علق دم

قال الشاعر يحيى الخسيف فقيرى ( ٢٧ ) :

برق عجل ( ٢٨ ) بالمطر ملها برى    كم يا حراثه مرجيه في مذارى

سعد السعود ( ٢٩ ) والأخبيه والمقدم     مضمون ما قال الحراثه فتن صيف

الردود

بنت المدن ( ٣٠ ) وسط القصور ملها برى      يصبح يودي صرفته في مذارى

لكن حجه ( ٣١) في الولي والمقدم      يا لله بددوله مقويات فتنصف

حسن بن علي حبه العبسي (*):

محض ( ٣٢ ) وبلك في الحباطه همايل        وميلت من وادي ( الكدا )في مساريح

وعلى  ضمد ) طلوا اجنبها وهي لام (٣٣ )       وفي (المحصي )قد توالن وشلن

وعلى ) الحمى(  ٣٤ ) وردت جنب والمشاميل جابي ، المجاجي منقعس في بكانه

وفي غرور أمحاميه ( ٣٥ ) قد توالوا          ألا وله تردد عليهم ب  صبيا )

                   وفي رداح امزهب ( ٣٦ ) نلقى مراكي

الردود ( ٣٧ )

ابكي ودمع العين ظلا ( ٣٨ ) همايل       عليك يا حالى امشفاه فى مسى ريح

وانظر ظعونك ( ٣٩ ) في جنوبي وهي لام    خضرا دقيقة روح بالوضح شلن

قامت تنقل خطوها ) ٤٠ ( بالمشي ميل    و ) دوش ( امحباطه باقلين في بكانه

يعصبنه ) ٤١ ( امصفر لا قد توالوا        من اغره كلين تقول بيد (صبيا )

              شاخد حسين الفال والقى مراكي

باب أشعار الطارق

لابن جابر العبسي ( ٤٢ )

خطب فتاة قد مات والدها ولم تبقى الالمها وظل بصرف عليها ويواسيها مدة ؟ سافر فلم يعد الا وأم البنت قد زوجتها ، فكان وقع ذلك شديدا عليه فقال هذا الطارق :

قال بن جابر ليتني من ( جناده )      معي ميه والفين فارق بني عم

أهل بنادق مرت قدره محالي              واهلا جوافى مرهفات وشى احنا .

وانا منصب في ) مصيده ( لهم شيخ          أمسي ولي ، وانزل سن الشرق دوله

دوله قويه من  جماعه لها اجناس             وكلين يقولي يا بن جابر برأيك

لما الدراهم قربونا بدنوا          لحيث وانهم مفسده وأهل داوي

قوم غجر واهل كلام مقلب         الواحده منهم تخاطب حليفين

قولوا ) لصلفان ( عارفين قدر بيته         بيته مشرف بالجماله ومستور

اعناك لا تفتح لنا وانته خيالى          حين تطرح الدوله تراك انت منها

قال بن جابر كن معايه ذولين       ربيتها وهي من الي سقاما

حتى قدين اللحم كاسي بدنها

يسوى ثلاثه عشر ميه جال منها

قال ابن جابر مال ذا الدين ماله     دينت نا والناس في الجاهلية

وخذن عليه بكرة لي وراحن      وخاذها واحد هميه معه اثنين

اثنين زلوا والهميه استقاما      وسراقها ما حطها الا قفا يام

حفلت ما اجعل قرش وافدي وراها   ماشلها الاجل وبكيف  راسي

وكل يقل لي يا بن جابر لك العون     شغدي قد القاضى على وبن حيدر

حتى يوليني على كل بلها           بعزون من ابواب الخيانة وغدرات

وعمتي لا بد قافر وراها        اطبخها وسط القيروانه على نار

حتى ويبرد غش قلبي واره        والناس تعزى كلها ما تخونى

قال بن جابر عظموا الاجر فيها     عسى الله يخلف غرها خير منها

    تبعث مع فرعون يوم القيامه

انتهت

وللشاعر عبدالله امسلامي

يا هاجري ( ٤٣ ) في الاوسده ما بخص ماك ما . في وساده ، واظهور ما علاها

ومن جاءني ، قنت له ، منت فاجر ( ٤٤ ) الا يكن بعض العقائد تخبر

الردود

سنشدك يا حالى امشفاه (٤٥ )ما بخصماك لو جاء يهجد داركم ما علاها

لو حلفوك ( ٤٦ ) عند القضاة مانت فاجر     يقول امسلامى عن خصالك تخبر

للشاعر محمد بن امخالد المحائلى :

محض ( ٤٧ ) وبلك ترتعي لو نهبلك      ترعى بوادي السدر ، لاراك لاراك

معزامها الفرشا وحنا سهارى                  يقول محمد ثارها حد رياني

الردود

اخاف لو يدرى الحشم(٤٨)لونهبلك       وعلى عيون الناس لاراو  لاراك

تاجى عقب ليلك (٤٩)وحنا سهارى      فى ليلة غدرا  ولا حد  يرانى

وللشاعر محمد فتح الله سحاق :

مدري غرس في الحوض والا نبايت

اليوم يعجبني عذوقك ولو جاه

حالي ويتعب ذائقه بالتلاويك

نخل ، والبراح كننان شربه ) ٥٠ (

ايضا ويجنيه على دور ساقي ) ٥١ (

لا كان يا تمر الصفارى جنح ) ٥٢ ( لام

الردود

٥٣ / كز ، اقوب إلى

قرب المسا ناجيك ولا نبايت

ما عاد أرى له لجح ) ٥٣ ( كنه نشربه

ما كان لي عندك معزه ولا جاه

الله يسقي ليلة بت لا ويك

تغضب على محض مصفى وخاف تمر

ان جيتها في الصبل وثبت عليه

ان جيت شد خل في ديارك وخفت امر

لا يندعي مولاك وشبت عليه

اسرى ومتاسف على دور ساقي ) ٥٤ (

واليوم من بعد الموده جنا اعلام

يا مهرة ما قد قناها مخيل

مشند له وعادها في الرياض

طول الزمان ونا لبابك مخيل

الامر هذا ناشب في الرياض

اشترك في نشرتنا البريدية