استقامتك لا تهمنى . كونى جميلة وكونى حزينة وكفى فان الدموع تزيد فى بهجة المحيا كما يزن النهر منظر الطبيعة وكما تزيد العاصفة فى بهجة الزهور أحبك . . .خاصة . . . حين يفر الفرح من جبينك المحطم ويغرق قلبك فى الفظاعة
فتح عينيه على أسوار الخداع والموت وتورد رحيقه من فرط آلامه .
على سريره الشوكى كان مستلقيا وابهام يده اليسرى فى فمه يغترف من رحيقه علقمه ويشرع فى الامتصاص حتى ينسل من ابهامه المسكر فيسقط فى غيبوبته .
ويبدأ فى سرد متاهاته . ذاكرته هى المخزون المتحرك يشدها ويجذبها ساعة الامتصاص. . . كل شىء فيه يوحى بالخبر والكشف . . . هو بعلامة النبوة « المتقاطرة من عينه . . . هو بمسحة الزهد المنتشرة على محياه . الخبر عنده والكشف من عمق عمقه يخرج ساعات امتصاص العضة .
تململ ـــ شفاف ـــ على شوك سريره واستقام رأسه على الوسادة ، امتص ابهامه بعنف فيضانى. . . وطفرت عيناه دمعا سقى شوك السرير . كان لا يسمع فى تلك الليلة ، وككل ليلة ، غير طقطقة ابهامه ونحيبه .
اشعل سجارته ونادى ثلاثا فى ظلمة الليل : أيتها الفاجرة . . . يا أيتها الفاحرة . . . يا فاجرة ، هيا أخرجي لتوك من ظلمة الليل ومن تجاعيده الميتة . . . ابحثي عن ـــ نور ـــ ، ابحثى عنها فى كل مكان . . .أريدها لتوي . . . أريدها يا فاجرة. . أتسمعيننى ؟ . هيا ركبى أجنحتك ، انى على عجلة من أمرى . . هيا طيرى فى الحال . . .لا تبطئى ، أنا انتظر . .
وتتراكم السحب على وجه الفاجرة وتمتطى زمنها وتهاجر الى ـــ نور ـــ تبحث فى كل مخابىء الزمن عن ظفائرها ويتواصل البحث بين الازقة المختنقة موتا ودعارة . . .كانت تتهادى فى البحث بين الاسوار فى كثبان أحجارها . . كان الاستقصاء والبحث على أشده . . .وتململت الفاجرة نافضة أجنحتها من غبار السفر المتوغل وبانت منها ابتسامة توحى للناظر العطشان بالماء وللعشب اليابس بالاخضرار . . . فكرت طويلا قبل أن تنطلق . . حاولت ان ترفض غير أنها خشيت عينيه وشوك سريره وابهامه.
هى. . تذكر جيدا ساعة دنو هامته عند نومه ومداعبتها لقضيبه . . هى . . تذكر جيدا استفاقته وهروبه الى عمق السرير. . كان يمتص العضة وعيناه تصرخان بها : لا . لا تقتربى . انى وهبت نفسى للنور .
صرخ ليلتها ـــ ها هو ابهامى . . . ألا ترين ؟ ! . .
وأطردتها عيناه . . . وما استطاعت الا الفرار والانصياع للقوة الفائضة من عينيه تجر وراءها بحار من الخوف والحب عصرتها الذاكرة وجرحتها فى أدغالها . . مسحت دموعها الفائضة . . وابتسمت مغمغمة .
ـــ لا بد أن أجد ـــ نور ـــ انه ينتظر . . . وعاودتها الابتسامة وهى تقطع دروب الخوف والليل وألقت بنفسها داخل عالمها .
ـــ روح الانتظار آه . . وآه . . كم عذبته الزمن يتحرك ـــ شفاف ـــ يسامره . . ما مله . .إما سئم غدره وما رضخ لمشيئته . .غلوه وعذبوه بسياط الزمن العلقم . قالو له :
ـــ من هنا يجب أن تبدأ من هنا يجب أن تبنى ما هدمته . . .من هذا المكان المعزول ستبدأ .. . أرخى رأسه ساعتها وغمغم ممتصا ابهامه. . دمعه كان يسافر كخنجر فى ثدى صبية . يخترق العين ليحط بين شفتيه ويمتص الابهام ومخلوط الدمع ليقول :
ـــ سأبدأ من جديد حتى . . وان وضعوا رأسى فى أعماق النتن ، سأبدأ . . سأبدأ . . .
ـــ أعرفه جيدا وأعرف اصراره . . كنت متأكدة . ان عيون الكشف لا تخطىء ولا تسقط فى العمى أنا أعرفه وأعرف اصراره . . سوف يصارع الزمن ويأتينا بثوبه منضويا عن جسده. . سيأتينا بالبعث وباليوم الحافل بالسعد وبالفرح .
سيعرف كيف يخرج ! سيعرف كيف يصارع ـــ عزرائيل ـــ وأعوانه ! . .
حين ذبحوا وريده ظنوا أن الفعل لا يمكن أن يجيء منقادا لرغبته .. . ظنوا أن الموت سيأكله وأن قسم العكس سيعود الى ظهره غارسا فيه أظافره. . . لكنه أحكم شد حزامه واستوى على عرش القيادة مقسما : فلي التخطى . . .وكان له الفعل. . وتخطى . .وما سئم الانتظار.
أتراه يسأم انتظارى ؟ ! . . .
وطردت من رأسها كل الهواجس وواصلت طريقها لا تلوى على شىء ، تقلب عينيها فى الظلمة جاعلة منها أنيسة ورفيقة لوحدتها . . .وحتى ان خشيت ما يأتيها به سوادها. . فالمهم أنها رفيقتها ويكفيها أن لها رفيقة واحدة فى هذه اللحظة تؤمن لها الطريق . . . فالى الآن لم تر من سوادها ما يزعجها وما يزعج أجنحتها . . فلتكن اذن رفيقة الظلمة . . .ألم يكن ـــ شفاف ـــ حبيب الظلمة ؟ ! .
ورفرفت أجنحتها فى الهواء ناشرة جوابا ضحكت منه حين سماعه :
ـــ بل قولى عشيق الظلمة وحبيبها من الازل الى الابد ! . .
كيف نسيت هذا وكيف أهملت ذاكرتها ضكايات الظلمة . . ؟ أهما شيئان لا يمكن فصلهما ؟
أيهما أصوب ـــ شفاف ـــ أم الظلمة ؟
أيهما أعمق سرا وأخلص عرقا ؟ شفاف ؟ أم الظلمة ؟
اعترفت بصعوبة الحكم وعللت اهمالها بجهلها وقصر عقلها وقلة بحثها وفراغ ذهنها . . أتراها بسيطة لهذه الدرجة وتافهة كعود ثقاب يكسر بعد الاشعال ؟ لم لم تقاومه ولم تغوه ؟ !
أترى ـــ نور ـــ تفوقها قدا وبهجة واجلالا وانوارا. . أم . . أنها تافهة بشهادة نفسها ؟
وتحلق فى اجواء الظلمة ثم تعود للسير بين الاسوار . تبحث بكل ما لديها من قوة . . الافكار والهواجس والبحث والذكرى لعبت بها وحبل الزم يجذبها فيضطرها البحث الى فتح كل الاقبية وكل الابواب والنوافذ - نور - هي غايتها و - شفاف - أراد هذا فلا مفر من قضائه ومن حكمته هكذا هو محب للشئ عاشقه . مجنون لا يعرف ردا للطلب . رغبته لا بد من اصطياد كنهها . . لو طلب ماء الواق من جزيرة العطش ياتون به فى الحال والا ف . . . ( . . .)
الرغبة تسكنه فى صدر صدره . . فى عمق عمقه . . والويل الويل لمن يخلف رغبته فنهايته تكون على يده . .وتبتسم نافضة جناح الجبر عنها مولولة :
ـــ نهايته ستكون فى الرغبة . . .فموته فى رغبته . . .أعرفه جيدا هكذا هو . . انه والله مجنون بالرغبة .
وتظهر فى آخر الزقاق فوانيس ترتقى على سطح الظلمة مباهية بمجدها الليلى جاعلة من نفسها مرشدة لعشاق الليل من خمارين وشعراء ومجانين . ويجىء الصوت المعربد من منعطف الزقاق الجانبى مرددا أغنية العودة:
(( ياخليله غني
أنا صاحبى بعد الجفاء بدلنى
يا عين ابكي
والزمن هالكني
يا عين ابكي
والزمن هالكني )) ( * )
وتنزوى الفاجرة فى ركن من الزقاق مختفية فى أجنحتها طالبة الستر والمعونة . وأصبح بعدها الصوت صدى تردده الاسوار وتشرب روحه الفوانيس وتطمئن الفاجرة وتتنفس من جديد محررة اجنحتها من الجسد . . .كانت متأكدة من عدم السقوط فى حبال العربيد المغنى ولكن زمان العهر مجلبة للغم والتعب .
هى تذكر لما طاردها البوليس خارج الاسوار . . . . تمزقت سترتها عند السقوط . . .لكنها هربت بل أعانوها على الهرب . ثلاث سنين مرت على هذه الحادثة الا أن الحدث جر الحدث . .انها محصنة بحصنه وبكشفه . . وما دامت فى خدمته فلا خوف عليها . . تظهر لمن شاءت وتختفى شاءت . .
انها مقتنعة بخروجها حتى وان كانت مغلوبة على أمرها . . . أرسلها شفاف الى ـــ نور ـــ فماذا عساها ان نقول ؟ فهى أدرى به ان طلب الشىء فهو أصله وان أمر فبالامر يحيا . . .وهى تعرفه ! !وتصدمها أولى خيوط البياض ونسماته . . . الفجر بانت أولى أنواره فالى متى ستظل تبحث ؟ . . .
ـــ على عجلة من أمرى أنا . . هيا طيري . . لا تبطئى . .أناأنتظر . . .
خطير أمره على ما يبدو فكلماته لا تزال ترن فى أذنيها بنبرات متشنجة أوتارها نشاز . . .
فما الامر يا ترى ؟ ـــ نور ـــ يريدها على عجل ؟ !
وتتجه مسرعة فى الفضاء الرحب تستنشق نغمات الفجر وأغانيه ، تحكم مراقبة الممرات باحثة عن ـــ نور ـــ أصل تواجدها وانطلقت أبواب الاسوار لافظة دفعاتها البشرية الاولى . .
= يا فتاح يا رزاق يا كريم . . . يجر عربته ويمضى .
= آه. . آه . . آه . . يسعل من صر صدره : - يا صاحبى ليلتنا طالت البارحة ، فكأنى لم أشرب منذ سنوات . . . ويواصلان السير .
= هيا يا بنات ، السيدة ـــ مريم ـــ أوصتنى البارحة أن نأتى باكرا هذا اليوم . . .فالزربية على وشك الانتهاء وعرس ـــ هدى ـــ على الابواب . . .
وتدافع الناس . . فكرة. . فكرة. . أنموذجا. . وكأن الانوار أطردتهم بسياطها . . .فمع كل شعاع دفعة جديدة . . .الى أن امتلات الازقة والشوارع وتوالت الحركة تتلوها الحركة . . والصوت يتلوه الصوت . .والفاجرة تراقب كل ما يجرى باحثة عن ـــ نور ـــ .
وتتركز المراقبة ويشتد الحصار . . .وتتابع الوفود والفاجرة ترقب . . وترقب . .وتتساءل . .
ـــ ماذا هناك يا ترى ؟ انها لم تأت الى . .هذه الساعة ؟ ! . . ليس من عادتها أن تتأخر . .هل قابلها فى أول الطريق فقطعه عليها ؟ ! . .
وتدير رأسها متأملة السماء . . .فاذا الزرقة قد عمها الصفاء والبهجة والنقاء . . . فينشرح صدرها وتنفض الاجنحة من عذاب سهر الامس وتعيد الطيران بسرعة مذهلة . . . الاشعة الفضية تكتسح الطريق والضفائر عارقة فى التيه والعجب والسماء تزغرد والنشوة تزهو من عينيها الفائضتين فى (. . . )وتعبر الطريق مستقيمة الرأس تناجى السماء قاصدة عملها .
ويأتى الفرح . . .
ــ نور . .نور . . يا صباح الخير والياسمين .
وتعيرها التفاتة لتلقى نظرة عليها وتنفرج شفتاها الورديتان :
ــ صباح الخير . . .
وتواصل سيرها رافعة رأسها كأن لم يكن ما كان . . . فكان البحث وأصوله وألغامه ولياليه ووجعه تسقط فى بئر النسيان . . . وتطير الفاجرة . . .

