إن ما تمتاز به اعمالنا في هذه الفترة التى يتحكم فيها شعبنا في مصيره هو انها تعبير عن نزعة عارمة تدفعنا الى تجديد متواصل بجميع أوضاعنا نواجهها فى حماس دون ان يصدنا عن ذلك أى مركب ، من المركبات .
وإن مصدر ذلك - على ما أعتقد - ميل المغاربة بصورة عامة والتونسيين بصورة أخص منذ قديم العصور الى تسليط الرأى النافذ الممحص الناقد دون هوادة ولا وهن على طرق التفكير ومظاهر السلوك واساليب الاعمال والى نفور جبلى من الطرق المعبدة والى تفتح وتطلع الى كل ما يجد داخل المجتمع وخارجه من احداث حضرية تجبر على تعديل الاتجاه .
وتكاد تكون النزعة الى التجديد فى يومنا ايضا اهم ميزة يمتاز بها الشعب التونسي . نجدد فى حماس وثبات ونظام بنياتنا الاقتصادية واوضاعنا الاجتماعية واختياراتنا الثقافية .
ولكن بدل ان تكون النزعة الى التجديد ظاهرة فردية تتبلور عند بعضهم حتى تصبغ شخصيتهم بطابع فذ وتبقى عند بعضهم ميلا مجردا عن السلوك والأعمال اصبحت في هذه الفترة التى نعيشها محركا لمجتمع بأسره . فنزعة التجديد هذه شاملة تدفع الى العمل الرتيب المنظم
لقد علمنا حزبنا الذي نشأنا فيه وعلمنا زعيمنا الذي استوحى من القيم الثابتة لشعبنا ومن عبقريته الفريدة فلسفة حياتية وطريقة سلوك أن اساس حركة التجديد عقل متطلع سابر حر لا تعرقله القيود مهما
كان نوعها وحساسية مرهفة تحس بتطور الاوضاع الحية بمفعول مر الزمان وسير الحضارة .
ان نزعتنا الى التجديد المتواصل عملية حرة طليقة تجعلنا ، على غرار رئيسنا ، نقيم دوما ما نقوم به من اعمال فننقده ونصلحه فنسبق بذلك أحيانا حركات الرفض واعادة النظر في الامور التى تهز المجتمعات الانسانية فى عصرنا هذا من أثر التقدم السريع للعلم والتكنولوجيا وما يجره هذا التقدم حتما من تأثير على الاوضاع الاجتماعية والثقافية
هل تتسم الحركة الادبية الحالية بطابع التجديد ؟ أظن أن بوادر الابتكار والتجديد بدأت تلوح خاصة فيما ينتجه الشبان ولكن يبدو لي في نفس الوقت ان الادب التونسي المعاصر لم يتخلص فى كثير من انتاجه من آفة التقليد ، تقليد التعابير والقوالب القديمة او تقليد طرق التعبير الاجنبية عربية كانت او اروبية . كأن جلنا يخشى الابتعاد عن الطرق المعبدة وعما تعودنا تذوقه او وقع استيراده من الخارج فراجت سوقه في البلاد وخارجها .
نحن الى بروز ادباء غزاة يستكشفون طرقا جديدة فى التعبير الادبى هي وليدة مغامرة فردية او محنة شخصية لان التجديد الحقيقي لا يتمثل في محاكاة الادباء المعاصرين الافذاذ ولو كانوا ادباء طليعة .
ولا يمكن أن تندلع محنة شخصية خلاقة الا اذا أعاد الكاتب اكتشاف آصالة قومية بنفض الغبار الذي تكدس عليها وازالة الملابسات التى غشيتها من اثر تقلبات الظروف التاريخية والحضرية . وبقدر استرجاع الاصالة يكون التفتح للقيم الانسانية التى تجد صداها فى نفس كل انسان مهما كانت مشاربه وتهب الاثر الفنى مستواه العالمي الرفيع .
وقد يكون الاطلاع على الشعر الشعبى المطبوع وتذوقه عاملا من العوامل التى تصقل قرائح الكتاب المعاصرين وتجعلهم فى آن واحد مطلعين على أصدق مظاهر حساسية شعبنا ونازعين الى خدمة قيم انسانية ثابتة أشاد بها الشعر الشعبى ، لان كل تعبير فنى صادق يرتقي الى مستوى الفن الانساني العام .
ولكن عملية الغوص والاستكشاف هذه لا تنجر عنها فوائد الا إذا كان الاديب حساسا ذا ذوق وتمييز يجعلانه يختار ويصطفى فينتقي الدرة النفيسة ويرمي بالبزر والصدف .
لنذكر أن الموسيقى الكلاسيكية الالمانية انبنت على اصطفاء بعض الالحان الشعبية لتطعيمها وترقيتها وان الادب الشعبى الاسبانى او الامريكى قد كان قوام أديبين اصيلين هما لوركا الاسبانى وستاينبك الامريكى .
ويمكن أن يلعب الشعر الشعبى التونسي بالنسبة الى بعض كتاب . مبتكرين نفس الدور الذى لعبه الشعر الشعبى الاسبانى بالنسبة الى لوركا مثلا .
