الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 3 الرجوع إلى "الفكر"

الأدب العربي والمستقبل

Share

ان موضوع الادب العربى والمستقبل يقودنا الى البحث فى دور هذا الادب ومدى مساهمته فى تحرير المجتمع العربى وتقدمه الاجتماعى والاقتصادى ... ولكن هذا يقتضى منا البحث فى الموضوع سنين عديدة .. وحسبى فى هذا الموضوع أن أدلى برأيى فى خصوص الادب الواجب ايجاده فى المرحلة القادمة.

ذلك أن طبيعة موضوعنا هذا لا تقتصر على الادب كأدب انما هى تؤدى بنا الى أن ننظر الى الادب على أنه جسر نعبر بواسطته الى عالم الآخرين ، وذلك لنكشف مدى الصراعات التى يمكن أن يصورها أدبنا ، ومدى الابعاد القومية الممكنة الوجود فى أدب مستقبلى نأمل به ومن خلاله بناء مجتمع اشتراكى عادل .

ولا شك أن الادب العربى القديم - ولنطلق عليه اصطلاحا (( مرحلة شق الطريق للفكر العربى )) - الادب العربى فى هذه المرحلة أدب مارس دوره كاملا فى كافة أطواره .

فلقد صور لنا الجاحظ عصره بدقة متناهية وابرز لنا مجتمعه بكل طبقاته واهتماماته فى البخلاء والبيان والتبيين والحيوان ورسالة القيان وغيرها من الكتب ، ووصف لنا بديع الزمان الهمذانى فى مقاماته الطبقات التحتية المسحوقة اقتصاديا ، مما دفعها الى التحيل حتى تستطيع العيش ...

أورد لنا أبو الفرج الاصفهانى فى الاغانى اخبار العرب وأساليب حياتهم وتقاليدهم وصور لنا التوحيدى فى الامتاع والمؤانسة الطبقات الفوقية طبقات الحكام وارستقراطية القصور .

ودافع المتنبى عن العروبة والاسلام فى وقت تعددت فيه هجمات الروم على العرب وانقسمت فيه الخلافة .

انتقد ابن المقفع السياسة وابدى رأيه فيها عن طريق الحوار بين كليلة ودمنة .

وفعل مثل هؤلاء كثيرون بيضوا تاريخ العرب بما تركوه من جليل التراث .

وفي العصر الحديث كان أدبنا المعاصر لا يقل أهمية عن أدب السابقين . ولنسم مرحلة الادب المعاصر (( بمرحلة احياء التراث )) اصطلاحا كذلك . لان احياء تراثنا استأثر بالجهود الكبرى للمفكرين العرب .

فأحمد أمين ألقى أضواء على مراحل هامة من ثورة العرب المسلمين وعن ظروف الصراع الناشئة من هذا الدين الجديد وذلك فى كتبه (( فجر الاسلام )) وضحاه .. وظهره وعمد طه حسين الى الوقوف موقف الناقد من التراث وخاصة الشعر العربى القديم .

وعمد العقاد الى الكتابة عن الاسلام وعباقرته ، كعبقرية محمد ، وعبقرية عمر ، وعبقرية خالد .

وشرح الادباء من أوائل هذا القرن ما يجب شرحه من الادب التراثى ، واختصر بعضهم ما يجب اختصاره إنه ليتناسب مع سرعة القرن العشرين مثال ذلك ما فعله البستانى فى سلسلته الروائع .

وحاول المهجريون شق طريق جديدة فى الفكر العربى المعاصر ، فنجحوا إلى درجة كبيرة من حيث الاساليب والصور الادبية . ولكن هذا الادب كاد يقتصر على التغنى بالذات وعلاقتها بالاشياء واستقطابها للوجود فالقدامى من الادباء قاموا بدور الريادة وشق الطريق للفكر العربى لا فى الشعر والنشر فحسب وانما في الفلسفة والعلوم على اختلافها ، وقد كادت هذه العلوم تزداد وتنتشر بانتشار الدين الجديد وتوسع الامبراطورية العربية .

فهذه المرحلة من الادب والمعرفة هى مرحلة بناء اقتضتها ظروف انشاء أمة جديدة خرجت للعالم بدين جديد يوحد بين البشر .

والمحدثون عملوا على احياء التراث - لا فقط لأن الفكر العربى المعاصر يجب أن ينبنى على الاسس الفكرية عند القدامى - وانما لأن أروبا الاستعمارية

جعلت هدفها الاول القضاء على العرب وذلك بفرنجتهم عن طريق مسخ لغتهم ودينهم وتشكيكهم فى قيمهم وتاريخهم والقضاء على تراثهم شيئا فشيئا .

فكان لابد لكى يتحرك العرب لتحرير أنفسهم من اثارة الشعور القومى وذلك بإحياء التراث واجلاء الغبار عن امجاد الماضى . ولذلك نشأ فى هذه المرحلة كثير من شعراء الوطنية المنادين بالتحرر من الاتراك والانجليز والفرنسيين مثال ذلك الرصافى ، وبدر شاكر السياب والشابى ، والجواهرى وغيرهم فاذا كان دور رجال الفكر الاوائل مستجيبا للظروف الموضوعية والتاريخية للأمة فهل أن الادباء العرب فى السبعينات وما بعدها من المراحل سيكون لهم نفس الدور الذى كان لسابقيهم ؟؟

ان الجواب على هذا السؤال يقتضى منا النظر الى الظروف الصعبة التى يمر بها المجتمع العربى الراهن . فنحن الآن محاصرون من جميع الجهات ، محاطون بالاعداء من كل النواحى ، فقدرنا هو أن ندافع عن كياننا لان القضية - فى لفترة الراهنة - قضية حياة أو موت ، فكل القوى المعادية لنا تسعى الى تعميق الهوة بيننا ، وبيننا وبين الحضارة المعاصرة وذلك بابقائنا مجتمعا يستهلك ويستورد دون أن ينتج ويصدر . ان هم القوى المعادية لنا هو أن نبقى أمة متخلفة ، شغلها الشاغل التحاسد والتباغض والتناحر بين اقطارها، وذلك حتى نشتغل بالصراعات الداخلية عن التقدم العلمى والتكنولوجي . وقد سعت القوى الاستعمارية العالمية باعانة القوى الداخلية المخالفة لها الى أن تجعل من اسرائيل سرطانا ينخر كيان العرب وينهك قواهم .. ويشغلهم بالتسلح عوضا عن بناء المصانع ، ويجعل حياتهم متفجرة باستمرار ، لان المحافظة على الواقع الراهن وابقاء العرب على حالة التشتت والضياع والحيرة والتردد يضمن مصالح القوى المعادية لنا ، ولان إلهاء العرب بالصراعات والهوامش الداخلية يتركهم على ما هم عليه ، دون أن يستطيعوا الاخذ بأسباب الحضارة من جديد ، وتبقى البلاد العربية سوقا رائجة لصناعات الدول المتقدمة .

ان الادب الذى يولد فى مناخ كهذا اصبح فيه وجودنا فى خطر - هذا الادب لا بد أن يكون مخالفا لما سبق ذكره من أدبنا العربى ، وهذه المخالفة تكون فى روح الادب نفسه ومضمونه ، وفى الرؤية الحضارية التى يطرحها ، ونموذج المجتمع المستقبل الذى ينحته .

فالآن انتهى زمن الذاتيات والعواطف الملتهبة ، والمشاغل الفردية - لقد انتهى ذلك الزمن وجاء وقت الجد القاحل بالنسبة الى رجال الفكر المخلصين .

فحالة الانتظار والجمود والغيبوبة التى نحن فيها - ان واصلناها - ستكون على حساب حياتنا نفسها .

دور الادب المستقبلى :

فالأدب العربى المستقبلى الذى يجب أن يأخذ به رجال الفكر هو ذلك الادب المناضل الذى يعمد الى تعرية الواقع الذى نحياه ، فيكشف معمياته وتعريجاته، ثم يوضح الاطار المرحلى والتاريخى المقبل الذى سيتحرك على ارضيته العرب جميعا ، ويرسم اثناء ذلك الخطوة الموصلة والضامنة للنجاح ابان المسيرة الآتية :

فدور الادب المعاصر هو تجديد الرؤية الفكرية والاجتماعية والسياسية الخاصة بالفرد والمجتمع والتي تتخذ من قضايا العرب الاساسية موضوعا لها (1) وهذا لا يمكن الا باعادة الاعتبار الذى فقدته الكلمة فى مرحلتنا الحالية فبتعلق أكبر قطاع من الجماهير بالادب والفكر يستطيع الاديب الواعى رسم الدور الحقيقى الذى يجب أن تلعبه الجماهير فى التنمية وبناء المجتمع العادل. وبايضاح الرؤية الحضارية والفكرية المستقبليتين يمكن أن يكون للادب دوره وممارساته الفعلية على ارضية الواقع فيكون بذلك الادب (( طريق تغييره لا فى الطبيعة كما يفعل التاريخ انما فى جوهر تكوين الافراد وفى اساس تركيب المجتمع بما يحدثه فى الحياة الاجتماعية من فاعلية مؤثرة (2) )) .

ذلك أن مجتمعنا العربى الراهن يحتاج الى تغيير بنيته ، لان العناصر التى يتكون منها مجموعة من عناصر متنافرة لا تقوم بينها علاقات تنتظم تحت قوانين معينة ، وبالتالى فان الجملة الاجتماعية يشوبها المسخ ، لان العناصر التى تكونها غير طبيعية فى علاقاتها ولان التنافر والتقابل يسودانها .

ولا شك فى أن الادب الذى يقوم بدوره التاريخى ولا يقف موقف المتفرج من الاحداث حتى لا يكتسب (( وجودا مستقبلا عن عمليات الصراع في المجتمع والحياة )) (3) .. هو أدب فاعل ، ولا يمكن ان يكون ملغى ، وستكون له المساحة الواسعة على خريطة المستقبل ، وسيتعزز هذا الادب اكثر كلما كانت مؤثراته المستقبلية أصح وأكثر دلالة وتعبيرا عن مطامح الجماهير ، ذلك لان

الصراع سيزداد شدة وسيحتد أكثر فى المجتمع العربى بين طائفتين كبيرتين :

طائفة محافظة وهى الاغلبية ، تنتمى الى الماضى أكثر من الحاضر ، وهى ماسكة بزمام الاقتصاد السياسى فى هذه المرحلة ، وقد جعل الاستعمار العالمى من هذه الطائفة حارسا أمينا لمصالحه فى المنطقة ، وقد أحست هذه الطائفة بمزاحمة الاجيال الجديدة المستقبلية فشرعت تدافع عن مصالحها بشتى الطرق ، وخاصة بابقاء دار لقمان على حالها ...

وطائفة ثانية وهى أقل من الاولى عددا وعدة .

ولكنها مستقبلية النزوع والانتماء ، تسعى الى اطلاق سراح المجتمع الراهن من كل القيود التى تكبله ، ولكن لان هذه الطائفة ليست - فى اغلب الاحيان - من الصفوف الامامية ، ولا يوجد اصحابها فى مراكز القوة لتستطيع تنفيذ مخططاتها المستقبلية ، فانها عمدت الى توعية المواطنين بالقلم ووسائل الاعلام ومحاولة تكوين الاحزاب ، وذلك حتى تعبئ الجماهير لمرحلة الصراع المقبلة ، التى ستكون وحشية بازدياد هجمة المحافظين المتحالفين مع الاستعمار . ولكن الغلبة فى النهاية ستكون للتقدميين على كل القوى المعارضة ، لان التاريخ يجرى لصالحهم ولان التطور البشرى يفرض ذلك ، والاديب العربى المستقبلى هو الذى يقف صامدا ابان هذا الصراع ، مساندا للقوى التقدمية فى غير حرج وفى غير خوف ، وهو الذى يحسن الاختيار - رغم الظروف الصعبة - فى مواقفه ، ويحسن التمييز بين الزبد وبين ما ينفع الناس ، وهو الذى يجعل أدبه قائدا لنضالات التقدم التى ستتفجر أكثر على الساحة العربية بازدياد كثافة القوى التقدمية ، فدور الادب العربى فى المستقبل هو دور نضالى ، يتمثل فى محاربة التجميد الذى تمارسه القوى الخارجية والداخلية على الوطن العربى والحياة العامة ، وذلك حتى لا نبقى تحت تراكمات القيود المختلفة .

فرسالة الادب المقبلة هى اذن رسالة توعية واخذ بيد (( القوى الجديدة التى تتحرك بنوازع حية )) (4) لتغيير الواقع الراهن وابداله بواقع جديد .

التقنية فى الادب جبن وهروب :

ولا يمكن ان يكون هذا الدور الطليعى للاديب الا بتثوير الادب وخروج الاديب العربى نفسه من منطقة التعمية والضباب ، أعنى ان يبتعد عن التقنية

لانها جبن وهروب من المسؤولية وذلك كأن يغرق الشاعر قصيدة في الرموز ، فيعمد الى جمع الضباب وتكثيفه فيه ، مما يجعل الشعر للنخبة الممتازة لا للجماهير ، وهذه التقنية تبعد الشعر عن الدور الطليعى الذى يجب أن يلعبه، وهو دور المواجهة ، لتغرقه فى سلبيات وهامشيات قلما يصل بسببها المضمون الادبى سليما للقارئ ، لان الشحنة التثويرية الكامنة فى الخيال والعاطفة والجرس الموسيقى والمضمون السياسى أو الاجتماعى الذى تحمله القصيدة والذى يهم الجمهور بالذات - هذا المضمون يتميع فى اذهان القراء نتيجة التقنية ، وذلك لاختلاف مستوى القراء انفسهم فى التكوين والثقافة ، وللتفاوت بينهم وبين مستوى الشاعر الفكرى والعاطفى من ناحية ثانية .

وفى اعتقادى أن الجنس الادبى الذى سيكون جسر الوعى بين الادب والامة هو الشعر ، لما للشعر من تأثير فى العرب ، ولما فى انفسهم من استجابة له.

ولكن رسالة الشاعر لا تتم الا اذا كانت لغته سهلة بسيطة تأخذ الافكار دون لف ودوران ، وتعبر عن المواجهة بشجاعة وتحد ...

ولنورد فى هذا الصدد مثالين لشاعرين عربيين الاول نزار قبانى والثانى الميدانى بن صالح من تونس .

فنزار معجم اللغة الشعرية عنده من عربية بسيطة يفهمها حتى الاطفال فى السنوات الاولى ابتدائية ، فلقد نجح نزار إلى حد بعيد فى اختيار القاموس اللغوى المستقبلى ، وان كنت لا أوافقه على استغلاله للكبت الجنسى فى العالم العربى ، مما جعله يندفع وراء الغزل والتغنى بالمرأة . ولو كان شعر نزار العاطفى شعرا ملتزما بقضايا العرب القومية لكان بحق رائد الشعر الثائر فى عصرنا ، لان النجاح الذى حققه فى قصائده القومية - على قلتها - بعيد المدى ، فطالما سمعت الناس يرددونها فى المجالس الخاصة وغيرها ، لان نزار جمع فى هذه القصائد بين الوضوح فى الرؤية والمقصد ، وبين بساطة التعبير وعمق الخيال وحسن الجرس والاحاطة بالتاريخ العربى وبامجاده والتخلص من التقنية والتعمية ...

واعتبر الشاعر التونسى الميدانى بن صالح من الشعراء القلائل الذين استطاعوا اختيار قاموسهم اللغوى الشعرى البسيط فقد كتب هذا دواوينه :

(( قرط أمين )) و(( الليل والطريق )) و(( زلزال فى تل أبيب )) و(( مذكرات خماس )) كتب هذه الدواوين بلغة تحمل سمة المواجهة والواقعية ، وتحمل شحنة العاطفة وقوة الخيال ، وحدة الاغتراب ، وشراسة الاحساس بقساوة الواقع ، فتكهرب القارئ ، وتغرس فى نفسه المضامين والابعاد التى أراد الشاعر ايصالها اليه .

وما يمتاز به هذا الاخير عن الاول هو تسخيره لكل جهوده الشعرية من أجل النضال فى سبل حرية الانسان العربى وخروجه من وضعه الراهن . فشعره واقعلى لا تقية فيه ولا هروب وهو مثال الشعر المستقبلى المسؤول ، فالضرورة تقتضى - فى المرحلة والمراحل المقبلة - أن يضع رجال الفكر النقاط على الحروف ، وأن يبتعد الشعراء عن الحلم الفارغ ، ويقفوا فى صف المواجهة ، وأن يراعوا جمهور القراء على اختلاف مستوياته ، وذلك حتى لا يكون الادب صيحة فى قفر ، وحتى تصل الرؤية المستقبلية عند رجال الفكر الى اكبر قطاع من الناس .

فالفكر الايجابى التقدمى المتحسس لآلام الآخرين هو الذى يحمله هذا النوع من الادب ، لانه يجعل من واقع الامة تلحينه النابض والمرجع الاول والأخير لمضامينه ، ثم يعمد الى تثوير الجماهير لانها هى الطرف الاساسى المقصود فى كل نشاط فكرى واقتصادى واجتماعى ، ولانها هى التى تستطيع أن تقود الصراع وتوجهه نحو الاحسن والافضل .

ولا شك أن الاديب كلما اخلص للقيم الانسانية وتعمق فى مشاغل طبقته وابرز آلامها ومعاناتها ، وجعل لأدبه قيمة أكبر ، لان المرحلة الحالية تقتضى - من كل منا فى ميدانه - المواجهة والصلابة .

التقابل بين الاديب والواقع :

وفى هذه الفترة ليس هناك مجال لغير النضال ، لان الانسانية بأسرها عانت منذ طفولتها من ظلم الاقوياء للضعفاء ، وجور الحكام على المحكومين ، ولان الوعى الآن قد نور ثم أثمر ، ولم يبق الا جنى قطافه ، هذا الوعى الذى احتد الآن بفضل الحضارات القديمة التى صبت تجاربها كلها فى حضارتنا المعاصرة .

فحضارتنا اليوم هى خلاصة الحضارات القديمة بالاضافة إلى ما بذله المعاصرون من جهد للسير بالانسانية نحو الاحسن ، وفعلا فقد وصلت البشرية اليوم الى درجة من الثقافة والنضج الاجتماعى والسياسى بصورة لم تعد تتحمل فيها الظلم أكثر مما تحملت .

ولعل هذا ما جعل القوى التقدمية فى مرحلتنا هذه تنتفض فى كل مكان من الارض وفى اعتقادى أن أول الواعيين التقدميين هو رجل الفكر الحق . ووعيه بذاته يتماشى طردا من اقترابه من الشعب لانه وقتها يخرج من ابراجه العاجية ليعرف الحياة بالممارسة ، وعندها يستطيع أن يهدم وعيه بالحياة ويصدر وعيه الفكرى . ولكن عندها لن يكون فى سلام ، لان القوى المعادية للتقدم وللواعين من أصحاب العيون المفتوحة وقتها ستهجم عليه وتناصبه العداء . وتجعل منه هدفا لسهامها ، وتسعى للاطاحة به لخوفها منه على مصالحها .

ذلك أن الواقع العربى فضلا عن كونه لا يقتصر على عدم توفير اساسيات الحياة وتلبية الرغائب والتطلعات المشروعة للقوى التحتية ، كثيرا ما يقف بعداونية فى وجه المبدعين المنتمين لتلك القوى (5) ويعرقل مبادراتهم الخلاقة ، وهو بهذا يمنعهم ويحاصرهم بضغوطه واكراهاته المختلفة ، الظاهرة والمضمرة . وبهذا أيضا يكون الموقف أو العلاقة بين الفنان والواقع لا مجرد قطيعة فحسب ، وانما سرعان ما تستحيل هذه القطيعة الى أزمة تم الى فاجعة (6) .

الفكر الرائد والفكر الصدى :

وفى اعتقادى أنه لكى يخرج الاديب من الحلقة المفرغة التى يدور فيها الكثيرون ولكى يكسر الطوق المحيط به وبالآخرين لا بد من التفريق بين نوعين من الفكر (( الفكر الرائد والفكرى الصدى )) . فالفرق بينهما شاسع وكبير .

الفكر الصدى هو الذى يعلق على ما يقع من احداث فى الحياة والمجتمع فيصفها ويحاول أن يتعرف على اسبابها ومراميها لا غير ، وجل ما يكتب فى الصحف والمجلات العربية هو من هذا القبيل .

اما الفكر الرائد فهو الذى يخلق الاحداث ويثيرها ويقودها ويوصلها الى

النتائج التى يحمتها التطور وتشترطها حركية المجتمع ، لانه بدون هذه الحركة لا يتحقق التقدم ولا تبنى الحضارة .

فالفكر الصدى هو الذى يتتبع الاحداث من خلف لمعرفة طبيعتها واسباب انفجارها لا غير .

أما الفكر الرائد فهو الذى يخلق هذه الاحداث بنفس السكون والجمود وحالة الغيبوية والانتظار . الفكر الصدى يعلق على زحف الشعوب للتقدم . أما الفكر الرائد فهو الذى يقود مسيرات الشعوب فى المسالك الوعرة ليفضى بها فى النهاية الى هذا التقدم (7) .

ونحن فى هذه الفترة الدقيقة من حياة أمتنا - هذه الفترة التى نشاهد فيها الهجمة الامبريالية والصهيونية الشرسة على ثرواتنا وحضارتنا وقيمنا وتراثنا - فى هذه الفترة نحتاج الى فكر رائد وشجاع يصفى الحساب مع أوضاعنا الاجتماعية والاقتصادية والسياسية لنأخذ ما هو صالح منها وننثر ما هو طالح . ثم يستنبط هذا الفكر الرائد من مجموع الصراعات والتناقضات القائمة بحدة فى المجتمع العربى - يستنبط منها اديولوجية رائدة توحد بيننا ، وتجعل جهودنا كلها في مواجهة الاعداء ، لا في مواجهة بعضنا للبعض .

ولا ننكر أن القصة العربية بتونس والمغرب الاقصى والعراق قد حاولت تحليل القضايا العربية ، ولكن هذا التحليل كان من وجهة نظر فردية وليست من وجهة نظر الامة .

وما يلفت النظر فى الانتاج الادبى المعاصر هو هذه الفردية بكل ابعادها وانعكاساتها مما جعل الادباء والشعراء يكتبون بدافع الرغبة فى التعبير عن ذواتهم وأوضاعهم النفسية المتردية . والمطلوب من أدبنا فى المرحلة المقبلة هو الالحاح على المشكلات العامة دون الخاصة وابراز المطامح المشتركة المفقودة .

فالرغبة فى الافصاح عن مشكلات الذات لا بد أن ترتبط بالرغبة فى الافصاح عن مشكلات الواقع المنطلقة من نشدان التغيير ، والعمل على تحرير الواقع نفسه وتحسينه بكيفية جذرية قصوى وشاملة .

ولا شك أن القطيعة القائمة بين رجال الفكر والواقع هى التى تدفعهم الى أن يعبروا عنها فى كتاباتهم محاولين تجاوزها ولكنهم كثيرا ما يفشلون

فيغرقون فى التغنى بآلامهم والحديث عن عالم مثالى من صنع الخيال لا يوضح معالم المستقبل ، وذلك لان القطيعة اثرت فيهم ، لانها واقعية واجتماعية ، أى بنيوية إيديولوجية ، ومن هنا كانت حدتها وقوة صدمتها عليهم .

ارجاع الاعتبار للكلمة :

ان السباق نحو التنمية واللهاث وراء النهوض الاجتماعى ومحاولة تبديل هياكل المجتمع كلها جعلت أهل الحل والعقد عندنا لا يهتمون بالثقافة اهتمامهم بالاقتصاد ، ولا يعتبرون الادب مثل اعتبارهم للصناعة والفلاحة وذلك لاننا نفصل بين النهوض الاقتصادى والاجتماعى وبين النهوض الفكرى والثقافى الذى هو رأس كل تقدم .

وقد أدى هذا بالبعض منا الى اعتبار الادب من نوافل القول ، والثقافة مجرد تلهية للجماهير وترفيه عنها .

وقد قام كثيرون بمحاولات يصورون فيها الادب والفن على انهما ظاهرة معزولة عن تيارات المجتمع وتقلباته السياسية والاجتماعية ، وقد علقه - جماعة هذا الاتجاه - بالذات وجعلوا من الادب غاية بينما هو مجرد وسيلة لزعزعة الكيانات القديمة وزحزحة الافكار البالية ، وابعاد المحافظة ، ومحاربة الاقليمية والطائفية . وشئ ثالث قلل من خطر الادب فى المرحلة الحاضرة ، فقد صار الناس لا يؤمنون الا بما هو مادى ملموس ، فكل ما لا يملأ البطن ، ولا يسكن نوازع الجسد ليس له اعتبار عند الكثير منا ، وكان ذلك هو حظ الادب باعتباره فقد كثيرا من سيطرته على الواقع لانه يتعلق بالفكر والروح.

والحقيقة ان شعرنا العرب علم الخصوص اتسم قسم كبير بالتزييف والبكاء على اعتاب الملوك وذوى الجاه ، فنسبة هامة من شعرائنا يهجون ويمدحون وهم يكذبون فى الحالتين وهذا ما احدث انطباعا سيئا عند الاجيال المعاصرة ، مما وطد عند البعض الاعتقاد بأن الادب مجرد بذخ وزخرف ليس له صلة بنضال الجماهير الا من بعيد .

والرأى عندى ان ارجاع الاعتبار للكلمة لا يكون الا بواسطة الكلمة المناضلة نفسها التى تقوم مقام البندقية ، لان الجيل المعاصر هو جيل الشخصية الذاتية لا يستجيب الا لأدب النضال - أدب المستقبل .

ولعل هذا ما جعل الشعر الغزلى يخفت صداه فى هذا العقد الذى نعيشه فالادب المحارب الممهد للسبل المستقبلية هو الذى سيمحو العار الذى ألحقه بعض المتزلفين والوصوليين بالكلمة ، ولا يوجد القلم المناضل بحق الا اذا وجد المفكر المؤمن بنفسه وقدراته ، والمؤمن برسالة قومه فى تقدم الانسانية (9) .

ان وعى رجال الفكر بحقيقة المرحلة الحاضرة التى نعيش مؤثراتها بكل أعصابنا هذا الوعى هو الذى سيجعل ، رجال الفكر أنفسهم يمتلكون قدرة السيطرة على حركة المجتمع ويوجهون مؤشراتها بصورة واعية ، مشكلين عنصرا فاعلا (10) فى التطور نحو الاصلح والارقى .

وخلاصة القول ان الادب فى المرحلة القادمة يجب ان يكون دوره مآلفا (( لمرحلة شق الطريق )) و (( مرحلة اعادة احياء التراث )) اللتين ذكرتهما فى مقدمة هذا البحث .

فالادب فى المرحلة الآتية مسؤول عن تطوير هيكل المجتمع وتغيير عقلية الانسان العربى المعاصر .

هذه العقلية التى لا تزال فى كثير من الاحيان خاضعة للقضاء والقدر ، مكتفية بمعاداة الواقع ، دون أن تأخذ المبادرة للسيطرة عليه ، وتوجيهه حسب ما تقتضيه الارادة الجماعية . والادب فى المرحلتين الحاضرة والآتية تلقى على عاتقه مسؤولية نحت النموذج المجتمعى الذى يجب ان يوجده العرب . وهو خلال ذلك مطالب بالبحث عن منطلقات جديدة فى الفكر والعقيدة والسلوك ، وايجاد فلسفة اجتماعية مغايرة لما هو موجود ، بحيث تكون فيها العلاقات بين الفئات الاجتماعية علاقات تعاون وتكامل وتعادل ، لا علاقات تطاحن وتناقض وتسابق على الوفرة والكسب ، الشئ الذى كشف الصراعات بين الطوائف المختلفة ، وعمق الهوة بينها فى التفكير والعقيدة والسلوك .

باختصار شديد فان دور الادب فى المرحلة القادمة يتمثل فى وضع الانسان العرب على عتبة المواجهة والتحدى لظروفه النفسية والاجتماعية والعالمية ، واخراجه من هذه (( الفردية المفرطة التى جعلت كلامنا يدور فى فلك نفسه ويبحث عن مصلحته ، ويذهل عن فلك الامة ومصلحتها العامة )) (11) .

المصادر :

(1) مجلة الاقلام - عدد 6 - السنة 12 - آذار 1977 - مقال : مقدمات نظرية فى القصة المغربية القصيرة - للبشير الوادنونى - ص 5 .

(2) مجلة الاقلام - عدد 6 - السنة 12 - آذار 1977 - مقال : نحو ثقافة عربية جديدة - لماجد صالح السامرائى - ص 39 .

(3) (4) (5) (6) نفس المرجع السابق .

(7) انظر مقالى : (( الفكر والتطور البشرى )) مجلة الفكر - فبراير 1975 .

(8) انظر كتاب ( مواقف ) للاستاذ محمد مزالى - ص 100 - طبع الشركة التونسية للتوزيع - سنة 1973 .

(9) نفس المرجع السابق - ص 89 .

(10) الاقلام - عدد 6 - السنة 12 - ص 59 .

(11) مجلة المعرفة السورية - عدد 181 - آذار 1977 - مقال : نحن والتراث - لحافظ الجمالى - ص 30 .

اشترك في نشرتنا البريدية