ليست المشكلة فى الاختيار بين الماضي والحاضر بل أن نجمع بين القيم السامية والبضاعة العصرية
التراث الحضاري العربي الاسلامي لا يعرقل الخلق الثقافي العصري التقدمي
تتطلع الحركة الفكرية والأدبية فى تونس الى الاديب المفكر الاستاذ محمد مزالى ، كواحد من قلائل شقوا الخطوات الاولى امامها منذ مطلع الخمسينات . ولعله حتى الان من القلائل بين جيله وجيل الشباب الجدد يحمل العبء الاكبر والاساسى فى تطوير ودفع هذه الحركة الرائدة لتحويل الادب التونسى الى رافد فعال فى الحركة الادبية والفكرية العربية . كما يعتبر محمد مزالي وزير
التربية القومية الحالى رائد التعريب في تونس : فقد طالب كوزير للتربيه بتعريب الادارة والتربية ، وكان السبب فى اتمام تعريب الفلسفة.
ومع فجر الاستقلال فى عام 1955 اصدر الاديب محمد مزالي مجلة " الفكر " التى أخذت على عاتقها رعاية وتنمية الذوق الادبى باللغة العربية فى جيل الاستقلال ورفاق النضال واستمرت " الفكر " رغم كل الصعاب فى الصدور معبرة عن مسيرة الادب العربى فى تونس تحت راية الاستقلال والحريه وفتحت صفحاتها امام نسمات الادب المختلفة وفي وجه كافة التيارات الفكرية العالمية والعربية . وكان إيمان محمد مزالى برسالة الادب القوة الوحيدة فى توطيد وجود هذه المجلة وانتشارها حتى انها أصبحت واحدة بين أقل من عشر مجلات ادبية شهرية تصدر فى الوطن العربي ، لها دورها الواضح فى خدمة ادب القصة القصيرة والشعر والدراسة والمقالة الفكرية والأدبية.
ويصف رئيىس اتحاد الكتاب التونسيين السنوات الاولى لصدور " الفكر " بانها كانت بداية ولادة الادب العربى فى تونس الحديثة المستقلة .
ويعتز الاديب الوزير لأن " الفكر " لم تتوقف على مدى 22 سنة ، وقد اصبحت احدى مجلات الادب المعروفة فى صفوف الادباء والمثقفين العرب في المشرق والمغرب ، حيث حافظت على مسيرتها وفتح صفحاتها أمام كافة الاتجاهات والتيارات الادبية ، مؤمنة بان الفكر الانسانى يمتد ويلامس العقل والنفس الانسانية فى كل مكان .
اما مسؤوليات الاديب الوزير فهي كثيرة ومناصبه متعددة فقد سبق له ان تولى وزارة الصحة ، والتربية كما كان مدير الشباب والرياضة ويرأس حاليا اللجنة الاولمبية التونسية واختير قبل اسابيع بالاجماع رئيسا مساعدا للجنة الاولمبية الدولية وبالاضافة الى توليه حاليا وزارة التربية القومية ورئاسة اتحاد الكتاب التونسيين فهو يقوم بادارة تحرير مجلة " الفكر " والأشراف على موادها والمشاركة فى تحريرها . وله عدة مؤلفات اهمها كتاب " مواقف" الذي يضم مجموعة مقالات ادبية وفكرية حساسة ، وكتاب " من وحي الفكر " ، كما ترجم كتاب " تاريخ شمال افريقيا " للكاتب الفرنسي شارل أندرى جوليان.
وفي مكتبه بوزارة التربية القومية كان ينتظرني بناء على موعد مسبق ، وعندما استقبلنى مصافحا مرحبا احترت فى شعورى أيهما طغت عليه : شخصية
الاديب الذى ناضل منذ ربع قرن فى بناء الحركة الادبية واسس اكبر مجلة ادبية فى المغرب العربى ام شخصية السياسى الذى تولى عدة مرات وزارات مختلفة! لقد كان مزالي يبدو فى تلك اللحظة ابن تونس الحديثة الذي حمل لها على عاتقه رسالة الفكر والسياسة ليأخذ من الاولى ما يفيد الثانية ويعالج فى الثانية ما يحقق حيوية الاولى.
مشاكل الكتاب التونسي :
قلت لوزير الادباء وأديب الوزراء : افتتحتم مؤخرا ملتقى النشر والتوزيع الذى نظمه اتحاد الكتاب التونسيين وحضره مدراء دور النشر والتوزيع . فما هى وجهة نظركم حول مشاكل الكتاب التونسي خاصة والعربى عامة وظروف نشره على ضوء مناقشتكم للموضوع وسماعكم لاراء الكتاب والناشرين في هذا الملتقى ؟
- هذا الملتقى الذى نظمه اتحاد الكتاب فى المركز الثقافي الدولى بمدينة الحمامات كان غرضه الاول البحث عن الكتاب التونسى تأليفا ونشرا وتوزيعا. ونحن نعتقد ان الكتاب التونسى يمكن ان يتبوأ منزلة اعلى من المنزلة التى يحتلها اليوم.
وبالرغم من التقدم الكبير الذى تقدمته دور النشر والتوزيع ، فالكتاب التونسيون يطمحون الى مزيد من الحظوة والعناية ، ويطمحون الى مزيد من المكافآت المعنوية والمادية . واول مظهر من مظاهر المكافأة هو ان تنشر كتبهم بسرعة وان توزع فى تونس وفي كافة البلاد العربية توزيعا محكما .
وقال رئيس اتحاد الكتاب : من اجل ذلك تحاورنا مع الموزعين والناشرين حوارا اخويا وصريحا ونأمل بالتعاون معهم ومع الجهات الرسمية المسؤولة ان نحقق شيئا فشيئا هذه الاهداف .
الاتجاهات الادبية
بوصفكم رئيسا لاتحاد الكتاب التونسيين ورائد الحركة الادبية منذ
الخمسينات من خلال مجلة " الفكر " ما هى الاتجاهات الادبية والفكرية التى تسود تونس اليوم ؟ وما مدى رضاكم عنها ؟
- اعتقد شخصيا بوجود عدة اتجاهات ادبية فى تونس ، لكنها تنزع فى اغلبيتها منزعا اجتماعيا ملتزما وتحاول ان تصور الواقع الاجتماعى والحضارى التونسي ، الذي يمتاز بالتحول والتطلع الى مزيد من الحرية والاشتراكية والعدالة . ويمتاز كذلك بالتناقضات التى تكاد تكون قدرا مشتركا بين جميع الشعوب التى داهمتها موجة المعاصرة والتقدم العلمي والتكنولوجي السريع. ومن بين هذه التناقضات ما يشعر به المثقف والاديب والمفكر من تباين بين الانتصارات العلمية والتكنولوجية العجيبة،وسيطرة الانسان على المادة والطبيعة ، مما مكنه حتى من غزو الفضاء وبين عجز الانسان فى غالب الاحيان على السيطرة على عالمه الصغير ، عالم النفس والذات الفردية . فهو يشعر بالانسحاق والوحدة وتهافت القيم واستحالة التجاور احيانا مع غيره من المناضلين وهذا ما يصوره المسرح المعاصر والقصة المعاصرة وما يعبر عنه الشعر باساليب تختلف حسب المدارس الادبية .
الادب " المسعدى "
هناك في تونس ما يسمى بالادب المسعدى . . المتمثل فى رواية " السد " للاديب محمود المسعد(1) ما هو الدور المؤثر الذي يؤديه هذا الادب . . وما موقفكم منه ؟ ..
- انا شخصيا اعتبر الاستاذ المسعدى أديبا كبيرا ومفكرا ممتازا وقد تتلمذت علية فى المدرسة الصادقية سنة 1945 . ومع اعجابي بانتاجه فقد عبرت في مناسبات سابقة عن اختلافي معه فى نظرته للادب ، اذ يرى الاستاذ المسعدى ان الادب مأساة او لا يكون اى ان هذا الادب يعبر عن مأساة الانسان فى صراعه مع نفسه ومع الطبيعة فى هذا الكون ، وكان قدره ان يبقى دون ما يطمح اليه . وما
انهيار " السد " فى اخر الامر بعد كل ما بذله " غيلان " بطل الرواية من مجهودات جبارة ، الا رمز لخضوع الانسان لنوع من القضاء والقدر ، ويعبر عن شعوره بالحسرة بسبب فشله فى آخر الامر . ( راجع رواية السد) . اما انا فانى اعتبر ان الادب ملحمة ، أى ان الانسان فى امكانه اذا ما صح منه العزم ان يخلق نفسه ، ويقرر مصيره ، ويفرض ارادته على الاشياء ، اذا تواضع وتعاون مع اخوانه وتضامن وإياهم فى الانسانية ، والادب يصور الانسان قويا رغم ضعفه بل ربما لأنه ضعيف ، هش ، معرض للكسر والانكسار والهصر والانحسار ، لان المنزلة البشرية فى اعتقادى هى منزلة بين بين . . هي منزلة فوق المنزلة الارضية والحيوانية ، لكنها دون المنزلة السماوية والملائكية. والادب الحق هو تصوير فنى لهذا الانسان فى عمله الجبار الذى يقوم به دائما ليكون بحق خليفة الله فى ارضه .
أود اعرف رأيكم في قضية مطروحة دائما ، هل يكون الترات العربي أكثر من خلفية للثراء الادبي . . وارضية للطاء الجديد . . واقصد ايضا هل نقف أمامه وقفة انبهار وعجز ام تتجاوزه فى الخلق والابداع لما يحتاجه زمان أجيالنا والاجيال المقبلة ؟
- فى اعتقادى الشخصى ان التراث الحضاري الاسلامى لا يمكن ان يكون عرقلة للخلق والانتاج الثقافي العصرى التقدمي ، لان الاصالة لا تتمثل عندى فى النسج على منوال الاقدمين . . بل فى استيحاء الماضى لعقل الحاضر واستشراف المستقبل .
التراث والمعاصرة
وتوقف الاديب الوزير محمد مزالى قليلا وبصره يسبح فى فضاء الاقدمين ثم قال بجدية واضحة :
ان كل المفكرين القدامى كانوا فى وقتهم مجددين . فالذي يجب ان يعنينا منهم ليس المادة ولا المشاكل التى ولدت فى عصرهم وتجاوزتها احداث اليوم, وانما هو أولا وبالذات الروح التى أقدموا بها علي تلك المشاكل والشجاعة التى اظهروها فى التقحم عليها والطرافة الادبية التى امتازوا بها فى كتاباتهم.
أما الازورار عن هذا الماضى والتراث بدعوى المعاصرة ، فهو انبتات وعقوق وتضحية ببعد من اعز ابعاد الذات الفردية والذات الجماعية . ولهذا ليست
المشكلة فى ان نختار ، بين التراث وبين المعاصرة بل المشكلة ان نعرف هل اننا بجمع بين الايمان بالقيم السامية وبين البضاعة العصرية ان صح التصوير والتكوين العلمي . . هذه هي القضية
ما هو دور مجلة"الفكر" من الحركة الشعرية فى تونس . . وما موقفكم معها من الشعر المعاصر والشعر التونسي الجديد الذي يقف بين العمودى والحر. . - منذ تأسيس مجلة " الفكر " آلينا على انفسنا الا نتعصب لمدرسة شعرية دون اخرى بل ان نفتح المجالات امام كل المحاولات الشعرية . ولذلك نشرنا وننشر الشعر الموزون المقفى والشعر الحر وما أطلقنا عليه نحن انفسنا لقب في غير العمودى والحر . . أى الشعر الجديد . . !
والمعيار الوحيد للنشر فى " الفكر " انما هو معرفة هل ان هناك شعرا أو لا شعر . . ولا يكون الشعر شعرا الا اذا أوحى ونفذ الى القلب وحرك الوجدان واعطى رؤية كونية جديدة . والتاريخ الادبى يفيد ان هذا النوع من الشعر هو الذي يكتب له الخلود واما ما عدا ذلك فهو مجرد محاولات ظرفية وجدل عقيم.
وفي هذه اللحظة كان الوزير مرتبطا بموعد خارج تونس العاصمة وكما أحسست بضيق الوقت امامي أحس هو بأن اسئلة اخرى كثيرة لدى ، فبادرني بقوله ، سوف لا يكون هذا نهاية حديثي الى " القبس " فلى زيارة قريبة للكويت وسننهى هذا الحديث الادبى هناك .

