الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 7 الرجوع إلى "الفكر"

الأدب والحرية مترادفان

Share

العالم العربى اليوم اليوم محكوم عليه بأن يخترع أدبه ، وحريته ، وحضارته لانه يعيش ازمات تاريخية حادة ، ويشهد تقلبات اجتماعية ضاربة ، وبحيا فى هذا النصف الثانى من القرن العشرين الذي لم يجد فيه حظه كسائر شعوب العالم الثالث وبلدانه

نعم ! ينبغى أن يخترع العالم العربي أدبه ، لان الادب الذي عاش عليه منذ عهد النهضة الى اليوم هو فى خطوطه العريضة اجمالا اما سلبيا يدعو الى الرجوع الى الماضى بأية صفة من الصفات بواسطة الدين ، أو عن طرب الاصالة ، أو بقداسة العربية الفصحى ، بينما الماضي انقرض ، وفات ولن يعود ، واما مرقعا ، ملفقا ، مدروشا ، يتتبع عن كثب خطى أروبا الغريد بالخصوص . فكلما راجت موضة الا وتبناها لكن بعد سنوات . . كموضة " العبث " التى روجها بعض التجار ظنوا انفسهم من المثقفين العرب الواعين تم تقليعة " الالتزام والابراج العاجية " ، ثم " اللامنتمي " وغيرها من الشنائع الفكرية المجهضة ! .

فالاتجاه الاول سلبى ، أى فى اعتقادى انهزامى فى مواقفه من القضايا العربية ، فمن جرائه وقعت حروب طاحنة على رؤوس العرب اشهر من ان عرف فى هذه الكتابة . بالاضافة الى انه اتجاه كسول ، لانه بعتمد على الماضى ، ومتواكل ، لانه ملتفت الى الماضي متوكئ عليه ، عاجز لانه فار الدماغ من أية ايديولوجية فيها أمل نحو المستقبل ، اذا استثنينا أمله الذي كان يريد الرجوع بنا الى القرون الوسطى

هذا الاتجاه يتضمن مفارقة ، بعدا بين الاديب السلبي والشعب وقضاياه لا اليومية فقط بل المصيرية أيضا . اذ هو يعالج تلك القضانا الحديدة بأدوات خمماء ، قديمة ، عتيقة . . . واذا الشعب يبقى بحكم ذلك الاعوجاح بعيدا عن ادراك الحقائق الاجتماعية

اما الاتجاه الثاني فهو لا يقل خطورة عن الاول . لان الكاتب الذى يتبع لاتجاهات الادبية والفنية والفكرية وينقلها بعد سنوات ويقدمها الى القارئ العربى يدعو التفتح وغيرها من الكلمات المزيفة لا يدرك الكاتب العربى لانادرا ان هاتيك الاتجاهات الاوروبية الغربية - ولو كانت تقدمية لايدولوجية - انما هي أعلاق الاخطبوط الاستعمارى الجديد

وهذا الاتجاه يتضمن مفارقة ايضا ، بعدا بين الكاتب الملفق المرقع المرتق والشعب وقضاياه . اذ هذا الكاتب يخاطب النخبة كالسلبى بالضبط ، الشعب فى مختلف اصنافه

وازاء هذين الاتجاهين اللذين تتحكم فيهما المفارقة لا يسعنا الا ان تدعو الى مراجعة الماضي مع الغاء القداسة التى تحيط به ، بما فى ذلك اللغة العربية التى هى فى حاجة ماسة الى التفكيك ثم الى اعادة التركيب مع مزجها باللهجات العربية وادخال المعرب والدخيل عليها ، وتيسيرها حتى يستسيغها الاجنبى وتغريه ، وحتى تتمكن هى بالتالي من ان تجد حظها الى جانب اللغات الكبرى فى عالم اليوم

ومتى لم يدرك بعض الكتاب فى العالم العربى اليوم انه من الواجب القيام بثورة هائلة داخل اللغة العربية بوصفها الاداة الكبرى لايصال الادب المكتوب والمنطوق والمرئي فان الادب العربى اليوم لن يكون له المد المنتظر منه سواء ليعالج أهم القضايا التى يتخبط فيها الانسان العربى فى حياته اليومية والمصيرية أيضا ، او ليخرج من البلاد العربية فى اتجاه اقطار العالم لمقاومة الامبريالية والاستعمار الجديد

لا بد للكاتب أن يكتب بكل حرية اعنى بلا تقليد الماضى ، ولا تقريد " الموضات الغربية ، لانه بواجه قضايا من نوع جديد لا عهد للمجتمعات العربية بها من قبل ، وعليه ان يحلها او على الاقل ان يثيرها بأداة جديدة يقتبسها من واقعه هو ، لا من واقع ماضيه ، ولا من واقع الدول الغربية

فاذا تم تحوير وجهة الادب العربى اليوم ، فان كثيرا من الكتاب سيمسكون حتما عن الترامي على اعتاب جائزة نوبل للحصول عليها ، ليؤسسوا جائزة كبرى نضاهبها قيمة ومبلغا ، وليعملوا على ترجمة احسن ما لديهم من الانتاج شعرا كان أو قصة أو رواية أو مسرحية الى اللغات الغربية الكبرى ، ولينشؤوا

دورا للنشر فى أوروبا ذاتها ، او ليروجوا بضاعتهم الفكرية عن طريق دور النشر الكبرى فى باريس ولندن ونيويورك وفرانكفورت وروما

كما يستوجب هذا التحوير فى اتجاه الادب العربى الحرية المطلقة في التعبير شكلا ومضمونا - وهنا ألح على المضمون وأؤكد عليه - بكامل الشجاعة والجرأة ، ومهما كان الثمن

لان دور الكاتب فى العالم العربى اليوم هو دور قيادى ومشاركة في الحكم أحب ذلك الساسة أم لم يحبوا أو رموا المثقفين فى السجون أو أحالوهم على المعاش قبل الاوان ، او تملقوا ومنحوهم المناصب العليا فى الدولة .

وهذا الدور يتسم دائما بالصبغة النقدية  اكثر من صفة المدح ، و الاطراء ودف الطبول ، لانه دور حر ، لا يعمل من أجل مصلحة شخصية او فى سبيل تحقيق منفعه خاصه . لان الادب الناقد هو ادب نابع من الواقع بل من وعي الواقع وعيا تاريخيا قويا .

ولان الادب الناقد هو فى خدمة الشعب الذى يطمح الى بناء الحضارة الجديده بكل قواه لا فى خدمه بعض الاشخاص الذين أثروا على حساب استتقلالات بعض البلاد العربية ، فهادنوا القوى الرجعية ، وتملقوا الاستعمار الجديد ، وانهزموا امام غزو الامبريالية

اذا كانت للكاتب رسالة ، واذا كان للكاتب دور ، فما عليه إلا أن يوطد أركان الحرية ، ويعززها فى بلاده ، وأن يلقن الشعب معناها العميق ، حتى يكون لهذا الشعب غد افضل حقا ، لا غد مزعوم فضفاض ملئ بخيبة الآمال ، ومرارة الاوهام ، وبشاعة الاحلام

اشترك في نشرتنا البريدية