الاديب رسول الديموقراطية والسلام . انه لا يخضع سوى للقيم الانسانية ولا يتقيد الا بالحقائق الخالدة فرسالته مقدسة ينبىء الانسانية ويقودها ويندد بالمظالم والطغيان ويثور على النظم الاستبدادية التي تجعل من الانسان آلة مسخرة تكون قد افقدتها من كل شخصية ومن كل شعور . نعم الاديب يثور على الاستئثار بالحكم من طرف الاقلية الديكتاتورية ويدعو الملايين الى الشعور بوجودهم كأفراد لهم حساب في وطنهم وكأناس يقام لهم وزن اذ الحكم شورى ولكل مواطن الحق في مراقبته وفي الاقتراع عليه وحث المسؤولين على العمل لمصالح الشعب من توفير العيش والسكنى والقراءة والدخل والانتاج وكل الكماليات التي يرتفع بها مستوى الشعب والتي تؤهله الى ان يرقى سلم الحضارة والمدنية .
الاديب هو الثائر الدائم هو الذي لا يهدأ له بال ولا يقنع ولا يسكت فهو الطامح وهو الذي كلما ازدادت اراءه نفوذا ازداد تمسكا بالحق وكلما تعددت مواقفه في سبيل الدفاع عن حقوق الملايين الفقراء المنبوذين المقهورين الذين عكس لهم الدهر ومسهم بنوائبه ازداد تواضعا واخلاصا .
فالأديب لسان حال جميع طبقات الشعب هو الذي يمثلها احسن تمثيل في اقاصيصه وكتبه وتآليفه ودراسته .
انه لسان حال الملايين الجوع والبطالين . . انه المعبر عن ازمات الاسر الفقيرة وعن احتياجاتها وعن رغباتها انه المترجم المفسر لآلام الشعب ولاحزانها انه الرقيب المترصد لتطورات الفكر في عصره والمستعد لانتهاز البوادر او بذور الرقي لعهده وفي بلده . انه المسؤول على التعريف بها في وسطه وفي غير وسطه .
ولعمري ان كانت مهمة الاديب هذه فانه يستطيع القول بأنه قد بلغ المرمى وانه خدم الانسانية جمعاء ويكفيه فخرا اذا ما قام بواجبه هذا المقدس .
ومثل الاديب مثل " بروميته " الموثق الذي تمثله لنا الاسطورة اليونانية وهو جاهد القضاء والقدر باذلا مجهودات جبارة تتضاعف باشتداد وطأة الارباب فان بروميته بالرغم من أن القضاء المحتوم سيجرى مجراه وان الارباب سينتصرون عليه وسيقهرونه قهرا ثبت في كفاحه وازداد رسوخا في عقيدته
ادى بروميته واجبه ولم ييأس قط ولم توهن من عزمه ارادة الارباب والقضاء المحتوم بل مضى في سبيله مكافحا مناهضا مناضلا ثائرا . . بل قام احسن قيام بمسؤوليته . . بل ادى مهمته الانسانية كاملة تامة فكان رمز الانسانية الثائرة الانسانية التي لا تيأس ابدا .
اذن الاديب هو برومته المتسلح بالعقل وبالارادة وبالايمان في الانسان والانسانية والاديب هو المنافي لجميع مغريات العلة السخيفة . . انه لا يستجدي ابدا بأدبه . . انه لا يسمح لاي سلطة ولاي ظرف من الظروف بأن تسيطر عليه فالاديب هو الذي يسيطر على الحوادث وهو الذي يمسك بزمام الامور ويقودها في مجاريها فالاديب سلطان وعرشه العلم وكرسيه الحق والعدالة وعقيدته الايمان بامكانيات الانسان الخلاقة الجبارة المغيرة للاحوال الصانعة التاريخ المسيرة القابضة على زمام امور العالم الحي المتكون المتطور .
العلم والحرية والحق ايها السادة قيم لا تفنى اما النظم السياسية وغيرها فانها آئلة الى الزوال واما الدول فتدول واما الاموال فتفنى ولا تبقى الا الشعوب ولا يبقى الا الانسان الى ان يرث الله الارض ومن عليها . فمشكلات الانسان والانسانية دائمة تزداد تشعبا وصعوبة مع مر الزمن ومع اختلاف الاجواء والنظم بعد التي يخضع لها فترة من الزمن فما هي الا من بنات فكره والفكر يتطور فمهمة الاديب هو أن يعرض على بني جنسه وفي زمنه المشكلات التي لابد من حلها حتى يحيا المرء او الشعب او الوطن حياة سعيدة مرغوبا فيها .
ويتعرض الاديب لهذه المشكلات بالبحث والدراسة والتحليل ثم يبدي وجهة نظره بكل صراحة وبكل اخلاص حتى يكون الشاهد العدل لبيئته ووطنه امام العالم وامام الانسان وامل التاريخ .
ولا تنحصر مهمة الاديب بعد الى ما هو كائن حي في بلده فحسب بل لابد من ان يتفتح الاديب وان ينعم النظر في حاضر وماضي كل الاقطار وكل بلد ان العالم
ولا بد من ان يسبر الاديب الحضارة ومقدار الرقي واهلية الانسان بكل ما اوتي من وعي وحكمة وذكاء ولا بد من ان يدرس الاديب احوال البؤس والشقاء والاستبعاد والطغيان اينما كانوا وانى وجدوا حتى يشهد بني وطنه وبني جنسه وكل فرد من افراد العالم على الحقائق التي لا بد من ان يعرفها وحتى يكون الاديب بوق المظلومين والفقراء والبائسين .
فالاديب يفصح عن كل رغائب العالم بحيث يكون صدى لحديثه عند الزنوج وعند البابو وعند المنبوذين وعند الاحمر والاصفر والاسود والابيض من ابناء البشرية . وليس على الاديب ان يلتفت او يهتم وقتا ما بعوائق الاوضاع الحكومية أو التشكيلات السياسية او نفسيات الحكومات او النظم الاقتصادية من رأسمالية وشيوعية الى آخره التي تقف في طريقه لتمنعه من السير قدما في سبيل تأدية مهمته . ان كعبة الاديب الانسانية يحج اليها ويضحي امامها بالقرابين وهي الكتب والمقالات والخطب التي تبرهن عن سعيه فى سبيل ترقية الانسان .
اذن ومهمات الكاتب الاديب هذه فماذا عسى ان يكون موقفه من القومية العربية وماذا عسى ان يبذله في سبيل تحقيقها وكيف يعمل في انجاحها ثم ما هي الشروط التي يتطلبها منها .
يجب ان ينظر الاديب الى القومية العربية كنظام لا غير وعبثا يحاول اذا ما فرضها فرضا على الجماهير العرب دون ترو ودون الدرس المستفيض المستوعب على الاديب ان يسبر القومية العربية قبل الدفاع عنها بمعيار الحكمة وان ينحني عليها مستنيرا بكل تجارب الانسان خلال العصور ، تجارب يستمدها من التاريخ ومن مؤهلات الشعوب ومن نفسية الشعوب وليس على الاديب ان يقبل تسخيره للدعاية في سبيل ترويج القومية العربية قبل ان يتيقن انها الحقيقة وانها الوسيلة النافعة الناجعة لشفاء امراض الشعوب العربية ؛ فالاديب لن يرضى استعماله كآلة في سبيل نشر فكرة لم يكن ليتبناها قبل ؛ فوظيفة اجير الدعاية لا يقبلها الاديب .
نحن نرى ان القومية العربية حقيقة من الحقائق وواقع ملموس لا اكثر ولا اقل ونحن نرى ان الاديب ليس عليه الا ان ينظر اليها نسبيا وان يدرسها من حيث انها وسيلة موصلة الى غاية وليست غاية في حد جوهرها فالعيب كل العيب هي ان تعتبر كحقيقة ما بعدها من حقيقة وواجب ما بعده من واجب .
اذ الاديب خادم الانسانية وليس بعد عبدا للنظم السياسية او للحكومات او
لأي نفوذ فحرية الشعوب وحرية الاشخاص اعز من ان تهان وان توضع فى الميزان مقابل نظام ما من النظم السياسية وغيرها التي هي من انشاء الانسان والتي يكون قد سطرها في سبيل الوصول الى غاياته واسمى هذه الغايات الحرية والعدل والديموقراطية .
فهم الاديب . . . همه الاكبر همه الوحيد هو انه اذا ما خلا لنفسه قال لها : اطمئني وابشري اني رسول الحرية ورسول الديموقراطية والعدالة والحق اني اقضي حياتي في الدفاع عن الانسان وعن القيم الانسانية السامية اني لست اجير الحكومات ولست التاجر لحريات البشر ولست الساعي الداعى الذى تظنينه .
وقبل ان يسخر الاديب قلمه فى الدفاع عن القومية العربية يتساءل أهي مبنية على اسس الماضي الواهية أتسودها العصبية أتقوم على العنصرية اهي فاشستية أتشوبها الشعوبية اهي خاضعة لدولة ما ولحكومة ما ولرأى ما أتعلوها وطأة الدين ووطأة الافكار الرجعية ومشارب العلماء الذين مازالوا ماسكين باهداب الاسلام ، الاسلام الذي كان يدرس في القرون الوسطى على عهد الجاحظ والمتكلمين مثلا .
ويتساءل الاديب عما هو باق من آثار الماضي في هذه القومية العربية ، آثار العبودية آثار الاقطاعية آثار الطغيان آثار الملوكية
ثم ما هو نصيب القومية العربية من النظريات الفلسفية الخالدة نظريات الديموقراطية والحرية ، حرية الجماعات وحرية الشعوب والافراد نظريات سقراط وافلاطون ومونتسكيو وروسو وكنت وهيجل وماركس وغاندي ثم ما هي النظريات الفلسفية الاسلامية التي تعتمد عليها القومية العربية بقطع النظر عن القرآن الكريم ؟ أهى نظرية محمد اقبال او مقالات العقاد وسيد قطب وطه حسين في قرننا الحاضر ومقالات جمال الدين الافغاني والشيخ محمد عبده في القرن الماضي واصلاح ابن تيمية وابن قيم الجوزية قبلهم ؟
لعمري يجدر بالعرب اليوم ان يحصروا لنا كنوزنا العقلية حصرا تاما وان يعرضوها على العالم ليستنتج معنا ما هو صالح له ولنا وما قام به مفكرونا في سبيل تشييد صرح الانسانية .
ينبغي ان نصفي حساباتنا مع الماضي لنحدد موقفنا ازاء الحاضر والمستقبل ولنبني على أسس جدية واقعية ولنقوم مقامنا في عالمنا الثوري الذي استطاع الانسان اليوم ان يحيطه سيرا بالاقمار الصناعية .
كفانا عجزا وخمولا ورجعية وتمسكا بماض بعيد . كفانا امتثالا الى الخرافات والوهميات .
ليحطم ادباؤنا اغلال الماضي وليسيروا في ركب العلوم الرياضية التي غيرت العالم وجعلته رأسا على عقب ، عالما لم يصل فيه الانسان الى الاحراز على تفوق باهر الا بفضل ما توفر لديه من حرية وديموقراطية وتشجيع مبني على التحرك و الاندفاع . كفانا جمودا كفانا سباتا كفانا خذلانا ,
لنثر ، لندخل في التاريخ فابواب الاجتهاد مفتوحة امامنا على مصراعيها وما علينا الا ان نجد وما علينا الا ان نعمل ونسعى فكل ما من شأنه ان يضمن لنا مكانا رفيعا في التاريخ وكل ما من شأنه ان يرمي بنا في تيار العلم الزاحف فمرحى مرحى به ثم ان كانت القومية العربية تستطيع هذا كله فما علينا الا ان نلبي دعوة الداعي .
كفانا خوفا كفانا ايهانا ومستشرقون ك " ما سينيون " يعلنون في معاهد باريس وجامعاتها : أعينوا المسلمين انقذوهم المساكين من انحطاطهم المادي الادبي .
وراح بعض الادباء الفرنسيين ذات يوم الى ان يسأل ساخرا صديقا لي في باريس فقال : له ترى تستطيع ان تذكر لي اسما واحدا من الكتاب العرب وحتى المسلمين يصدق ان يقال عنه انه خدم الانسانية بتأليف او اختراع ؟ وزاد قائلا ايمكنك ان تعطيني عنوان كتاب واحد يتضوع انسانية ويكون قد الفه اديب عربى ثم ما هى الانسانية الاسلامية بعد ان كانت توجد إنسانية اسلامية خلال التآليف العربية الاسلامية ؟
حقا . . عجز صديقى الذي لم تكن ثقافته الا ثقافة فرنسية ولم يرد على السائل لكن صديقه اليوم يلقي السؤال على حضراتكم فما على الرسول الا البلاغ . حضرات الادباء ، الحرية واحدة والديموقراطية واحدة والحق واحد بالرغم من اختلاف النظم والبلدان وبالرغم من اختلاف الاقاليم فالانسان انسان في اليمن او العربية السعودية او في الصين او في السودان .
وزمرة الادباء زمرة واحدة لا فرق بين حافظ ابراهيم وتوماس اليوت ، ولا فرق بين برشت الالماني المسرحي الشهير وتوفيق الحكيم ، ولا فرق بين طه حسين ومورياك وكامو ، ولا فرق بين اليا ارامبور والعقاد ، ولا فرق بين الكاتب الجزائري كاتب ياسين ومحمود تيمور .
لا فرق بين ابن تيمية وابن قيم الجوزية والشيخ جمال الدين الافغاني والشيخ محمد عبده وابن باديس الجزائري وبين كل الكتاب والمفكرين والادباء والفلاسفة والمصلحين الذين بعثوا نهضة في أي بلد من بلدان العالم ؛ نعم هؤلاء هم الكتاب وهؤلاء هم الادباء وهؤلاء هم المصلحون الذين خدموا المرء وخدموا الشعوب وخدموا البشرية وخدموا القيم السامية . هؤلاء هم الذين تتوجهم الانسانية باكليل العدالة والحق والحرية والديموقراطية .
الأدب الجزائري المعاصر في خدمة الانسان الجزائرى
قبل الخوض في هذا الموضوع اريد ان احدثكم عن مقال كان له صدى مؤسف في الاوساط الادبية الجزائرية المعاصرة وهو ان استاذنا وعميدنا طه حسين عاب على الكتاب الجزائريين التآليف باللغة الفرنسية وراح الى ان يقول امام المجمع اللغوي في جلسة من جلساته الاخيرة : ان الاستعمار الفرنسى نال من الكتاب الجزائريين الى درجة انهم فقدوا قوميتهم العربية فكان حكمه من القساوة بمكان اذ لم يتعرض وقتا ما لدراسة الظروف الاستثنائية التي عانتها الجزائر ولكأس الامرار التي تجرعتها الجزائر طيلة ١٢٧ سنة المدة التي رضخت فيها للاستعمار الفرنسي الغاشم . ونحن لا نلتمس الاعذار لانفسنا اذ اننا ثائرون ومصممون على رد المياه الى مجراها في الجرائر واعادة العربية في الجزائر حتى لا يظل العربي غريب الوجه واليد واللسان لكن لا نحجم من ان نعبر صريحا عن رأينا ومن ان نرد على عميدنا وعزيزنا طه حسين .
سيدي طه حسين ، المهم هو ان يؤدي الكاتب شهادته وان يكتب في اللغة التى سمحت له الظروف بأن يتعلمها وانتم تعلمون جيدا الظروف والمراحل الاستعمارية التي اجتزناها . المهم سيدي هو ان يعبر الكاتب جزائريا كان او غير جرائري عن الواقع في بلاده عن الواقع الحي والوضع الراهن المهم ان يلتقط الكاتب الصور الناطقة في احوال بيئته ومجتمعه ، المهم ان تبقى شهادة الكاتب كوثيقة ثمينة يخلفها لمن بعده حتى يستمر الاديب في تأدية واجبه المقدس نحو وطنه ونحو اخيه ونحو بني جنسه وحتى يعرض احوال قومه وعشيرته على كل من يشعر وكل من يفكر وكل من يقرأ ونحن نرى انه ليس من العار ان يكتب الاديب باللغة
الفرنسية او اللغة الالمانية او اللغة الانجليزية او اللغة الروسية ولا مانع من ان يعبر عن افكاره فى تلك اللغات ما دام يحسنها ويجيدها ويتقنها وما دام يسخرها طيعة أمينة له وعليه فلماذا تصلح لعمري العبارة القائلة .. ان الكاتب الفلاني ترجم الى كذا وكذا من اللغات .
وكتابة الجزائريين بالفرنسية تشهد بعد على الاستعمار الفرنسي بانه منعهم وحال بينهم وبين التعبير عما يخالج ضميرهم وافكارهم واحساسهم بلغتهم الوطنية اللغة العربية .
لكن لنعد الى الموضوع ولنعرف بكاتبين جزائريين عظيمين ولنذكر شيئا ما عن الذي كتباه في سبيل الفرد الجزائرى وفي سبيل الجزائر الثائرة فلاشك انكم ستنسون انهما كتبا بالفرنسية و لا يبقى ماسكا باذهانكم الا ما عبرا به عن ماساة الجزائريين تلكم المأساة التي لا تقدرها حق قدرها الا الشعوب التي خضعت القرون الطويلة تحت نير الاستعمار .
أول هذين الكاتبين الجزائريين هو كاتب يس الذي عمره سبعة وعشرون سنة فقط والكتاب الذي اريد ان احدثكم عنه هو الذي تناول فيه كاتب يس قصة (نجمة)
تجري حوادث قصة نجمة بجبل الناضور وهو جبل حصين يوجد في اقصى الجانب الشرقي من عمالة قسنطينة المتاخمة لتونس .
وسكان جبل الناضور هذا من قبيلة عربية عريقة في النسب تسمى قبيلة كبلوت . وكبلوت هذا فيما يقال كان من اللاجئين الاندلسيين العرب الذين اضطهدهم الاسبان فاخرجوهم عن ديارهم .
وكانت قبيلة كبلوت نشرت الحضارة الاندلسية الاسلامية حولها وجعلت من جبل الناضور معقلا للعلم والآداب يؤمه الزائرون من كل فج .
وكانت هذه القبيلة امدت عمالة قسنطينة بعلمائها وقضاتها وأيمتها وقادتها الى ان اتى الفرنسيون فاحتلوها سنة ١٨٧٠ بعد مقاومة عنيفة استشهد فيها سبعة من مشاريخ جبل الناضور الكبلوتيين .
وهنا تبدأ القصة الحقيقة اذ ان اولئك المشايخ اجداد الكاتب الجزائري كاتب يس ، والمأساة تبدأ هنا اذ انهم اغتيلوا من طرف الاستعمار الفرنسي وبدأ الكاتب
الجزائري يحلل في روعة من البراعة والبيان كيف اصبح هو ابن اولئك السادة المشايخ العرب كيف اصبح صعلوكا او بمثابة الصعلوك وكيف اصبح يجيد الفرنسية ويتقنها وكيف اصبح بعيدا عن العربية وعن اهله العرب يتوغل في شوارع باريس وحانات باريس وفنادق باريس . انتهز كاتب يس فرصة وجوده بالجزائر اثناء ظروف حرجة واتى بصور حية من جبل الناضور ومن مدينة قسنطينة ولم يحدثنا كاتب من الكتاب عن قسنطينة كما حدثنا هو ولم يصف كاتب قسنطينة كما وصفها هو فانه اقتلعها اقتلاعا وجعلها امام الكاتب في موقعها الرهيب الحصين على شواهق وادي الرمل .
ويحدثنا الكاتب الجزائرى عن المرأة وعن مستواها الثقافي وعن علاقاتها بالرجال في مختلف البيآت الجزائرية ويحدثنا عن العمال الجزائريين وهم يرزحون تحت اثقال شحنات الاستعماريين فوق ارصفة المواني ويحدثنا عن حياة الفلاحين البائسة التي صارت بمثابة حياة حيوانات يستعملون في اثقل المهن
ويحدثنا عن الجزائريين المهاجرين في فرنسا الذين فارقوا وطنهم علهم يكتسبون القوت اليومي .
ويحدثنا عن الطلبة الجزائريين فى فرنسا وعن تاثير فرنسا فى تكوينهم العقلي كما يحدثنا عن امنياتهم الوطنية وعن رغائبهم التحريرية ويحدثنا كاتب يس عن القتل الجماعي الذي اقامته فرنسا بقالمة وسطيف فى الثامن من مايو ١٩٤٥ والذي ذهب ضحيته خمسة واربعون الف شابا جزائريا .
وخلال قصة نجمة كلها يزداد حب الكاتب الجزائري لنجمة وما نجمة هذه الا نجم من نجوم الحرية الطالعة في ليل الجزائر المظلم الليل الاستعمارى الرهيب . ونجمة هو اللفظ الجزائري العامي الذي يعبر عن النجم فنجم الحرية الطالع في ليل الجزائر كان يزداد لمعانا كلما تطور المجتمع الجزائرى ونجم الحرية نتج عن الامتحانات المريرة التى فرضها الاستعمار على الجزائرين ونتج عن التجارب وعن المحن التى بلغت بالجزائر الى ان يوحدوا صفوفهم وان يصنعوا بانفسهم السلاح الناجع ، السلاح القادر على ان يقضي قضاء نهائيا لا رجعة فيه على الاستعمار . ولم يتعرض كاتب يس الى ان يحلل او يدقق نفسية ابطال قصة نجمة بل اكتفى ان يلقى بهم في ميدان القصة كواقع حى
حتى كنت تشعر بأنهم يفكرون في مشاكلهم لا غير وحتى كنت تحس انهم يبحثون فيما عسى ان ينقذهم من الاستعمار .
وصور الكاتب الجزائرى ابطاله وهم يحيون حياة الاجير حياة الخادم حياة الحمال حياة دهان الاحذية وصور تجاربهم وآلامهم وظلم الاستعمار لهم الى غير ذلك مما اضطرهم الى الشعور بكيانهم كمجتمع والى الانتباه الى حشد قوى هائلة يواجهون بها الاستعمار ليقضوا بها على المستعمرين وعلى الجندرمة وعلى البوليس وعلى كل جراثيم وكل اذناب الاستعمار فى الجزائر .
نعم شعر الكاتب الجزائري العظيم كاتب يس وعمره لم يتجاوز العشرين سنة في عام ١٩٥٠ ان نجم الحرية طلع فى سماء الجزائر فاعلن عن طلوعه وصاح به فى الملا بفضل قصته الخالدة نجمة .
واليكم صوت كاتب جزائرى اخر وهو مضمون مقال كتبه الاديب الجزائري المعروف عمروش كتبه باللغة الفرنسية فى صحيفة الشهادة المسيحية الصادرة بباريس تحت عنوان ( وطن للجزائريين ) وتاريخ هذا المقال الثامن من نوفمبر سنة ١٩٥٧ فحسب .
الاعتراف بوطن للجزائريين
لابد من الاعتراف بوطن للجزائرين ووطن كما يرغبونه ذلكم جوهر المشكلة الجزائرية .
وان أنس لا انسى انه بعدما اغتصبت فرنسا وطنهم وبعدما اقصتهم عنه مسلوبين من كل حقوق الفرد التى تفتخر فرنسا وتمن بها على العالم . . ان انس لا انسى ان الجزائريين وعدوا بأن يعطوا اجمل وامجد واعز وطن فى العالم على الفرنسيين الوطن الفرنسى .
وكل الناس يعلمون ان الجزائريين ما هم الا اولئك المارقين على القانون الذين لم تعترف لهم فرنسا بحالة انهم مجاهدون وانهم بذلوا دماءهم كم من مرة فى ذمة الوطن الفرنسي وفى كل ميادين الشرف ولم تقابلهم فرنسا الا بالوعد الحقير ، وعد عتقهم مؤجلا .
ومن كان يدري ان فلاحي اوراس وعمالة وهران ونواحي الصمام والعاملين في الظلام في المدن والدواوير انهم سيكتشفون فى جوهر مأساتهم وجوهر بؤسهم وجوهر يأسهم الطريق الوحيد المؤدي الى النور الطريق الذى اداهم فعلا منذ أول نوفمبر سنة ١٩٥٤ الى ان يعلنوا لانفسهم امام العالم انهم احرار وانهم سادة فوق ثرى الاجداد .
اما الواجبات التى تدعى فرنسا انها تقوم بها فى الجزائر فإنها اكاذيب لا اكثر ولا اقل والشعب الجزائرى يعفيها من كل واجباتها فهو يطالبها بان تقدم امامه حساباتها اذ انه اصبح اليوم حرا . وانه اختار وطنه الطبيعي فالشعب الجزائرى اعلن استقلاله وصاح امام العالم بحريته فارادته لا ترد والجزائر حرة مستقلة .
