الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 4الرجوع إلى "الفكر"

الأدب الهادف

Share

" ليس ينفع التائة فى الادغال أن تصف له الادغال التى يتيه فيها ، وينفعه أن تشق له طريقاً وتعطيه سراجاً ينير له الطريق ، والناس من حياتهم في ادغال كثيفة مظلمة رهيبة . ولا قيمة على الاطلاق لما ندعوه آدبا الا على قدر ما يشق طريقاً وينير سراجاً " (1) .

ان دلت هذه القولة على معنى ، فانما تدل على انه من خصائص الفنان " الواعي " ان يؤمن بهدفية الكون " ومعنى " الانسان فيه ، وان يكرس جهوده لخدمة تلك الهدفية وصالح ذلك المعنى . وقائده فى جهاده فضيلة يعزز جانبها حق وخير وجمال . . . وحرية .

والادب عواطف وأحاسيس ، وفكر وفن . ولابد أن تكون عواطف نبيلة ، وأحاسيس لا رجس أو دنس يغشيانها . ولابد ان يكون فكراً مبدعاً خلاقاً ، لا يتسفل الى الدنئ ولا يؤمن بالحقارة ، وفنا هو السمو عينه ، والجمال نفسه ... فلقد اجتاز الانسان اليوم ، المرحلة التى كان يعسر عليه فيها ان يؤمن بأن " كل فنان مرتبط بسفينة عصره " . ( 2 ) فأصبح يؤمن - الا من يحبذون التهرب من المسؤولية ويفزعون الى الكفر بهدفية الانسان - بأنه اذا  كانت هذه السفينة - سفينة العصر - تعج برائحة " الهارنج " والسجانون فيها كثيرة ، واذا كان الاتجاه الذي تتجهه براكبيها خاطئا ، فان مسؤولية الفنان ورسالته ان يكيف الهواء ويرش فيه العطور ، وأن يعمل على نزع الحيوانية من قلوب اولئك السجانين والسجناء ! وأن يوجه السفينة الطريق الصالح الذى يؤدى الى " المعنى " والهدفية " ...وبذلك  يشق طريقاً للتائهين وينير لهم سراجاً يهديهم !. . .

قد يقال ان هذا اضطهاد للفن ، لان ما يطلبه الفن - والادب خاصة - هو الحرية . . كلا ! ليس هذا اضطهادا . فأنا أو من بأن الفن يموت بالاضطهاد ، ويعيش بالحرية ، وهو ذلك الاضطهاد الذى يسلط عليه من الخارج . . . أما الحرية فتلك التى يتيحها بنفسه لنفسه !! فالفن - فى جوهره - " يعيش بما يمليه على ذاته من قسر. . . ويموت من قسر الآخرين " (3) والقسر أو القيد الذي يفرضه الفن - والادب خاصة - على نفسه . . هو أن يكون هادفا !! " الانسان آله فى منفي " ذلك ما كان يعتقده قدماء الرومانيين . وعصره

الحال عصر اضطراب وفزع ، وقلق مضن خانق . . . . ومن شأن هذه الآفات ان تزيده قيودا على قيوده . وأن تزرع ضبابا فى بصيرته ، وظلاما في قلبه وقحطا فى عالمه ! ووظيفة الفنان فى هذا العصر المضطرب هي المشاركة الفعالة فى تخليص هذا " الاله " من منفاه . . والا كان كالدائر حول محور وهمي  لا ينتهى الى هدف أو غاية ، الا الجمود والانعدام . كالتائه في صحراء شتائية  الضياع ، يضيع صراخه فى الفراغ الاجدب صدى لا يجاب !!...

اني لا أعني بهذا أن وظيفة الفنان كوظيفة وعاظ المساجد ، او المذبع الذي " يسرد " نشرات الاخبار . او الحاكى الذى يعيد - بأمانة - ما سجل... لذلك فانه ليس من المحتم على الفنان - الاديب والشاعر خاصة - ان يشارك هؤلاء البشر التعساء كل عواطفهم او ان يتقمص حياتهم ، بآلامها وافراحها . . إذ ماذا ينفع الضرير ان تصوره تصويرا لا أدق ولا أصدق ؟ . . . " وماذا ينفع الوالدة التى تمخضت عن مولودها البكر أن تصف مخاضها ثم فرحها بمولودها أروع الوصف ؟ . . وماذا ينفع المحتضر ان تحسن تصوير أحتضاره ؟ . . (4)" .. قد تقول : " انهم اذ يفعلون ذلك ، انما يرفعون أمام الناس مرآة ويقولون لهم : هذا انتم : وهذه حياتكم " . (5)وهم اذ يجسمون أمام الناس حياتهم على صورتها الحقيقية ، فانما يأملون ان يرجع الناس عن غيهم و يثوبوا إلى رشدهم .

"وقلما يخطر لهم فى بال أن الصورة التى صوروها على أنها " حقيقة " او " واقع " قد لا تكون حقيقة أو واقعا . فما من صورة في الكون الا لها ما يسبقها وما يتلوها ، وما يتصل بها اتصالا مباشرا من خارج اطارها . فهي ليست " حقيقة " او " واقعا " الا اذا استطعنا ان نراها فى اطارها الكوني ، وانى لنا ذلك ، ما دامت حواسنا ، وما دام الحرف الذي هو ترجمانها "(6)  عاجزين عن سبر أعماق البواطن ، وخرق الاستار ، فالحواس دائماً خادعة ومخدوعة ، والحرف خادمها الامين ؟ ؟ . . فهدفية الادب إذن ، تقتضى الاديب أن يفتح للاعمى " غير العينين " نافذة على النور تمكنه من معرفة الاسباب التى جلبت له العمى ، عساه يدرك أنها منه وفيه ، فيعكف على تلافيها ، ويتطلع الى مستقبل مشرق " . (7) وتقتضيه أن يعطى للوالدة المتمخضة عن مولود بكر " القوة على الاحتفاظ بفرحها حتى وان أخذ مولودها منها بعد ساعة أو بعد عام " (8) وقضية ان يمد ببصر المحتضر " الى ما قيل الولادة ،وبعد الموت ، لعله يستقبل الموت بمثل الطمأنينة التى بها يستقبل النوم ساعة يأوى الى فراشه فى الليل " . ( 9 ) !! ذلك ما ينفع التائه في الادغال ، طريق مستقيم وسراج منير !

واين نحن من هذا الادب ؟ ليست الجناية - جناية الادب والادباء في هذا العصر كبيرة وخطيرة ؟ اذ كيف يلاحظ الادب ومن سار فى فلكه كل يوم ، و كل دقيقه ، جميع اصناف القمع والارهاب ، وكل الوان الخساسات والحقارة

الدنيئة ، من مطامع جهنمية وحيوانية تجذبه من عالم الالوهية الى أسفل تجتاح عالم هذا " الانسان " - الاله - وتقتحم معاقله الروحية والمادية ويطأطئ الرأس رغم ذلك ، خائفاً واجفاً ، او محتشما حيا ؟ ؟... بلى !! يجب ان نجتاز زمنا يكون فيه الادب - والشعر خاصه - غناء بعواطف النفس ، وبكاء فى جنازات القلب ! يجب ان نجتاز زمنا يكون فيه الفن طياضائعا في تيه خيالى ، او صورة " فوتوغرافية " امينة لا تبرز للنظر الا القشور !! ويجب أن يمضى وقت يكون فيه الادب ادب مناسبات وبهتان مجاملات . فالادب الحق يكون ثورة ونشدانا دائباً لحرية لم نبلغها بعد ، وكمالا ما أبعد الانسان عنه في هذا العصر فالادب الهادف اذن ، يكون إصلاحاً وعملاً جدياً متواصلاً لانقاذ الانسان من الانهيار الذى ينتظره . والسقوط المدوى الذى يتعقب تجاربه التى تنهار ولما تنضج ، وتعبث بها يد القدر الغضوب . . . والسير به قدماً الى " مدينة الانسان الفاضلة " ! .

وليخبرنا علماؤنا اذن ، الذين يريدون ان يخترعوا - ليستعملوا - القنابل النووية والمدافع ، ومتفلسفونا الذين يريدون تقليد من أعلنوا بكل جرأة " أن الله قد مات " والذين افتوا بان " الانسان حر " يحقق وجوده حسب مشيئته ، وادباءنا ونقادنا الذين يزجون بانفسهم فى فراغ هائل مظلم من المماحكات والمعارك ، ويكتبون فى مواضيع مجترة لا تزال تلك منذ وجد آدم... وشعراؤنا الذين يتخبطون فى مخملهم وحريرهم ويسبحون فى دنا العطر والشذى الخيالية . . . ويبنون القصور الوهمية فى جزر الاحلام، جزر الضياع ، والتهرب إلى اللامسؤولية . . . الا ليخبرنا هؤلاء : ما هو الهدف الذى يسعون الى تحقيقه ؟ وما هو " المعنى " الذى يؤمنون به ؟ اللهم ! ان رسالة ادبية ، او علمية ، أو فلسفية ، لا تسعى لتحقيق الثالوث الاسمى : الحق والخير والجمال ، لرسالة زائفة !

ثم انى أود ألا يفهم عني انى اريد ان يكون الادب سجلا حافلا " بالحماسة " او بالوثائق التاريخية والشواهد ، او سوطا لاهبا ، كانه طنبور حربى ، من سياط ما يسمى " بالشعر السياسى " وقد يكون فى كل هذا ما هو خير من " الادب المتخنث " أو " أدب السندويتش " . . ولكنى أريد فقط أن يقول " أن الادب ثورة " هادفة ، " وإصلاح وبناء " . . .

ثم ان لدى سؤالا اود ان ابسطه امام ادبائنا وشعرائنا فى تونس ، طالما خامرنى : هل عندنا - فى مجتمعنا الاشتراكى - أدب هادف ، ثورى ، هدفه الاصلاح والبناء ، وخلق مجتمع أفضل وحياة اوفر سعادة ؟ ؟ أني لأكاد اسمع همهمات وتمتمات غير واضحة المقاصد ، تحرك الشفاه . ومقاصد قوم - من غير شك - أن أدبنا أفقر من فأر فى كنيسة الى مثل ذلك الادب ! ! ولكن صوتا جازما ، حازما ، يرتفع بوضوح معلنا ان شعراءنا " "ليسوا رومانطيقيين البتة ،

شعرهم واقعى بالاحرى ، لا وجود فيه للتكلف البلاغي وحساسية الشرق الاوسط المتغالية . إن الشعر التونسي يختلف كثيراً عن الشعر المصرى والسورى والعراقى ، ونحن نلقيه بطريقة مخالفة ، إنه شعر ناضح يتفق فيه الوحى الشعرى مع شئ من التحليل والوعى الذاتى ولا يحوى هذه النشوة اللفظية هذه اللغة الخلابة التى تجعل الشاعر منفصلاً تماماً عن العالم ! "(10). ولكن بدعة يا سيدى الاستاذ قد تدخلت فى أدبنا التونسى فمسخته ، هي الى ضد ما قلت أقرب ، ولعلك تقر بها معي ، بعد بسطها .

أظنك يا سيدى لا تزال تذكر قولك يوماً فى دار الإذاعة : " نحن لا نرغب فى اغنية لا تسهم فى بناء مجتمع اشتراكى ، ولا تضع لبنة فى ثورتها الايجابية ، لا تعمل على رفع مستوى المواطن التونسي !

" الاغنية فى مضمونها الحالى ، انما هى امتداد للاغنية القديمة ، تلك الاغنية الجريحة التى تقطر دماً وأسى وتفسخا وإسفافا ، وتخلصا من المسؤولية ، والتي لا تمثل أدبا انسانيا اصيلا . . انما الاغنية التونسية لا تتحدث الا عن الحب . والمجتمع الانسانى انما بنى على الحب . فليكن هذا الحب فى اطاره الانساني الواسع ، وفي مفاهيمه المتعددة ، ويتجاوز ملابسات الفردية الضيقة الى مجالات الأبوة والأمومة والبطولة والسلام والعمل .وليجاوز العيون السود والشعر الاشقر والقامة المعتدلة الى ما وراء الهيكل من فضيلة !...الاغنية التى نريد هي التى تعبر عن طموح الأمة وحماس الشباب فى مستقبله ومستقبل وطنه . . هي تلك الاغنية الملأى بالقيم الاخلاقية ، هى الاغنية التى تساهم فى خلق المواطن الجديد . . " (11) وما الاغاني الا قصائد ، وشعر ، فما يقال فى الاغنية يصح ان يقال فى الشعر والقصيدة . ومن البديهى ان يحبذ شعراؤنا هذه النظرية،  فهم يدعون اليها - كما تبديه علانيتهم - ، وهذا رأى أحدهم ، معقبا به على رأيك فى الاذاعة ، فى " رسالة الاغاني فى العهد الاشتراكى " : " الاغاني ظلال لنفسيات اصحابها ، وصدى لما فى قلوبهم من مشاعر ، وانعكاس لما فى ادمغتهم من أفكار . فاذا كانوا من أهل النفوس الكريمة والقلوب المبصرة الواعية والادمغة المفكرة النابهة ، قادوا شعوبهم الى مراق الفضيلة (...) واذا كانوا من أصحاب القلوب العمياء والنفوس الضعيفة والادمغة الفارغة الجوفاء كانت اغانيهم ظلاما وضعفا . . تشيع فى الناس الانحلال والميوعة وتقعد بالمجتمع إلى الدرك الاوهى من الضعف ، فاذا بالاخلاق الفاضلة منكسة الاعلام ، واذا بالجيل الطالع مرددا لما سمعه من فاجر الكلام وسمح اللفظ ، ووقع الاماءة والاشارة . . فيستدرج شيئاً فشيئاً الى مهاوى الفساد ومنحدرات الزلل !! " (12). ولكن صاحب هذه القولة بالذات ، نسمع له بعض الاغاني الملحنة فى الاذاعة هذه احداها - وقد سبق لها أن نشرت فى مجلة الاذاعة(13) - بعنوان الارجوحة:

أحبك عابثة لاهية

                أحبك سكرانة عارية !

معربدة تزدرى بالحياء

                 وتحتقر الفكر البالية.

(أحبك مثل جميع النساء )

                 فلا تدعي الطهر والعافية!

أما كنت بالامس عند صديقى ؟

                     كفى ! ماتت الليلة الماضية !

رأيت الذي كان ، لا تخجلي ،

                     ولا تحذرى القولة النابية ! الخ .

وليس هذا كل ما فى الامر . فهناك الكثيرون من شعرائنا الذين تصح فيهم قولة شاعرنا منور صماح . . . انهم من اصحاب القلوب العمياء والنفوس الضعيفة والادمغة الفارغة الجوفاء . . . انهم لا يقيمون أى وزن للفضيلة والاخلاق ، ولا يهدفون الى خلق مجتمع أفضل وحياة أوفر سعادة . . . ولا يؤمنون بهدفية الكون ومعنى الانسان البتة...وهذا مثال ثان من الشعر " المائع " المتخنث ، موجه " إلى فاجرة " :

يقولون انك غادرة . . .

                 وفيك عشققت ضياع الإمانه!

فما ضر انك كاذبة

                 وقد بلغ الشوق بي عنفوانه ؟

. . يحركنى منك خلق البغي ،

                    ولولاك ما كنت ارضى الخيانه !

فما كان اروع فيك الفجور

                   وما كان أجدى عليك الإدانه !

وزينت للنفس حب البغاء

                     واهواك لإبسة طيلسانه.

وهل ضر انك انثى بغي ؟

                     وللبغى ارسلت يوما عنانه ؟

فما كان اعذب فيك الغرور

                وموت العفاف ، وضعف الديانه !

. . اريدك قلباً عصياً جموحاً

                       دعياً كذوباً يعيش زمانه!!

ولا تهجرى يا فتاتى سواي

                     ولا تزدرى شوقه وحنانه!!

وما انت الا كبدر يضئ . . .

             وهل لازم البدر يوما مكانه ؟ ؟(14)

وهذا النمط من الشعر الخليع الذى يدعو المرأة الى ان تخلع ثوب الطهارة ، وترتدى ثوب الدعارة ، غير قليل...واذا كان هؤلاء يقولون شعرهم هازلين ،

ليكون " حديث الساعة " لا ليخلده التاريخ ، فان الفن يأبى أن يحشرهم في حزبه وزمرته . اذ ان للكلمة قداستها وللقلم شرفه . . لذلك وجب على أدبائنا وشعرائنا ان يتعلقوا ، وان يقولوا وينظموا ما يسهم في بناء المجتمع الافضل وخلق انسان المستقبل " الكامل " . . . . والا حققت فيهم آية القرآن الكريم عن الشعر والشعراء . ونحن نامل - ويا لضياع الامل - من هؤلاء واشباههم ان يشقوا لنا طريقاً وينيروا لنا سراجا ! ولكنهم لم يشقوا بعد طريقاً لانفسهم ولا يزالون فى الادغال المظلمة تائهين مع التائهين ! فالله أهدنا وأهدهم طريقاً قويماً !

اشترك في نشرتنا البريدية